تكلّمْنا عن هذه المسألةِ في مقالٍ سابقٍ بشكلٍ مختصرٍ، وهنا سنفصِّلُ ونزيدُ الأمرَ بياناً.
هذا البابُ معقودٌ لتحريرِ مصطلحِ «العقيدةِ» وبيانِ أصالتِه في الوحيِ واللغةِ وكلامِ العلماءِ، ثمّ بيانِ الأسماءِ التي عُرف بها هذا العلمُ عبرَ القرونِ — مِن السنّةِ، إلى الشريعةِ، إلى الإيمانِ، ثمّ الاعتقادِ — وما يتّصلُ بذلك مِن تقسيمِ الدينِ إلى أصولٍ وفروعٍ؛ إذ لا تنضبطُ صناعةُ العلمِ إلا بتحريرِ مصطلحاتِه أوّلًا، وبه يُنقَضُ تشغيبُ مَن زعمَ أنّ الكلمةَ لا أصلَ لها.
مصطلحُ العقيدةِ
ممّا أثارَه هؤلاء المخالفون مِن شُبَهٍ - بسببِ غيابِ منهجٍ متكاملٍ يوضِّحُ علمَ العقيدةِ - أنّ كلمةَ "التوحيدِ" و "العقيدةِ" لا أصلَ لهما عند العلماءِ المتقدِّمين وإنّما أشاعَها في هذا العصرِ مَن يُسمّونهم بالوهّابيّةِ!.
وقد تكلّمْنا عن كلمةِ "التوحيدِ" في كتابِ "مسائلِ التوحيدِ" وأثبتْنا ورودَها بلفظِها في كثيرٍ مِن الأحاديثِ النبويّةِ فضلًا عن ورودِها في كلامِ السلفِ.
وَلَا يَزَالُ عَجَبِي لَا يَنْتَهِي مِمَّنْ قَالَ: "إِنَّ ثُنَائِيَّةَ تَقْسِيمِ الدِّينِ إِلَى عَقِيدَةٍ وَشَرِيعَةٍ مِنْ أَخْطَرِ الْأُمُورِ الَّتِي جَرَّتْ آثَارًا سَيِّئَةً عَلَى دِينِنَا الْحَنِيفِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ مُخَالِفٌ لِحَقِيقَةِ الدِّينِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَأْلِيهُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَحْدَهُ".
ورغمَ أنّ أكثرَ الذين يُشغِّبون على أهلِ السنّةِ - في استعمالِهم لمصطلحِ العقيدةِ - مِن الأشاعرةِ المعاصرين إلا أنّهم لا يزالون يتغافلون عن أنّ كبارَ أئمّتِهم قد استخدموا لفظَ العقيدةِ حتى في تسميةِ مؤلَّفاتِهم فالجوينيُّ له (لُمَعُ الأدلّةِ في قواعدِ عقائدِ أهلِ السنّةِ) وكتابُ (العقيدةِ النظاميّةِ) وللغزاليِّ كتابُ (قواعدِ العقائدِ) وللبيهقيِّ كتابُ (الاعتقادِ على مذهبِ أهلِ السنّةِ و الجماعةِ).
وهذا يُذكِّرُنا باعتراضِهم على تقسيمِ التوحيدِ وشنّعوا على ذلك كثيراً حتى إذا أوقفْناهم على تقسيمِ أئمّتِهم للتوحيدِ، وظهرَ جهلُهم وعدمُ اطّلاعِهم - وهذه سِمةٌ ظاهرةٌ في أشاعرةِ العصرِ - أُسقِطَ في أيديهم.
وَهُنَا سَنُفَصِّلُ الْبَحْثَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِكَلِمَةِ "عَقِيدَةٍ" أَوْ "الْعَقِيدَةِ" ثمّ نعرِّجُ على ماذا نقصدُ بـ "علمِ العقيدةِ".
حولَ العقيدةِ وعلمِ العقيدةِ ومسائلِ العقيدةِ.
كَلِمَةُ "العَقِيدَةِ" مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ.
تُعَدُّ دِرَاسَةُ المُصْطَلَحَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الأَبْوَابِ المُهِمَّةِ فِي عُلُومِ الشَّرِيعَةِ وَالعَقِيدَةِ خَاصَّةً، لِمَا لَهَا مِنْ أَثَرٍ فِي ضَبْطِ المَفَاهِيمِ وَاسْتِقْرَاءِ التَّأرِيخِ العِلْمِيِّ لِلْأُمَّةِ.
وَمِنْ بَيْنِ المُصْطَلَحَاتِ الَّتِي ثَارَ حَوْلَهَا الجَدَلُ مُصْطَلَحُ العَقِيدَةِ.
تابعِ المقالَ الآتيَ ...