حَيْثُ إِنَّنَا نُؤَصِّلُ لِهَذَا العِلْمِ (عِلْمِ العَقِيدَةِ) فَلَا بُدَّ فِي العَقِيدَةِ مِنْ خِلَافٍ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ فِي حَدِيثِ الِافْتِرَاقِ: "افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، قِيلَ: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي".
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: هِيَ الجَمَاعَةُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.1
وَعِنْدَمَا نَقُولُ وَقَعَ الخِلَافُ أَوِ النِّزَاعُ لَا يَعْنِي أَنَّهُ يَسُوغُ الخِلَافُ أَوْ أَنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلِ العَقِيدَةِ وَلَمْ يَتَّفِقُوا، بَلْ هُمْ بَشَرٌ آحَادُهُمْ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ؛ فَمَنْ أَخْطَأَ أُنْكِرَ عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَرْجِعَ فَيَكُونَ حِينَئِذٍ هَذَا اتِّفَاقًا وَلَيْسَ اخْتِلَافًا، لَكِنْ لَوْ كَانَ لَهُمْ قَوْلَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِي مَسْأَلَةٍ وَلَمْ يُنْكِرْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، أَوْ قَدْ يَكُونُ وَقَعَ إِنْكَارٌ، فَبَقِيَ كُلُّ فَرِيقٍ عَلَى رَأْيِهِ، فَهَذَا أَيْضًا لَا يُسَمَّى اخْتِلَافًا بَلْ يُقَالُ لِلسَّلَفِ قَوْلَانِ فِي المَسْأَلَةِ، وَلَعَلَّ مَنْ أَنْكَرَ تَرَاجَعَ أَوْ ظَهَرَ لَهُ عَدَمُ جَدْوَى إِنْكَارِهِ لِوَجَاهَةِ القَوْلِ الآخَرِ وَهُنَا يُنْظَرُ لِلْقَرَائِنِ.
وَالقَائِلُونَ بِتَسْوِيغِ الخِلَافِ فِي العَقِيدَةِ سَوَاءً عِنْدَ السَّلَفِ أَوْ مَنْ أَتَى بَعْدَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ بَعْضَ المُخَالِفِينَ فِي العَقِيدَةِ مُجْتَهِدُونَ وَهُمْ بَيْنَ الأَجْرِ وَالأَجْرَيْنِ وَلَا يَصِحُّ بِحَالٍ أَنْ يُبَدَّعُوا، أَوْ أَنْ يُنْكَرَ عَلَيْهِمْ.
وَلَمْ يُفَرِّقُوا هَؤُلَاءِ بَيْنَ خِلَافٍ أُنْكِرَ فِيهِ عَلَى المُخَالِفِ فَلَمْ يُظْهِرْ قَوْلَهُ، وَخِلَافٍ نَشَأَ عَنْهُ مَذَاهِبُ وَأَتْبَاعٌ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ خِلَافٍ وَقَعَ ثُمَّ اسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ بَلْ صَارَ إِجْمَاعًا وَخِلَافٍ شَاعَ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ فِيهِ الأَمْرُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ.
ثُمَّ يَأْتِي هَؤُلَاءِ فَيَعْذِرُونَ المُخَالِفَ بِحُجَّةِ أَنَّ المَسْأَلَةَ وَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنِ اتِّفَاقٍ وَتَرَاجُعٍ، المُهِمُّ عِنْدَهُمْ أَنَّ المَسْأَلَةَ وَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ.
صُوَرُ الخِلَافِ عِنْدَ السَّلَفِ:
ثَبَتَ أَنَّ جَمَاعَةً اسْتَحَلُّوا شُرْبَ الخَمْرِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، مِنْهُمْ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، حَتَّى بَيَّنَ لَهُمُ الصَّحَابَةُ خَطَأَهُمْ فَتَابُوا وَرَجَعُوا، فَهَلْ يُقَالُ إِنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي حُرْمَةِ الخَمْرِ؟ لَا يَقُولُ هَذَا عَاقِلٌ.
وَقَدْ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ طَائِفَةٌ أَكَلُوا بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ، وَلَمْ يُؤَثِّمْهُمْ أَحَدٌ، وَخَطَؤُهُمْ قَطْعِيٌّ.
وَكَذَلِكَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَدْ قَتَلَ الرَّجُلَ المُسْلِمَ، وَكَانَ خَطَؤُهُ قَطْعِيًّا.
فَهَلْ يُقَالُ فِي كُلِّ مَا سَبَقَ أَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ؟!
وَأَشْهَرُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَدَّعِي الخِلَافَ فِي المَسَائِلِ العِلْمِيَّةِ (مَسَائِلِ العَقِيدَةِ) مَا وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنْ خِلَافٍ فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ لِرَبِّهِ فِي المِعْرَاجِ وَمَا يُنْسَبُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى رَبَّهُ وَإِنْكَارِ عَائِشَةَ لِذَلِكَ، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى قَوْلِ عَائِشَةَ "مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ تَعَالَى الفِرْيَةَ"2، وَأَيُّ إِنْكَارٍ أَشَدُّ مِنْ هَذَا؟ وَلَمْ يُحَقِّقُوا القَوْلَ فِيمَا نُسِبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَلَوْ سَأَلْتَ أَحَدَهُمْ مَاذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهَلْ عَائِشَةُ كَانَتْ تَقْصِدُ بِإِنْكَارِهَا ابْنَ عَبَّاسٍ، لَحَارَ وَمَا اسْتَطَاعَ جَوَابًا، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ -عَلَى الصَّحِيحِ- قَيَّدَ الرُّؤْيَةَ تِلْكَ بِالْمَنَامِ كَمَا حَقَّقَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ؛ أَيْ أَنَّ رُؤْيَةَ النَّبِيِّ لِرَبِّهِ كَانَتْ رُؤْيَا مَنَامٍ، أَيْ بِقَلْبِهِ لَا بِعَيْنِهِ الْبَاصِرَةِ.
وَبَعْضُهُمْ تَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ فِي الآخِرَةِ، وَلَوْ صَحَّ مَا زَعَمُوهُ لَكَانَ هَذَا اخْتِلَافًا فِي وَاقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَى المُخَالِفِ وَلَيْسَ اخْتِلَافًا فِي الرُّؤْيَةِ، نَقُولُ هَذَا تَنَزُّلًا، فَقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ المَسْأَلَةَ مِنْ جِنْسِ المَسَائِلِ الَّتِي وَقَعَ الخِلَافُ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ.
وَعِنْدَ التَّأَمُّلِ تَجِدُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ، بَلِ الْعَقِيدَةُ فِي الْأَصْلِ تَتَعَلَّقُ بِإِمْكَانِ رُؤْيَةِ اللهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَأَمَّا هَذِهِ فَهِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ: هَلْ رَأَى النَّبِيُّ رَبَّهُ؟ كَمَا يُقَالُ: هَلْ رَأَى النَّبِيُّ بَابَ الْجَنَّةِ؟ وَلِذَلِكَ أَقُولُ دَائِمًا: إِنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ يَزْعُمُ الْمُخَالِفُ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِيهَا الْخِلَافُ وَيَبْنِي عَلَى ذَلِكَ تَسْوِيغَ خِلَافِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهَا؛ فَلَا بُدَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَالشَّيْخِ أَنْ يُحَرِّرَ الْمَسْأَلَةَ، وَحِينَئِذٍ سَيَجِدُ أَنَّ مَا وَقَعَ هُوَ اتِّفَاقٌ وَلَيْسَ اخْتِلَافًا.
فَلَا يَأْتِينَا الآنَ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ بِحُجَّةِ شُمُولِ الِاجْتِهَادِ فِي الدِّينِ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ مَسَائِلِ العَقِيدَةِ؛ فَهَذِهِ النِّسْبَةُ تَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقٍ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِعَيْنِهَا، وَسَيَظْهَرُ لِكُلِّ مُرِيدٍ لِلْحَقِّ أَنَّ الحَقَّ فِي المَسْأَلَةِ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ وَإِنْ وَقَعَ خِلَافٌ بِسَبَبِ نَقْصِ عِلْمٍ أَوْ مَا إِلَى ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ وَالمُخَالِفُ حِينَئِذٍ يُوصَفُ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ أَوَّلُوا بَعْضَ الصِّفَاتِ، وَأَشْهَرُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ الْمُخَالِفُ تَأْوِيلُ الْمَعِيَّةِ بِالْعِلْمِ، وَرَغْمَ أَنَّ مَنْ يُسَوِّغُونَ الخِلَافَ فِي العَقِيدَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يُؤَوِّلُونَ الصِّفَاتِ وَلَا يَقْبَلُونَ بِهَذَا، إِلَّا أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي وُقُوعِ الخِلَافِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مَسْلَكٌ بَاطِلٌ فِي التَّحْقِيقِ؛ فَالْمُقَرَّرُ أَنَّ السَّلَفَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَمْ يُؤَوِّلُوا الصِّفَاتِ البَتَّةَ، وَكُلُّ مَا نُقِلَ خِلَافُ ذَلِكَ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَنَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: "أَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى الإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الوَارِدَةِ كُلِّهَا فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالإِيمَانِ بِهَا وَحَمْلِهَا عَلَى الحَقِيقَةِ لَا عَلَى المَجَازِ".3
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: "فَقَدْ ثَبَتَ مَا ادَّعَيْنَاهُ مِنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ بِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُمْ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَاعْتِرَافِ العُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ كُلِّهِمْ بِذَلِكَ، وَلَمْ أَعْلَمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافًا فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، بَلْ قَدْ بَلَغَنِي عَمَّنْ يَذْهَبُ إِلَى التَّأْوِيلِ لِهَذِهِ الأَخْبَارِ وَالآيَاتِ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ فِيمَا قُلْنَاهُ، وَرَأَيْتُ لِبَعْضِ شُيُوخِهِمْ فِي كِتَابِهِ قَالَ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَخْبَارِ الصِّفَاتِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ أَمَرَّهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، مَعَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ عَنْهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ؛ فَحَصَلَ الإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ".4
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ (ت795 هـ): "وَالصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ إِمْرَارِ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا كَمَا جَاءَتْ، مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ لَهَا وَلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ؛ خُصُوصًا الإِمَامَ أَحْمَدَ، وَلَا خَوْضَ فِي مَعَانِيهَا، وَلَا ضَرْبَ مَثَلٍ مِنَ الأَمْثَالِ لَهَا".5
وَقَدْ فَصَّلْتُ القَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ (الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ) وَرَدَدْتُ عَلَى مَنْ حَاوَلَ نَقْضَ الإِجْمَاعِ بِمَا فَهِمَهُ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ وَمَا نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ حَجَرٍ، وَرَدَدْتُ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَلَى بَعْضِ العَصْرِيِّينَ فِي تَأْوِيلِهِ لِصِفَةِ المَعِيَّةِ، وَفِيهِ وَضَّحْتُ المَسْلَكَ الصَّحِيحَ لِفَهْمِ كَلَامِ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ المُعَاصِرِينَ فِيمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمُ اخْتِلَافًا فِي هَذَا البَابِ بَابِ الصِّفَاتِ، فَلَا حُجَّةَ لِهَؤُلَاءِ المُدَّعِينَ لِلْخِلَافِ فِي العَقِيدَةِ.
وَفِي مَسَائِلِ الفُرُوعِ العَمَلِيَّةِ أَشْهَرُ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ قِصَّةُ "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمُ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ" وَرَغْمَ أَنَّ الخَطْبَ يَسِيرٌ فِي هَذَا البَابِ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الحَادِثَةَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، وَالخِلَافُ فِيهَا سَائِغٌ؛ رَغْمَ وُجُودِ النَّصِّ وَاحْتِجَاجِ الفَرِيقَيْنِ بِهِ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ نَصٌّ صَرِيحٌ يُبَيِّنُ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ، لِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي فَهْمِهِ؛ فَظَنَّ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ الإِسْرَاعُ فِي المَشْيِ، وَآخَرُونَ ظَنُّوا أَنَّهُ أَرَادَ أَلَّا يُصَلُّوا إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَلَوْ أَدْرَكَهُمُ الوَقْتُ.
قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ: "أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي المَسْأَلَةِ سُنَّةٌ وَلَا إِجْمَاعٌ، وَلِلِاجْتِهَادِ فِيهَا مَسَاغٌ؛ لَمْ يُنْكَرْ عَلَى مَنْ عَمِلَ بِهَا مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا"6، وَقَالَ: "مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ مَنْ عَمِلَ فِيهَا بِقَوْلِ بَعْضِ العُلَمَاءِ، لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُهْجَرْ".7
وَفَرَّقَ بَيْنَ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَمَسَائِلِ الخِلَافِ، وَبَعْضُ العَصْرِيِّينَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّ العُلَمَاءَ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ "لَا إِنْكَارَ" أَيْ مَا جَاوَزَ النَّصِيحَةَ كَالحِسْبَةِ وَالهَجْرِ.
وَرَأَيْتُ بَعْضَهُمْ يَحْتَجُّ بِعِبَارَةٍ مَنْسُوبَةٍ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ وَهِيَ قَوْلُهُ: (لَيْسَ لِلْفَقِيهِ أَنْ يُلْزِمَ أَحَدًا بِرَأْيِهِ) وَيَجْعَلُ ذَلِكَ حُجَّةً فِي عَدَمِ الإِنْكَارِ عَلَى المُخَالِفِ.
وَالمَرْوِيُّ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ: (لَا يَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مَذْهَبِهِ وَلَا يُشَدِّدُ عَلَيْهِمْ).
ذَكَرَهَا ابْنُ مُفْلِحٍ، قَالَ: "وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى بِخِلَافِ ذَلِكَ، قَالَ فِي رِوَايَةِ المَيْمُونِيِّ فِي الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالقَوْمِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ؛ يَنْهَاهُمْ وَيَعِظُهُمْ"8؛ أَيْ "لَهُ ذَلِكَ" وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ أَقَرَّ كَسْرَ ذَلِكَ الشِّطْرَنْجِ!