اعتدنا من المخالفين أن يُشنِّعوا على التأصيلات التي يُقرِّرها أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح، إمّا بقولهم هذا التأصيلُ مخالفٌ لما جرى عليه أصحاب المذاهب والمتكلمون، وإمّا أن يُنسَب هذا التأصيل إلى مذهب معين، وهو مذهب الحنابلة كما فعلت الأشاعرة مع شيخ الإسلام كما في مناظرة الواسطية.
أمّا الشُّبهة الأولى فلا نلتفتُ لها، لأنّ العُمدة في المذاهب هو قول أئمة المذهب، وأما المتأخرون الذين خدموا المذهب فيُؤخَذ من كلامهم ويُرَدُّ أكثرُه، وقد كان إمام الدعوة يقول: «وأكثرُ الإقناع والمنتهى مخالفٌ لمذهب أحمد ونصِّه»1، وقِسْ على ذلك بقيّةَ المذاهب وأما المتكلمون فأكثرُ مَن يُعظِّمهم هم الأشاعرة، وسنُبيِّن في هذه السلسلة أن المذهب الأشعري والذي استقر عليه الأمر عند المتأخرين أنه مذهب كلامي فلسفي، وقد حاول بعضهم أن يُفرِّق بين الفلسفة وعلم الكلام، والصحيح أنّه وإن وُجِد بعضُ الاختلافات بين المدرستين إلا أن الأصول واحدة، والمذهبُ يُقرَّر حسَبَ أصوله وليس الفروع، ومهما أتى المقرِّرُ للفرق بين المدرستين من فروق إلا أنّنا نَرُدُّ عليه بما قاله شيخ الإسلام وهو أعرف الناس بالمدرستين قال: "لَيْسَ لِلْفَلَاسِفَةِ مَذْهَبٌ مُعَيَّنٌ يَنْصُرُونَهُ، وَلَا قَوْلٌ يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالْمَعَادِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالشَّرَائِعِ، بَلْ وَفِي الطَّبِيعِيَّاتِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ، بَلْ وَلَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَنْطِقِ، وَلَا يَتَّفِقُونَ إِلَّا عَلَى مَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُ بَنِي آدَمَ مِنَ الْحِسِّيَّاتِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْعَقْلِيَّاتِ الَّتِي لَا يُنَازِعُ فِيهَا أَحَدٌ. وَمَنْ حَكَى عَنْ [جَمِيعِ] الْفَلَاسِفَةِ قَوْلًا وَاحِدًا فِي هَذِهِ الْأَجْنَاسِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِأَصْنَافِهِمْ وَاخْتِلَافِ مَقَالَاتِهِمْ"2
فإذا كانت قد وُجِدت اختلافاتٌ كثيرةٌ في المدرسة الواحدة، فهل يُقال إنّ فلسفة ابن سينا والفارابي والرازي وابن رشد تختلف عن فلسفة أرسطو أو أفلاطون، وقد علمنا أن الكل فلاسفة، فهل يصحّ أن يُقال هنالك فرقٌ مؤثِّرٌ بين الفلاسفة والمتكلمين؟
صحيح أنّ اسم المتكلِّمين نشأ مُؤخَّرًا بسبب الموضوع الذي يهتم به المتكلمون من موضوعات (علم) الفلسفة، وسيأتي زيادةُ بيانٍ لهذه المسألة وبيان أن الفلسفة والكلام يصعب أن يُسمَّيا علمَين.
بقي أن يقال: إن من المذاهب من برز اسمُه عند المتقدمين كالمذهب الحنبلي؛ لحوادثَ فرديةٍ أدت إلى ظهور هذا الاسم من بين المذاهب الأخرى، رغم مشاركة المذاهب الأخرى في المعركة الدائرة بين أهل السنة والمخالفين لهم.
وبناءً على هذا فإنه لا يصح أن يُنسب ضبطُ أصول المدرسة السنية وتحريرُ مقولاتها إلى مذهب من المذاهب الفقهية، فإن ذلك مخالف للحقيقة.
ولكن هذا الحكم لا يعني أن بعض المذاهب الفقهية لم يكن لها اختصاص في تبنِّي المدرسة السنية، ورفعِ رايتها والدفاعِ عنها في بعض المراحل التاريخية أو في بعض الأمصار، ومن أظهر الأمثلة على ذلك نسبةُ المدرسة السنية إلى الحنابلة، فهذه النسبة منتشرة جدًّا في المؤلفات الكلامية، فإن كثيرًا من المتكلمين لا يذكر مذهب أهل السنة إلا معزوًّا إلى الحنابلة، فتراهم يقولون: قالت الحنابلة كذا، وذهبت الحنابلة إلى كذا، خلافًا لما تقوله الحنبلية، وغير ذلك.
وسبب ذلك راجع إلى عدد من الأحداث التاريخية التي وقعت في بغداد وغيرها في منتصف القرن الخامس وما بعده؛ فقد وقعت صراعات وفتن بين الحنابلة وبين أتباع المذهب الأشعري — وغالبُهم من الشافعية — فتشكَّل تصورٌ بأن الحنابلة هم الممثلون للمدرسة السنية، ومن أول الخطابات التي ظهر فيها هذا التصور، الخطابُ الذي كتبه علماء الشافعية الأشاعرة إلى نظام الملك، حيث قالوا فيه: «إن جماعة من الحشوية والأوباش الرعاع المتوسِّمين بالحنبلية ...»3، ثم تطورت الأمور كثيرًا، فأضحت أكثر تمايزًا وأشد اختلافًا، كما سيأتي.