ذكر أسماء رموز الفرق الكلاميّة.

قال شيخ الإسلام:

"ثم أتباع هذه الطوائف يُحدِثون من الحُجَج العقليّة على قول متبوعهم ما لم تكن عند متبوعهم، فيكونون - بزعمهم - قد تبيّن لهم من العقليّات النافية ما لم يتبيّن لمتبوعهم.

واعتبر ذلك بما تجده من الحجج لأبي الحسين البصري وأمثاله ممّا لم يَسبِقه إليها شيوخُه، وما تجده لأبي هاشم، ولأبي عليٍّ الجبّائي، وعبد الجبار بن أحمد ممّا لم يَسبِقهم إليها شيوخُهم.

بل أبو المعالي الجويني، ونحوه ممن انتسب إلى الأشعري، ذكروا في كتبهم من الحجج العقليات النافية للصفات الخبرية ما لم يذكره ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابهما، كالقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثاله، فإن هؤلاء متفقون على إثبات الصفات الخبرية، كالوجه واليد والاستواء"1.

مذهب أبي الحسن الأشعري وأتباعه:

"وليس للأشعري في ذلك قولان، بل لم يتنازعِ الناقلون لمذهبه نفسه في أنه يثبت الصفات الخبرية التي في القرآن2، وليس في كتبه المعروفة إلا إثبات هذه الصفات، وإبطالُ قولِ مَن نفاها وتأوَّل النصوص.

وقد رد في كتبه على المعتزلة - الذين ينفون صفة اليد والوجه والاستواء، ويتأوّلون ذلك بالاستيلاء - ما هو معروف في كتبه لمن يتبعه، ولم يَنقُل عنه أحدٌ نقيضَ ذلك، ولا نقَل أحدٌ عنه في تأويل هذه الصفات قولين.

ولكن لأتباعه فيها قولان: فأما هو وأئمة أصحابه فمذهبهم إثبات هذه الصفات الخبرية، وإبطال ما ينفيها من الحجج العقلية، وإبطال تأويل نصوصها.

وأبو المعالي وأتباعه نفَوا هذه الصفات موافقةً للمعتزلة والجهمية.

ثم لهم قولان: أحدهما تأويل نصوصها، وهو أوّلُ قولَي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.

والثاني تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخِرُ قولَي أبي المعالي كما ذكره في الرسالة النظامية وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أنّ التأويل ليس بسائغٍ ولا واجبٍ.

ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إنّ العقل الصريح نفى هذه الصفات، ومنهم مَن يَقِف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي.

وأبو حامد تارة يثبت الصفات العقلية، متابعةً للأشعري وأصحابه، وتارة ينفيها أو يردها إلى العلم موافقةً للمتفلسفة، وتارةً يَقِف وهو آخر أحواله، ثمّ يعتصم بالسُّنّة ويشتغل بالحديث، وعلى ذلك مات"3.

مذهب ابن حزم:

"وكذلك أبو محمد بن حزم، مع معرفته بالحديث، وانتصاره لطريقة داود وأمثاله من نفاة القياس أصحاب الظاهر، قد بالغ في نفي الصفات وردها إلى العلم، مع أنه لا يثبت علماً هو صفة، ويزعم أن أسماء الله، كالعليم والقدير ونحوهما، لا تدل على العلم والقدرة، وينتسب إلى الإمام أحمد وأمثاله من أئمة السنة، ويدعي أن قوله هو قول أهل السنة والحديث، ويذُمُّ الأشعريَّ وأصحابَه ذمًّا عظيمًا، ويدعي أنهم خرجوا عن مذهب السنة والحديث في الصفات.

ومن المعلوم الذي لا يُمكِن مُدافعتُه أن مذهب الأشعري وأصحابه في مسائل الصفات أقرب إلى مذهب أهل السنة والحديث من مذهب ابن حزم وأمثاله في ذلك"4.

الفلاسفة الإسلاميّون:

"ثم المتفلسفة الدهرية، كالفارابي وابن سينا يزعمون أنّ العقل يُحيل مَعادَ الأبدان، فيجب تقديم العقليات على دلالة السمع، ويخاطبون من أقر بالمعاد من المعتزلة وموافقيهم في نفي ذلك، بما تُخاطِب به المعتزلةُ المُثبِتةَ الصفاتِ، ويقولون لهم: قولنا في نصوص المعاد كقولكم في نصوص الصفات"5.

يمكن تلخيص سبب إعراض ابن سينا وجمهور الفلاسفة المشائين عن ظواهر النصوص الصريحة في المَعاد الجُسماني (مع إقرارهم بالمعاد الروحاني) في أصلين رئيسيين يعودان إلى قوانينهم العقلية التي حاكَموا إليها الوحيَ:

1. تقديم "البرهان العقلي" (بزعمهم) على النقل

انطلق الفلاسفة من قاعدة منهجية تقول بتقديم العقل (ما يسمونه البرهان) على النقل عند التعارض. وفي مسألة المعاد، قام لديهم "برهانٌ فلسفيٌّ" يمنع إعادة الأجساد بعد فنائها، واعتمدوا على شبهات عقلية، أشهرها:

● استحالة إعادة المعدوم: رأوا أن البدن إذا تحلل وتفرق واستحال إلى تراب أو أكلته السباع، لا يُمكِن إعادةُ تجميعه هو هو بعينه؛ لأن "المعدومَ لا يُعاد".

● طبيعة النفس واللذة: اعتقدوا أن كمال النفس إنساني عقلي محض، وأن اللذة الحقيقية هي اللذة الروحية بالاتّصال بالعقل الفعّال، وأنّ البدن ليس إلا سجنًا وشاغلاً للنفس، فلا معنى -في نظرهم- لعودة النفس إلى السجن مرة أخرى في حياة الخلود.

2. نظرية "التخييل" في النبوات (خطاب الجمهور)

هذا هو السبب الأخطر والأكثر تأسيسًا لمنهجهم في التعامل مع النصوص، ويتلخص في الآتي:

● وظيفة النبي: يرى الفلاسفة أن النبي لا يأتي لتعليم الناس حقائق الوجود كما هي (فهذا دور الفيلسوف بزعمهم)، وإنما يأتي لـ "سياسة الجمهور" وإصلاحِ مَعاشهم.

● قصور فهم العامة: بما أن عامة الناس لا تدرك الحقائق الروحية المجردة (أن النعيم عقلي بحت)، اضطر الأنبياء -في زعم الفلاسفة- إلى استخدام أسلوب "التخييل" وضرب الأمثال المادية.

● صرف النصوص عن ظاهرها: وبناءً عليه، قالوا إن الآيات التي تتحدث عن (أنهار من عسل، وحور عين، ونار تحرق الجلود) ليست حقائق خارجية ستحدث فعلاً، وإنما هي رموز لتقريب معاني اللذة والألم الروحيين لذهن العامي، ليَرغَب في الطاعة ويَرهَب من المعصية.

الخلاصة:

بناءً على القانون العقدي، فإن هذا المسلك يمثل انحرافاً في "مصدر التلقي" حيث جعلوا العقل اليوناني حاكماً، وانحرافاً في "التعامل مع النصوص" حيث سلكوا مسلك التأويل المذموم الذي يفرغ النصوص من محتواها، مخالفين بذلك إجماعَ المسلمين وما علم من الدين بالضرورة، إذ إن نصوص المعاد الجسماني قطعية الدلالة لا تحتمل هذا النوع من التأويل الرمزي.