الدارس للعقيدة لابد أن يهتم بهذا الجانب من تأريخ الفرق البدعية، وقد لخَّص شيخ الإسلام تأريخ ما وقع من انحراف وكيف نشأ ما يسمى بالمذهب العقلي الذي كانت الفرق تعارض به النصوص، وقال في بيان أهمية معرفة هذا الباب "ويروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّه قال: إنّما تُنقَض عُرى الإسلام عُروةً عُروةً إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية.

وهذا حال كثير ممن نشأ في عافية الإسلام وما عرَف ما يُعارِضه ليتبيّن له فسادُه، فإن لا يكون في قلبه من تعظيم الإسلام مثل ما في قلب مَن عرَف الضِّدَّين.

ومن الكلام السائر: "الضِّدُّ يُظهِرُ حُسنَه الضِّدُّ"، "وبضدها تتبيّن الأشياء"1.

قال رحمه الله في الدرء:

"واعتبر ذلك بأمتنا، فإنه ما من مُدّةٍ إلا وقد يبتدع بعض الناس بدعاً، يزعُم أنّها معقولاتٌ.

ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة عليٍّ، والمرجئةُ والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا يَنتحِلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، لا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص"2.

بداية المنهج العقلي المعارض للنصوص:

"ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم ومع هذا فكانوا قليلين مَقمُوعين في الأمة.

وأولهم الجعد بن درهم، ضحّى به خالدُ بنُ عبد الله القَسْريُّ يوم الأضحى بواسط، وقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإنّي مُضَحٍّ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً ثم نزل فذبحه"3.

انتشار التجهم واستقواؤه بالسلطة:

"وإنما صار لهم ظهور شوكة في أوائل المائة الثالثة، لمّا قوّاهم مَن قوّاهم من الخلفاء، فامتحَن الناسَ ودعاهم إلى قولهم، ونصر الله الإيمان والسنة بمن أقامه من أئمة الهدى، الذي جعلهم الله أئمة في الدين بما آتاهم الله من الصبر واليقين كما قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: 24] .

والمقصود هنا أن ما تذكره الجهمية نفاة الصفات العقلية المناقضة للنصوص لم يكن معروفًا فيها عند الأمة إذ ذاك، ولما ابتدعوه لم يسمعه أكثر الأمة"4.

تحريف الجهمية واختلاف المتكلمين:

"ثم قد وضعت الجهمية من المعتزلة وغيرهم من ذلك في الكتب ما شاء الله وأكثر المؤمنين لا يعلمون ذلك، وما من أحد من النفاة إلا وقد يذكر على النفي من حججه العقلية ما لا يذكره الآخر، ولا تجد طائفتين يتفقان على طريقة واحدة عقلية، بل المعتزلة عمدتهم في النفي، أنّ الصفات أعراضٌ، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، وعمدتهم في نفي الجسم كونه لا ينفك من الحوادث، أو كونه مركباً من الأجزاء المفردة، فهم يستدلون بالأكوان الأربعة التي للجسم - وهي الاجتماع، والافتراق، والحركة والسكون - على حدوثه.

وأما ابن كلاب وأتباعه فينازعونهم في أن الصفات لا تقوم إلا بمحدث، ويُسلِّمون لهم أنّ الأفعال ونحوها من الأمور الاختيارية لا تقوم إلا بمحدث.

وكذلك الأشعري وأتباعه ينازعونهم في أن الصفات لا تقوم إلا بجسم، وتوافقهم على أن الأفعال لا تقوم إلا بجسم.

ومن أتباعهم المتفلسفة من نازعهم في أن الأفعال لا تقوم إلا بجسم.

وطوائف غير هؤلاء من الهاشميّة والكَرّاميّة وغيرهم يسلمون لهم أن الصفات والأفعال لا تقوم إلا بجسم، وينازعونهم في كون الجسم لا يخلو من الحوادث، ويُجوِّزون وجودَ جسمٍ ينفكّ من قيام الحوادث به، ثم يحدث فتقوم به بعد ذلك.

وقد ينازعونهم في كون كل جسم مركباً من الأجزاء المنفردة.

وهذه الطوائف وأمثالها من طوائف أهل الكلام، من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم، كلهم متفقون على أن الممكن لا يكون إلا جسماً، أو قائماً بجسم، ومتنازعون في الواجب.

والمتفلسِفة المشّاءون الذين يثبتون ممكناً ليس بجسم ولا قائم بجسم، يقولون: إن الجسم الممكن قد يكون قديماً أزلياً أبدياً تَحُلُّه الحوادث والأعراض وأن الجسم الممكن لا ينفك من الحوادث، وليس هو عندهم بمحدث، وهو مركب كتركيب الأجسام، وهو عندهم قديم أزلي، فهذا عندهم لا ينافي القدم والأزلية، وإنما ينفون ذلك عن واجب الوجود بناءً على أن إثبات الصفات تركيب، وواجب الوجود ليس بمركب.

والتركيب الذي يعنيه هؤلاء أعم من التركيب الذي يعنيه أولئك، فإن هؤلاء يزعمون أن هنا خمسة أنواع من التركيب يجب نفيها عن الواجب، فيقولون ليس له حقيقة سوى الوجود المطلق، إذ لو كان له حقيقة سوى ذلك لكان مركباً من تلك الحقيقة.

والوجود يثبتونه وجودًا مطلقًا بشرط الإطلاق، أو بشرط النفي، أو لا بشرط، مع علم كل عاقل أن هذا لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان، ويقولون: ليس له صفة ثبوتية: لا علم، ولا قدرة، إذ لو كان كذلك لكان مركباً من ذاتٍ وصفاتٍ.

ثم يقولون: هو عاقل ومعقول وعقل، وعاشق ومعشوق وعشق، وهو مُلتذٌّ ومُبتهِجٌ، ومُلتذٌّ به مُبتهَجٌ به، وذلك كله شيء واحد، فيجعلون الصفة هي الموصوف، وهذه الصفة هي الأخرى.

ومعلوم أن هذا أكثر تناقضاً من قول النصارى، ويقولون لا يدخل هو وغيره تحت عموم، لئلا يكون مركباً من صفة عامة وخاصة، كتركيب النوع من الجنس والفَصْل، أو من الخاصة والعرض العام، مع أنهم يقولون: الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، والواجب يتميز عن الممكن بما يختص به، ويقولون ليس فوق العالم، لأنّه لو كان كذلك لكان له جانبان، فيكون جسماً مركباً من الأجزاء المفردة، أو المادة والصورة"5.

قلت::

وخلاصة ما ذكره شيخ الإسلام يدور حول تفنيدِ حُجَج النُّفاة، مبيناً أنهم أسسوا نفي الصفات على مقدمات فلسفية حول "الجسمية" و"التركيب"، واختلفوا فيما بينهم في تفاصيل هذه المقدمات وتناقضوا، حيث تدرّجوا من نفي الصفات (كما عند المعتزلة) إلى نفي الحقائق والماهيات (كما عند الفلاسفة).