العجيب أن المتكلمين يقدمون أغلب النصوص في مسائل وأحداث اليوم الآخر لظنهم أنها لا تتعارض مع العقل رغمَ أنّها أمورٌ غيبيّةٌ وهذا من تناقضهم.
يقول ابن الباقلاني (ت 403هـ): "ويجب أن يعلم أن كل ما ورد به الشرع من عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، ورَدُّ الرُّوح إلى الميت عند السؤال، ونَصْبُ الصراط، والميزان، والحوض، والشفاعة للعصاة من المؤمنين، كلُّ ذلك حقٌّ وصِدقٌ، ويجب الإيمان والقطع به؛ لأن جميع ذلك غير مستحيل في العقل"1.
ويقول أبو المعالي الجويني (ت 478هـ): "جمل من أحكام الآخرة المتعلقة بالسمع: فمنها إثبات عذاب القبر، ومساءلة منكر ونكير، والذي صار إليه أهل الحق إثبات ذلك؛ فإنّه من مُجوَّزات العقول، والله مقتدر على إحياء الميت، وأمر الملكين بسؤاله عن ربه ورسوله، وكلُّ ما جوَّزه العقلُ، وشهدت له شواهد السمع، لزم الحكم بقبوله"2.
لكنهم في بعض هذه المسائل يغلب عليهم ما اعتادوه من تقديم العقل، وهذا يؤكد ما قررناه سابقا أن الفلاسفة والمتكلمين ليس لهم مذهب يتفقون عليه كما هو الحال عند أهل السنة أتباع السلف.
فهذا الغزالي تلميذ الجويني (ت 505هـ) تأوَّل بعضَ الأمور المتعلقة باليوم الآخر؛ بدعوى أنها تعارض العقل، فقال: "وإذا لم يكن بد من تصديق العقل لم يُمكِن أن تتمارى في نفي الجهة عن الله، ونفي الصورة، وإذا قِيل لك إنّ الأعمال تُوزَن، علِمتَ أنّ الأعمال عَرَضٌ لا تُوزَن، فلا بد من تأويل، وإذا سمعت أن الموت يؤتى به في صورة كبش أملح فيذبح، علِمتَ أنّه مُؤوَّلٌ؛ إذ الموتُ عَرَضٌ لا يُؤتى به؛ إذ الإتيان انتقال، ولا يجوز على العَرَض، ولا يكون له صورة كصورة كبش أملح؛ إذ الأعراض لا تنقلب أجساماً، ولا يُذبَح الموتُ؛ إذ الذبح فصل الرقبة عن البدن، والموت ما له رقبة، ولا بدن، فإنه عرض، أو عدمُ عَرَضٍ عند من يرى أنه عدم الحياة، فإذن لا بد من التأويل"3.
وقاعدتهم التي يسيرون عليها مع أدلة الشرع أنها ظنية ولا تفيد اليقين، يقول ابن القيم: "فلو كان ما أخبر الله تعالى به عن أسمائه وصفاته، واليوم الآخر، وأحوال الأمم وعقوباتهم لا تُفيد إلا ظنًّا، لكان المؤمنون إنْ يظنّون إلا ظنًّا، وما هم بمستيقنين، ولكان قوله تعالى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 4] خبرا غير مطابق؛ فإن علمهم بالآخرة إنما استفادوه من الأدلة اللفظية، لا سيما وجمهور المتكلمين يصرحون بأن المعاد إنما علم بالنقل، فإذا كان النقل لا يُفيد يقينًا لم يكن في الأمة من يوقن بالآخرة؛ إذ الأدلة العقلية لا مدخل لها فيها، وكفى بهذا بُطلانًا وفسادًا"4.
ورغم أنهم يصرحون بذلك مع نصوص الشريعة عامة لكن الحقيقة أن بضاعتَهم من النصوص مُزجاةٌ.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ما ذكره -يعني الجويني-: أنهم يثبتون ما يثبتونه من أمر الآخرة. فيقال لهم: هذا يثبتونه على وجه الجملة إثباتا يشركهم فيه آحاد العوام، ولا يعلمون من تفصيل ذلك ما يُجاب به أدنى السائلين، وليس في كتبهم ما في ذلك من الأحاديث التي وصف بها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولهذا تجدهم بذلك من أقل الناس علما بها، أو تجدهم مرتابين فيها، أو مكذبين. فأيُّ تعظيمٍ بمثل هذا؟!، وأي مزيّة بمثل هذا على أوساط العوام أو أدناهم؟! بل كثير من عوام المؤمنين يؤمن من تفاصيل هذه الأمور، يعلم منها ما أخبر به الشارع، ما ليس مذكورا في أصول هؤلاء، وإنما الفضيلة على عموم المؤمنين بأن يكون الإنسان أو الطائفة من أهل العلم، الذي لا يوجد عند عموم المؤمنين، وليس فيما ذكره من هذه الأصول ذلك"5.