قال شيخُ الإسلامِ في منهاجِ السنّةِ "حَتَّى أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ يَذْكُرُونَ فِي عَقَائِدِهِمْ تَرْكَ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ شِعَارِ الرَّافِضَةِ، [كَمَا يَذْكُرُونَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ كَانَ مِنْ شِعَارِ الرَّافِضَةِ] ، وَمَعَ هَذَا فَالشَّافِعِيُّ لَمَّا رَأَى أَنَّ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ كَانَ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ وَإِنْ وَافَقَ قَوْلَ الرَّافِضَةِ."1
فما ذكرَه عن الشافعيِّ يجعلُنا نفرّقُ بين خلافٍ وآخرَ في العقيدةِ، وأصلِ الخلافِ والحاملِ عليه ومدى انتشارِه، ومعرفةِ الأدلّةِ في البابِ، وهل يوجدُ إجماعٌ بعد خلافٍ، ومِن ذلك قولُ الإمامِ أحمدَ في مسألةِ تفضيلِ عليٍّ على عثمانَ بعد أن كان يفصّلُ، وقد ثبتَ عنه أنّه قال في آخرِ قولَيه هذا الآنَ شديدٌ.
وسنتعرّضُ في مبحثٍ قادمٍ حكمَ مَن خالفَ الآنَ في مسألةٍ وقعَ فيها الخلافُ في عهدِ السلفِ، مثلِ رؤيةِ النبيِّ لربِّه، أو مَن أخذَ بكلامِ ابنِ مسعودٍ في المعوّذتين، هل يُعتذَرُ له فلا يُضلَّلُ أو يُبدَّعُ أم أنّه لا يُعَدُّ مِن الخلافِ السائغِ، وغيرُ ذلك سيأتي بحثُه في مبحثِ : هل يسوغُ الخلافُ في العقيدةِ.
تغيُّرُ رأيِ الإمامِ أحمدَ في المسألةِ:
ففي كتابِ (السنّةِ) للخلّالِ: وأخبرَني عليُّ بنُ عبدِ الصمدِ ، قال : سمعتُ هارونَ الدِّيكَ ، يقولُ : سمعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ ، يقولُ : مَن قال : أبو بكرٍ ، وعمرُ ، وعثمانُ فهو صاحبُ سنّةٍ ، ومَن قال : أبو بكرٍ ، وعمرُ ، وعليٌّ ، وعثمانُ فهو رافضيٌّ ، أو قال : مبتدعٌ.
قال أخبرَني محمدُ بنُ عليٍّ ، قال : حدّثنا صالحٌ ، أنّ أباه قال : أهلٌ أن يُبدَّعَ ، أصحابُ النبيِّ ﷺ قدّموا عثمانَ.
أخبرَني زكريّا بنُ يحيى ، قال : سمعتُ أبا عبدِ اللهِ ، قال له رجلٌ : مَن قدّمَ عليًّا على عثمانَ ؟ قال : ذا قولُ سوءٍ.
قال أبو بكرٍ الخلّالُ : لا نرى في هذا البابِ مع توقّفِ أبي عبدِ اللهِ في غيرِ موضعٍ يكرهُ أن يقولَ : مبتدعٌ ، فكأنّه لم يرَ بأسًا لو قال له : مبتدعٌ ، ترى لم أرَه في هذا البابِ أجزمُ أنّه مبتدعٌ ؛ لأنّ المسألةَ التي رواها عليُّ بنُ عبدِ الصمدِ ، عن هارونَ قد رواها أبو بكرِ بنُ صدقةَ ، عن هارونَ ، وقد صيّرَها في آخرِ الأبوابِ ؛ لأنّه زادَ فيها زيادةً ، وقال فيها : هذا الآنَ شديدٌ ، هذا الآنَ شديدٌ ، ولم يقلْ ما قال عليُّ بنُ عبدِ الصمدِ ، وشكَّ عليُّ بنُ عبدِ الصمدِ أيضًا في اللفظِ ، فاستقرَّ القولُ مِن أبي عبدِ اللهِ أنّه يكرهُ هذا القولَ ، ولم يجزمْ في تبديعِه ، وإن قال قائلٌ : هو مبتدعٌ ، لم يُنكَرْ عليه ، وبالله التوفيق.2
قال الخلّالُ:
كتبَ إليَّ أحمدُ بنُ الحسنِ الورّاقُ مِن الموصلِ، قال: ثنا بكرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن أبي عبدِ اللهِ، وسألَه عمّن قال: أبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ وعثمانُ؟ فقال: «ما يعجبُني هذا القولُ، قلتُ: فيُقالُ: إنّه مبتدعٌ؟ قال: أكرهُ أن أُبدِّعَه، البدعةَ الشديدةَ، قلتُ: فمَن قال: أبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ وسكتَ فلم يُفضِّلْ أحدًا؟ قال: لا يعجبُني أيضًا هذا القولُ، قلتُ: فيُقالُ: مبتدعٌ؟ قال: لا يعجبُني هذا القولُ، قال أبو عبدِ اللهِ: يُروى عن عدّةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنّهم فضّلوا عثمانَ، قال ابنُ مسعودٍ:، «خيرُ مَن بقيَ» ، وقالت عائشةُ: «أصبحَ عثمانُ خيرًا مِن عليٍّ» ، وقال الدوريُّ: سمعتُ يحيى يقولُ: قال شريكٌ: ليس يُقدِّمُ أحدٌ عليًّا على أبي بكرٍ وعمرَ فيه خيرٌ»3
وأخبرَني زهيرُ بنُ صالحِ بنِ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدّثني أبي قال: سُئل أبي وأنا أسمعُ، عن مَن يُقدِّمُ عليًّا على عثمانَ مبتدعٌ؟ قال: «هذا أهلٌ أن يُبدَّعَ، أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قدّموا عثمانَ»4
أخبرَني محمدُ بنُ موسى، قال: قال أبو جعفرٍ حمدانُ بنُ عليٍّ أنّه سمعَ أبا عبدِ اللهِ، قال: وكان يحيى بنُ سعيدٍ يقولُ: عمرُ وقفَ، وأنا أقفُ، قال أبو عبدِ اللهِ: وما سمعتُ أنا هذا مِن يحيى حدّثني به أبو عبيدٍ عنه وما سألتُ أنا عن هذا أحد، أو ما صنعَ بهذا؟ قال أبو جعفرٍ، فقلتُ: يا أبا عبدِ اللهِ، مَن قال: أبو بكرٍ وعمرُ هو عندك مِن أهلِ السنّةِ؟ قال: لا توقفْني هكذا، كيف نصنعُ بأهلِ الكوفةِ، قال أبو جعفرٍ: وحدّثني عنه أبو السَّريِّ عبدوسُ بنُ عبدِ الواحدِ، قال: «إخراجُ الناسِ مِن السنّةِ شديدٌ»5
أملى عليَّ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ صدقةَ قال: سمعتُ هارونَ بنَ سفيانَ، قال: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: يا أبا عبدِ اللهِ، ما تقولُ فيمن قال: أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ؟ قال: فقال: «هذا قولُ ابنِ عمرَ، وإليه نذهبُ» ، قلتُ: مَن قال: أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ؟ قال: صاحبُ سنّةٍ، قلتُ: فمَن قال: أبو بكرٍ وعمرُ؟ قال: قد قاله سفيانُ وشعبةُ ومالكٌ، قلتُ: فمَن قال: أبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ؟ فقال: «هذا الآنَ شديدٌ، هذا الآنَ شديدٌ»6
وقد سبقَ قبلَ سنينَ طويلةٍ أن رددتُ على بعضِ المخلِّطين في الاعتقادِ في مسألةِ تسويغِه الخلافَ في مسألةِ التفضيلِ، ومسألةِ تأويلِ المعيّةِ، فكان بعضُ طلبةِ العلمِ يستغربون كيف أردُّ عليه في مسألةٍ وقعَ فيها الخلافُ فكان هذا مبلغَهم مِن العلمِ.