التصنيفُ في علمِ العقيدةِ
ولا زالَ التأليفُ في (علمِ العقيدةِ) ينقصُه الكثيرُ، بينما مسائلُ العقيدةِ أو متونُ العقيدةِ وشروحاتُها تملأُ المكتبةَ الإسلاميّةَ، فمِن مفرداتِ علمِ العقيدةِ - وقد أشرْنا إلى بعضِ ذلك سابقاً - دراسةُ تأريخِ التأليفِ في العقيدةِ، قبلَ معرفةِ محتوى تلك التآليفِ ومدى موافقتِها لعقيدةِ أهلِ السنّةِ والجماعةِ، وهذا فرقٌ يوضّحُ للقارئِ ماذا نقصدُ بعلمِ العقيدةِ، بالإضافةِ إلى تصنيفِ المدارسِ العَقَديّةِ ومعرفةِ تأريخِها وتطوّرِها وما الدافعُ إلى نشوئِها وانتشارِها، وهذا الجانبُ له ارتباطٌ بعلمِ الفِرَقِ والكتبِ المؤلَّفةِ في الفِرَقِ الإسلاميّةِ.
أوّلُ مَن ألّفَ في العقيدةِ:
ذكرْنا في فصولٍ سابقةٍ ما أُلِّف في العقيدةِ وبالتحديدِ عقيدةَ أهلِ السنّةِ والجماعةِ.
الغايةُ مِن التأليفِ في العقيدةِ:
أكثرُ المصنِّفين لكتبِ العقائدِ وخاصّةً المشهورين مِن أئمّةِ السلفِ، يقصدون بذلك بيانَ ونقلَ ما كان عليه النبيُّ وأصحابُه وأئمّةُ الدينِ مِن بعدِهم، كما جاء في الحديثِ في وصفِ الفرقةِ الناجيةِ أو الطائفةِ المنصورةِ وقد حاولَ بعضُ المعاصرين التفريقَ بينهما ولذلك مبحثٌ آخرُ سيأتي إن شاء اللهُ.
ونصوصُ الأئمّةِ تدلُّ على ذلك:
قال الإمامُ أحمدُ "أصولُ السنّةِ عندنا التمسّكُ بما كان عليه أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، والاقتداءُ بهم، وتركُ البدعِ؛ وكلُّ بدعةٍ فهي ضلالةٌ، وتركُ الخصوماتِ في الدينِ"1
وعن العبّاسِ بنِ الوليدِ قال: حدّثني أبي قال: سمعتُ الأوزاعيَّ يقولُ: عليك بآثارِ مَن سلفَ وإن رفضَك الناسُ، وإيّاك وآراءَ الرجالِ وإن زخرفوه لك بالقولِ، فإنّ الأمرَ ينجلي، وأنت على طريقٍ مستقيمٍ.2
وعن بقيّةَ بنِ الوليدِ قال: قال لي الأوزاعيُّ: يا بقيّةُ لا تذكرْ أحداً مِن أصحابِ نبيِّك صلى الله عليه وسلم إلا بخيرٍ.
يا بقيّةُ العلمُ ما جاء عن أصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وما لم يجئْ عنهم فليس بعلمٍ.3
وعن أبي إسحاقَ الفَزاريِّ قال: قال الأوزاعيُّ: اصبرْ نفسَك على السنّةِ، وقفْ حيث وقفَ القومُ، وقلْ بما قالوا، وكُفَّ عمّا كفّوا عنه، واسلكْ سبيلَ سلفِك الصالحِ، فإنّه يسعُك ما وسعَهم، ولا يستقيمُ الإيمانُ إلا بالقولِ، ولا يستقيمُ القولُ إلا بالعملِ، ولا يستقيمُ الإيمانُ والقولُ والعملُ إلا بالنيّةِ وموافقةِ السنّةِ، وكان مَن مضى مِن سلفِنا لا يفرّقون بين الإيمانِ والعملِ4