الشَّوَاهِدُ القُرْآنِيَّةُ

وَرَدَ جِذْرُ كَلِمَةِ "العَقِيدَةِ" فِي القُرْآنِ بِصِيَغٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنْهَا:

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ [البقرة: 235].

قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ [المائدة: 1].

وقَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة: 89].

فاليمينُ المعْقَدَةُ مأخوذةٌ مِن عقدِ القلبِ على فعلٍ في المستقبلِ، فاللهُ سبحانه يؤاخذُ عبادَه على الأيمانِ المعْقَدَةِ، الموثّقةِ بالقصدِ والنيّةِ، إذا حنِثوا فيها.

وهذه الآيةُ والتي ستأتي فيهما تعلّقٌ بالقلبِ أو ما انعقدَ في القلبِ فينشأُ عن ذلك (عقيدةٌ).

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: 33].

وفي قراءةٍ (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)، بالألِفِ وهي قِراءةٌ سَبعيَّةٌ مُتواتِرةٌ.

وفيهما تعلّقٌ بالقلبِ أو ما انعقدَ في القلبِ خاصّةً أنّها نزلت في التآخي بين المهاجرين والأنصارِ .

فهَذِهِ الآيَاتُ تُظْهِرُ المَعْنَى اللُّغَوِيَّ الأَصْلِيَّ لِلْعَقِيدَةِ بِاعْتِبَارِهَا مِنَ العَقْدِ الَّذِي هُوَ الجَمْعُ والشدُّ بَيْنَ أَطْرَافِ الشَّيْءِ وَإِحْكَامِهِ وَرَبْطِهِ وما يُبنى على ذلك مِن اعتقادٍ في القلبِ ينتجُ عنه عقيدةٌ.

الشَّوَاهِدُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ اسْتِعْمَالُ فِعْلِ "يَعْتَقِدُ" بالمَعْنَى القَلْبِيِّ الجَازِمِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ، وَفِيهِ:

"لَا يَعْتَقِدُ قَلْبُ مُسْلِمٍ عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ: إِخْلَاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلَاةِ الأَمْرِ، وَلُزُومُ الجَمَاعَةِ."1

فهل يُتصوَّرُ أن تكونَ هذه الألفاظُ متداولةً في العهدِ الأوّلِ ولا يُتصوَّرُ وجودُ لفظِ (عقيدةٍ)؟ مستبعَدٌ جداً إلا أن يقصدَ النافون عدمَ ورودِ ذلك في المؤلَّفاتِ فحينئذٍ يسقطُ الخلافُ .

الشَّوَاهِدُ مِنْ كَلَامِ العُلَمَاءِ وأهلِ اللغةِ

قال ابنُ فارسٍ (عقد) العينُ والقافُ والدالُ أصلٌ واحدٌ يدلُّ على شَدٍّ وشِدّةِ وُثوقٍ، وإليه ترجعُ فروعُ البابِ كلُّها.

وذكرَ وعَقَد قلبَه على كذا فلا يَنزِعُ عنه. واعتَقَد الشئُ: صَلُب.2

وقَالَ اللغويُّ نَشْوَانُ الحِمْيَرِيُّ: "العَقِيدَةُ: دِينُ الرَّجُلِ وَمَا يَعْتَقِدُهُ".

وَقَالَ الرَّاغِبُ: "العَقْدُ الجَمْعُ بَيْنَ أَطْرَافِ الشَّيْءِ، وَيُسْتَعَارُ لِلْمَعَانِي نَحْوُ عَقْدِ البَيْعِ وَالعَهْدِ".3

وَفي لسان العرب قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ: "حُبُّه النَّظَافَةَ مِنْ غيرِه كِنَايَةٌ عَنْ خُلُوصِ العَقِيدَةِ".4

قال ذلك تفسيرًا لحديثِ "إنّ اللهَ تبارك وتعالى نظيفٌ يحبُّ النظافةَ"

وَقَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ: "البَصِيرَةُ عَقِيدَةُ القَلْبِ".5

قَالَ العَلَّامَةُ الهَرَّاسُ: "الِاعْتِقَادُ مَصْدَرُ اعْتَقَدَ كَذَا إِذَا اتَّخَذَهُ عَقِيدَةً لَهُ، بِمَعْنَى عَقَدَ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ وَالقَلْبَ، وَأَصْلُهُ مِنْ عَقْدِ الحَبْلِ".6

ففِي لُغَةِ العَرَبِ، العَقِيدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ العَقْدِ وَالجَزْمِ وَالتَّوْثِيقِ وَالرَّبْطِ. وَهِيَ عَلَى وَزْنِ "فَعِيلَةٍ" بِمَعْنَى "مَفْعُولَةٍ"، أَيِ المَعْقُودَةِ الرَّاسِخَةِ فِي القَلْبِ بِلَا شَكٍّ. وَيُقَالُ: "عَقَدَ قَلْبَهُ عَلَى الشَّيْءِ" إِذَا لَزِمَهُ وَثَبَّتَهُ.

فمَادَّةُ "ع ق د" فِي "لِسَانِ العَرَبِ" وَ"تَهْذِيبِ اللُّغَةِ" وَ"مُفْرَدَاتِ القُرْآنِ" تُؤَكِّدُ أَنَّ "العَقِيدَةَ" اسْمٌ لِمَا يُعْقَدُ فِي القَلْبِ مِنَ الدِّينِ أَوِ الرَّأْيِ الرَّاسِخِ.

وقد وَرَدَ تَعْرِيفُ العَقِيدَةِ فِي المَعَاجِمِ وعند جمعٍ مِن اللغويّين كَابْنِ مَنْظُورٍ وَالأَزْهَرِيِّ وَابْنِ الأَثِيرِ، وقد أشرتُ لذلك سابقًا، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكَلِمَةَ قَدِ اسْتُعْمِلَتْ فِي التُّرَاثِ اللُّغَوِيِّ.

وبعضُهم حاولَ أن يستغلَّ الفرقَ بين لفظِ "عقد" بمعنى "شدّ وربط" وبين عقيدةٍ على وزنِ فعيلةٍ بمعنى "مفعول" أي "معقود" ليؤكِّدَ كلامَ النافين.

والحقيقةُ أنّها تعودُ إلى أصلٍ واحدٍ ففي اللغةِ، عقد تعني الربطَ أو الشدَّ بقوّةٍ، مثلُ "عقدِ الحبلِ" أي شدُّه، أو "عقدِ العهدِ" أي إبرامُه.

أمّا "عقيدة" فهي مصدرٌ على وزنِ فعيلةٍ بمعنى ما "يعقدُه" الإنسانُ بقلبِه مِن الاعتقادِ أو التصديقِ، أي ما يعتقدُه الإنسانُ بقلبِه بشدّةٍ ويُثبِتُه ويجزمُ به، سواءٌ كان ذلك اعتقاداً صحيحًا أو خاطئًا.

الشَّوَاهِدُ مِنْ أَسْمَاءِ الكُتُبِ

اُسْتُعْمِلَ لَفْظُ "العَقِيدَةِ" أَوْ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهَا فِي كَثِيرٍ مِنَ المُؤَلَّفَاتِ القَدِيمَةِ، مِنْهَا:

"كتابُ العقيدةِ التي حكاها أبو الفضلِ التميميُّ عن الإمامِ أحمدَ" (ت 241 هـ).

وفيه جملَة اعْتِقَاد أَحْمد بن حَنْبَل رَضِي الله عَنهُ وَالَّذِي كَانَ يذهب إِلَيْهِ.

"العَقِيدَةُ الطَّحَاوِيَّةُ" لِأَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ (ت 321 هـ).

"شرحُ أُصولِ اعتقادِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ" للَّالَكائيِّ (ت: 418هـ)

"عَقِيدَةُ السَّلَفِ أَصْحَابِ الحَدِيثِ" لِلصَّابُونِيِّ (ت 449 هـ).

"العَقِيدَةُ الوَاسِطِيَّةُ" لِابْنِ تَيْمِيَةَ، وَغَيْرُهَا كَالْحَمَوِيَّةِ وَالتَّدْمُرِيَّةِ.

كَمَا وُجِدَتْ مُؤَلَّفَاتٌ بِعُنْوَانِ "الِاعْتِقَادِ" وَ"اِعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ" قَبْلَ ذَلِكَ، تُعَالِجُ نَفْسَ المَوْضُوعِ.

الخلاصة

يَتَّضِحُ مِنَ الِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ كَلِمَةَ "العَقِيدَةِ" ومرادفاتُها مثلُ السنّةِ والشريعةِ وأصولِ الدينِ والتوحيدِ والفقهِ الأكبرِ لَيْسَتْ ألفاظًا مُحْدَثةً، بَلْ لَهَا أَصْلٌ لُغَوِيٌّ رَاسِخٌ فِي العَرَبِيَّةِ، وَمَضْمُونُهَا مَوْجُودٌ فِي النُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ وَالحَدِيثِيَّةِ بِصِيَغٍ اشْتِقَاقِيَّةٍ مُتَقَارِبَةٍ. كَمَا أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا كَمُصْطَلَحٍ عِلْمِيٍّ وَكِتَابِيٍّ يَعُودُ إِلَى القُرُونِ الأُولَى.

أَمَّا دَعْوَى انْعِدَامِ وُجُودِهَا فِي أُمَّهَاتِ المَعَاجِمِ أَوِ النُّصُوصِ، فَهِيَ مَرْدُودَةٌ بِالشَّوَاهِدِ الكَثِيرَةِ مِنَ التُّرَاثِ اللُّغَوِيِّ وَالعِلْمِيِّ كما مرَّ معنا.