هذا الفصل معقود لبيان المدرسة المقابلة لمدرسة أهل الأثر، وتأريخ الانحراف عن منهج السلف منذ الجعد بن درهم، وتفصيل مقالات الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية، وبيان أن التعطيل يقود إلى الشرك، وخُتم بتحرير الموقف من أعيان المخالفين بين مسلك الغلو ومسلك التمييع.

المخالفون لأهل الأثر

هذا يدعونا إلى الكلام عن المدرسة المعادية لمدرسة أهل الأثر، وهم أهل الكلام، ولذلك جاء عن السلف ذمُّ الكلام وأهلِه ويندرج تحت هذا الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة ومن تأثر بهم، وفي السنوات المتأخرة رأينا اهتمامًا بالفلسفة وعلم الكلام والمنطق من بعض طلبة العلم، ولا شكَّ أنّ في هذه الثلاثة أشياءَ مفيدة لكنها قليلة، وينبغي لمن درسها لغرض التحذير والرد، أن يكون من المتمكنين في العقيدة وقد قرأ كتبَ شيخ الإسلام خاصة المباحث التي تتكلم عن هذه العلوم الثلاثة.

وقد اختُلِف في سبب تسمية علم الكلام، لكنّ المتّفَق عليه أنّ السلف كانوا يذكرون هذا الاسم في مَعرِض الذمّ، بينما الفلاسفة والأشاعرة ومن سار على دربهم يذكرونه من باب المدح.

وحقيقتُه استخدامُ الفلسفة في باب الإلهيات، ولذلك كان أوّلُ جدلهم في مسألة صفة الكلام، ولذلك ذكر بعضهم أن هذا سبب التسمية بعلم الكلام، وقِيلَ لكثرة كلامهم وجدلهم، وهم يُسمّون المتعمِّق منهم في الإلهيّات بالمتألِّه ويطلقون هذا اللقب على بعض علمائهم.

وقد اعتمد المتكلمون الأصول العقلية في تقرير مسائل الاعتقاد، وأعرضوا عن الأدلة والآثار، بل بلغ بهم الأمر أنهم جعلوا تقديم النقل على العقل من أصول الكفر كما صرح بذلك كبار أئمتهم.

قال الرَّازِيُّ صاحب التفسير: "اعْلَمْ أنَّ الدَّلائِلَ القَطْعيَّةَ العَقْليَّةَ إذا قامَتْ على ثُبوتِ شيءٍ ثُمَّ وَجَدْنا أَدِلَّةً نَقْليَّةً يُشعِرُ ظاهِرها بخِلافِ ذلك فهناك لا يَخْلو الحالُ مِن أحَدِ أمورٍ أرْبَعةٍ: إمَّا أن يُصدِّقَ مُقْتَضى العَقْلِ والنَّقْلِ، فيَلزَمَ تَصْديقُ النَّقيضينِ، وهو مُحالٌ، وإمَّا أن يَبطُلَ فيَلزَمَ تَكْذيبُ النَّقيضينِ، وهو مُحالٌ، وإمَّا أن يُصدِّقَ الظَّواهِرَ النَّقْليَّةَ ويُكذِّبَ الظَّواهِرَ العَقْليَّةَ، وذلك باطِلٌ؛ لأنَّه لا يُمكِنُنا أن نَعرِفَ صِحَّةَ الظَّواهِرِ النَّقْليَّةِ إلَّا إذا عَرَفْنا بالدَّلائِلِ العَقْليَّةِ إثْباتَ الصَّانِعِ وصِفاتِه، وكَيْفيَّةَ دَلالةِ المُعجِزةِ على صِدْقِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وظُهورَ المُعجِزاتِ على يَدِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولو جَوَّزْنا القَدْحَ في الدَّلائِلِ العَقْليَّةِ القَطْعيَّةِ صارَ العَقْلُ مُتَّهَمًا غَيْرَ مَقْبولِ القَوْلِ، ولو كانَ كذلك لَخَرَجَ أن يكونَ مَقْبولَ القَوْلِ في هذه الأُصولِ، وإذا لم نُثبِتْ هذه الأُصولَ خَرَجَتِ الدَّلائِلُ النَّقْليَّةُ عن كَوْنِها مُفيدةً، فثَبَتَ أنَّ القَدْحَ في العَقْلِ لتَصْحيحِ النَّقْلِ يُفْضي إلى القَدْحِ في العَقْلِ والنَّقْلِ معًا، وأنَّه باطِلٌ، ولمَّا بَطَلَتِ الأقْسامُ الأرْبَعةُ لم يَبْقَ إلَّا أن يُقطَعَ بمُقْتَضى الدَّلائِلِ العَقْليَّةِ القاطِعةِ بأنَّ هذه الدَّلائِلَ النَّقْليَّةَ إمَّا أن يُقالَ: إنَّها غَيْرُ صَحيحةٍ، أو يُقالَ: إنَّها صَحيحةٌ إلَّا أنَّ المُرادَ مِنها غَيْرُ ظَواهِرِها، ثُمَّ إن جَوَّزْنا التَّأويلَ اشْتَغَلْنا على سَبيلِ التَّبرُّعِ بذِكْرِ تلك التَّأويلاتِ على التَّفْصيلِ، وإن لم يَجُزِ التَّأويلُ فَوَّضْنا العِلمَ بِها إلى اللهِ تَعالى، فهذا هو القانونُ الكُلِّيُّ المَرْجوعُ إليه في جَميعِ المُتَشابِهاتِ، وباللهِ التَّوْفيقُ".1

وهذا هو القانونُ الكلّيُّ عند الأشاعرة وقد ردَّ عليه شيخ الإسلام في «الدرء»2 فراجعه فإنه مهم.

وعُمدةُ الأشاعرة قواعدُ وأدلّةُ الفلاسفة كدليل الحُدوث والأعراض في باب الصفات خاصة وتوحيدُهم مبنيٌّ على أنّ الوجود واحدٌ لا يقبل التعدُّد وأنّ التعدُّد يستلزم التركيب.

وهو دليل أصحاب وحدة الوجود وجعلوا الإيمان واحدًا لا يقبل التجزيء وهو قول الجهمية المرجئة وفي باب النبوات جعلوا المعجزة هي الأساس في التفريق بين النبي وغيره وجعلوا لها شروطاً حتى بلغ بهم الأمر أنهم ما استطاعوا أن يفرقوا بها بين النبي والساحر إلا بتكلُّف.

وخلاصةُ مذهبهم هو تحكيمُ القواعد العقلية المبنية على الأدلة الفلسفية وليس مجرّدَ إعمالٍ للعقل، وإلّا فإنّ العقل له دَورٌ وقد استخدم السلف الأدلة العقلية في الردود والمناظرات، كما فعل الإمام أحمد في كتابه في الرد على الجهمية والدارمي في رده على بشر المريسي فالعقل لا يُلغى بالكلية عند السلف كما زعم بعضهم، لكنّه في حقيقة الأمر تابعٌ ويمكن أن يكون مستقلًّا في التمييز كما قال السجزي "الحجة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير وأن العقل آلةٌ للتمييز"3.