كما بيّنّا سابقاً وجاء ذلك ملخّصاً في كلامِ شيخِ الإسلامِ، فهذه هي الطريقةُ المسلوكةُ لأتباعِ السلفِ في التعاملِ مع مسائلِ العقيدةِ، وليس كحالِ بعضِ المعاصرين، يشرحون بعضَ المتونِ المشهورةِ مقتصرين على عبارةِ الماتنِ، دون التنبيهِ على ما أرادَ بها، وأحيانًا يتجاوزون عمّا فيها مِن مخالفاتٍ دون ردٍّ أو تنبيهٍ، وسيأتي ذكرُ مثالٍ على ذلك.
وكلّما تأخّرَ العصرُ وظهرت بدعٌ جديدةٌ، تجدُ أهلَ العلمِ يُدرجون الردَّ على ذلك في متونِ العقائدِ، رغمَ عدمِ الكلامِ عن تلك المسائلِ عند المتقدِّمين، فكتابُ الشريعةِ للآجُرّيِّ وما تلاه فيه مسائلُ لا تجدُها عند مَن سبقَه مِن المتقدِّمين، فتجدُ متونَ العقيدةِ يُذكَرُ فيها مسائلُ جديدةٌ كلّما تأخّرَ العصرُ وكثرت البدعُ إلى عصرِنا هذا، كالتفصيلِ في الصفاتِ كما سبق وكمسألةِ الولاءِ والبراءِ والحكمِ بغيرِ ما أنزلَ اللهُ والشركِ في العبادةِ والعذرِ بالجهلِ و في هذه الموسوعةِ بيانُ الحقِّ في هذه المسائلِ.
وكتبُ الاعتقادِ منها المتوسِّعُ ومنها المختصرُ وأغلبُ المختصراتِ يكونُ فيه الكلامُ عن:
1) بابُ الصفاتِ، وأعظمُ مَن ضلَّ فيه هم المعطِّلةُ والممثِّلةُ مِن الجهميّةِ ونحوِهم.
2) بابُ القدرِ، وأعظمُ مَن ضلَّ فيه هم القدريّةُ والجبريّةُ مِن المعتزلةِ ونحوِهم.
3) بابُ الإيمانِ، وأعظمُ مَن ضلَّ فيه هم المرجئةُ والوعيديّةُ مِن الجهميّةِ ونحوِهم.
4) بابُ الإمامةِ والتفضيلِ، وأعظمُ مَن ضلَّ فيه هم الرافضةُ والنواصبُ ونحوِهم.
5) بابُ المعادِ وأمورِ الآخرةِ، وأعظمُ مَن ضلَّ فيه هم الفلاسفةُ والباطنيّةُ ونحوِهم.
وهذه الموضوعاتُ الخمسةُ سمّاها شيخُ الإسلامِ قواعدَ الإسلامِ التي وقعَ فيها الخلافُ بعد عهدِ الصحابةِ : الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ، وَ مَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، وَمَسَائِلِ الْإِمَامَةِ.
وجعلَها الأسسَ التي تميّزُ أهلَ الحقِّ قال في المنهاجِ "فَهُمُ الْوَسَطُ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ كَمَا أَنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ هُمُ الْوَسَطُ فِي أَهْلِ الْمِلَلِ: هُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ اللَّهِ بَيْنَ أَهْلِ التَّعْطِيلِ وَأَهْلِ التَّمْثِيلِ. [وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: " «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا» ". " وَحِينَئِذٍ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ خَيْرُ الْفِرَقِ] .
وَفِي بَابِ الْقَدَرِ بَيْنَ أَهْلِ التَّكْذِيبِ بِهِ وَأَهْلِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَفِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ بَيْنَ الْوَعِيدِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ، وَفِي بَابِ الصَّحَابَةِ بَيْنَ الْغُلَاةِ وَالْجُفَاةِ، فَلَا يَغْلُونَ فِي عَلِيٍّ غُلُوَّ الرَّافِضَةِ، وَلَا يُكَفِّرُونَهُ تَكْفِيرَ الْخَوَارِجِ، وَلَا يُكَفِّرُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَمَا تُكَفِّرُهُمُ الرَّوَافِضُ وَلَا يُكَفِّرُونَ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا كَمَا يُكَفِّرُهُمَا الْخَوَارِجُ".1
وفي كتابِ (الحجّةِ في بيانِ المحجّةِ) لقِوامِ السنّةِ إسماعيلَ الأصبهانيِّ "قَالَ بعض الْعلمَاء: الْأُصُول الَّتِي ضل بهَا الْفرق سَبْعَة أصُول: القَوْل من ذَات الله سُبْحَانَهُ، وَالْقَوْل فِي صِفَاته، وَالْقَوْل فِي أَفعاله، وَالْقَوْل فِي الْوَعيد، وَالْقَوْل فِي الْإِيمَان، وَالْقَوْل فِي الْقُرْآن، وَالْقَوْل فِي الْإِمَامَة.
فَأهل التَّشْبِيه ضلت فِي ذَات الله، والجهمية ضلت فِي صِفَات الله، والقدرية ضلت فِي أَفعَال الله، والخوارج ضلت فِي الْوَعيد، والمرجئة ضلت فِي الْإِيمَان، والمعتزلة ضلت فِي الْقُرْآن، والرافضة ضلت فِي الْإِمَامَة.
فَأهل التَّشْبِيه تعتقد لله مثلا، والجهمية تَنْفِي أَسمَاء الله وَصِفَاته، والقدرية لَا تعتقد أَن الْخَيْر وَالشَّر جَمِيعًا من الله، والخوارج تزْعم أَن الْمُسلم يكفر بكبيرة يعملها، والمرجئة تَقول: إِن الْعَمَل لَيْسَ من الْإِيمَان وَإِن مرتكب الْكَبِيرَة مُؤمن، وَإِن الْإِيمَان لَا يزِيد وَلَا ينقص، والرافضة تنكر إِعَادَة الإجسام وتزعم أَن عليا رضي الله عنه لم يمت، وَأَنه يرجع قبل يَوْم الْقِيَامَة، والفرقة النَّاجِية: أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَأَصْحَاب الحَدِيث وَهُوَ السوَاد الْأَعْظَم"2
فأكثرُ مَن ألّفَ في الاعتقادِ حتى مِن المخالفين يعدُّ هذه الأصولَ أو بعضَها محورَ الخلافِ كما فعلَ الشهرستانيُّ في الملل والنحل فقد عدَّ منها "التوحيدَ، والعدلَ، والوعدَ، والوعيدَ، والسمعَ، والعقلَ"3