لا نكادُ نجدُ أحدًا مِن المتقدِّمين استعملَ هذا التركيبَ اللقبيَّ «علمُ العقيدةِ»، وأكثرُ ما نجدُ لديهم تسميةَ ما ينقلونه عن أئمّةِ السلفِ باسمِ «العقيدةِ»، وهو مِن أشهرِ الأسماءِ وأكثرِها تداولًا عند المتأخِّرين.
ولم يكن هذا الاسمُ الأوّلَ ظهورًا، وإنّما ظهرَ في القرنِ الثالثِ الهجريِّ، ومِن أقدمِ مَن وصلَنا استعمالُه لهذا الاسمِ: الطحاويُّ (ت 321هـ)، حيث يقولُ في بدايةِ عقيدتِه: «هذا ذكرُ بيانِ عقيدةِ أهلِ السنّةِ والجماعةِ على مذهبِ فقهاءِ الملّةِ: أبي حنيفةَ النعمانِ بنِ ثابتٍ الكوفيِّ، وأبي يوسفَ يعقوبَ بنِ إبراهيمَ الأنصاريِّ، وأبي عبدِ اللهِ محمدِ بنِ الحسنِ الشيبانيِّ رضوانُ اللهِ عليهم أجمعين، وما يعتقدون مِن أصولِ الدينِ ويدينون به ربَّ العالمين».1
ورغمَ أنّ المتنَ عليه مؤاخذاتٌ كثيرةٌ وقد جمعتُها في رسالةٍ خاصّةٍ إلا أنّ شهرةَ هذا المتنِ جعلت كثيرًا مِن طلّابِ العلمِ يظنُّ أنّه هو المتنُ الذي يمثِّلُ عقيدةَ أهلِ السنّةِ والجماعةِ رغمَ أنّه ذكرَ أئمّةَ الحنفيّةِ في تعريفِه لكتابِه، وكان مِن آثارِ ذلك انتشارُ عقيدةِ المرجئةِ عند كثيرٍ مِن المعاصرين، وبالأخصِّ عقيدةِ مرجئةِ الفقهاءِ، حتى صرّحَ بعضُهم أنّ الخلافَ معهم خلافٌ لفظيٌّ صوريٌّ، وقد رددتُ هذه الفريةَ في رسالةٍ خاصّةٍ مِن هذه السلسلةِ وبيّنتُ التوجيهَ الصحيحَ لكلامِ شيخِ الإسلامِ وذكرتُ الشرطَ الذي ذكرَه، والذي تغافلَ عنه كثيرٌ مِن المعاصرين والذي يجعلُ الخلافَ معهم لفظيًّا لو حقّقوه، ولم يحقّقوه لا هم ولا مرجئةُ العصرِ الذين صرّحوا أنّ الإيمانَ ينقصُ حتى يبقى منه ذرّةٌ.
وممّن استخدمَ هذا الاسمَ: اللالكائيُّ (ت 418هـ)، حيث سمّى كتابَه: «شرحُ أصولِ اعتقادِ أهلِ السنّةِ والجماعةِ». وممّن استخدمَه أيضًا: الصابونيُّ (ت 449هـ)، حيث سمّى كتابَه: «عقيدةُ السلفِ وأصحابِ الحديثِ»، وذكرَ فيها اعتقادَ أئمّةِ السلفِ في أصولِ الدينِ.