مبادئُ كلِّ علمٍ
قد قيلَ :
إِنَّ مَبادِئ كُلِّ فَنٍّ عَشَرَه الحَدُّ وَالموضُوعُ ثُمَّ الثَّمَـرَه
وَنِسْـبَةٌ وَفَضْـلُهُ وَالوَاضِـعْ وَالاِسْـمُ الِاسْتِمْدَادُ حُكْمُ الشَّارِعْ
مَسَائِلٌ والبَعْضُ بِالبَعْضِ اكْتَفَى وَمَنْ دَرَى الجَمِيعَ حَازَ الشَّرَفَـا.
وبهذه المبادئِ العشرةِ تستطيعُ على الأقلِّ أن تميِّزَ بين العقيدةِ ومسائلِ العقيدةِ وعلمِ العقيدةِ.
وهذا يحتاجُ جهداً يقومُ به العلماءُ، لإبرازِ علمِ العقيدةِ كعلمٍ مستقلٍّ كباقي العلومِ الأخرى، بحيث يجدُ الدارسُ أو طالبُ العلمِ مادّةً متكاملةً تؤهّلُه ليكونَ متخصّصًا في علمِ العقيدةِ، لأنّ ما نجدُه الآنَ موادُّ متفرّقةٌ تُدرَّسُ في المعاهدِ العلميّةِ لسدِّ هذا النقصِ.
ومِن الأمورِ التي تجعلُك تميِّزُ بين هذه المصطلحاتِ الثلاثةِ، أنّ علمَ العقيدةِ يتطوّرُ ومسائلَ العقيدةِ تتجدّدُ بينما العقيدةُ لا تتطوّرُ ولا تتجدّدُ، بل كلُّ مسلمٍ مطالَبٌ بالأمرِ القديمِ العتيقِ، وهو ما كان عليه النبيُّ وأصحابُه والسلفُ الصالحُ.
يقولُ السمعانيُّ «فوسَّعَ اللهُ هذا الأمرَ على هذه الأمّةِ، وجوَّزَ الاجتهادَ وردَّ الفروعِ إلى الأصولِ لهذا النوعِ مِن الضرورةِ، ومثلُ هذا لا يوجدُ في المعتقداتِ لأنّها محصورةٌ محدودةٌ، قد وردت النصوصُ فيها مِن الكتابِ والسنّةِ، فإنّ اللهَ تعالى أمرَ في كتابِه وعلى لسانِ رسولِه صلى الله عليه وسلم باعتقادِ أشياءَ معلومةٍ لا مزيدَ عليها ولا نقصانَ عنها، وقد أكملَها بقولِه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3]، فإذا كان قد أكملَه وأتمَّه، وهذا المسلمُ قد اعتقدَه وسكنَ إليه ووجدَ قرارَ القلبِ عليه، فبماذا يحتاجُ إلى الرجوعِ إلى دلائلِ العقلِ وقضاياه؟ واللهُ أغناه عنه بفضلِه».1
وقد حاولَ بعضُهم ممّن ينتسبُ للسلفيّةِ، ردَّ هذا التقريرِ بما لا طائلَ مِن ورائِه وكان ذلك بعضاً مِن محاولاتِه لفتحِ بابِ الاجتهادِ في العقيدةِ، ولو مِن خلالِ ردِّ بعضِ مسائلِ العقيدةِ المبنيّةِ على أحاديثِ الآحادِ وسيأتي التنبيهُ على بعضِ تلك المحاولاتِ.
وأمّا قولُ بعضِ العصريّين، أنّ ما كان دليلُه ظنّيًّا لا قطعيًّا فيجوزُ الاجتهادُ فيه، فيقولُ شيخُ الإسلامِ "أنّ مِن الناسِ مَن يقولُ مسائلُ الأصولِ لا يجوزُ التمسّكُ فيها إلا بأدلّةٍ يقينيّةٍ لا ظنّيّةٍ، هذا على وجهين، فإن كان ممّا أُمِرْنا فيها باليقينِ كاليقينِ بالوحدانيّةِ والإيمانِ بالرسولِ والإيمانِ باليومِ الآخرِ ممّا أُمِرْنا فيه باليقينِ، لم يُمكنْ إثباتُها إلا بأدلّةٍ يقينيّةٍ، وأمّا ما لا يجبُ علينا فيه اليقينُ كتفاصيلِ الثوابِ والعقابِ ومعاني بعضِ الأسماءِ والصفاتِ، فهذه إذا لم يكن فيها دليلٌ قطعيٌّ يدلُّ على أحدِ الطرفين كان القولُ ممّا يترجّحُ مِن الأدلّةِ أنّ هذا هو الظاهرُ الراجحُ، قولاً عدلاً مستقيماً بل كان خيراً مِن الجهلِ المحضِ، وأيضًا فمِن الناسِ مَن لا يقدرُ على العلمِ في جميعِ ما يتنازعُ فيه الناسُ وفي دقيقِ المسائلِ، فإذا تكلّمَ بحسبِ طاقتِه واجتهادِه فـلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 286]"2
وفي هذا إشارةٌ إلى أنّ الأمرَ يختلفُ مِن شخصٍ لآخرَ.
وقد قال قبلَ كلامِه هذا "فصلٌ قال الرازيُّ الفصلُ الثالثُ في الطريقِ الذي يُعرَفُ به كونُ الآيةِ محكمةً أو متشابهةً:
اعلمْ أنّ هذا موضعٌ عظيمٌ، وذلك لأنّ كلَّ واحدٍ مِن أصحابِ المذاهبِ يدّعي أنّ الآياتِ الموافقةَ لمذهبِه محكمةٌ والآياتِ الموافقةَ لمذهبِ خصمِه متشابهةٌ، فالمعتزلةُ تقولُ إنّ قولَ اللهِ تعالى فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29] محكمةٌ وقولَه تعالى وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان: 30] متشابهةٌ، والسنّيُّ يقلبُ القضيّةَ في هذا البابِ، والأمثلةُ كثيرةٌ فلابدّ هاهنا مِن قانونٍ أصليٍّ يُرجَعُ إليه في هذا البابِ".3
ويمكنُ على ضوءِ المبادئِ العشرةِ أن يُقالَ في حدِّ هذا العلمِ:
علمُ العقيدةِ هو العلمُ الباحثُ عمَّا يجبُ اعتقادُه ممّا جاء به الوحيُ على فهمِ سلفِ الأمّةِ، تقريرًا واستدلالًا، وردًّا على المخالفِ؛ فموضوعُه مسائلُ الاعتقادِ ودلائلُها ومناهجُ تقريرِها، وثمرتُه سلامةُ المعتقدِ والنجاةُ في الدارين، وواضعوه أئمّةُ السلفِ الذين دوَّنوا كتبَ السنّةِ ردًّا على البدعِ الحادثةِ.