وهذا الاسمُ مِن أقدمِ الأسماءِ التي أُطلقت على العقيدةِ؛ لأنّه أُطلق في القرنِ الثاني الهجريِّ، وعادةً ما يُنسبُ هذا الاسمُ إلى أبي حنيفةَ (ت 150هـ) باعتبارِه أوّلَ مَن استخدمَه في كتابِه «الفقهُ الأكبرُ»، وهذا الكتابُ مشهورٌ عن أبي حنيفةَ، وقد اعتمدَه كثيرٌ مِن الحنفيّةِ، ولكنّه رُوي مِن طريقين: طريقِ حمّادِ بنِ أبي حنيفةَ، وطريقِ أبي مُطيعٍ البلخيِّ.
أمّا الروايةُ الأولى، وهي روايةُ حمّادِ بنِ أبي حنيفةَ، فهو ينقلُ الكتابَ على أنّه تأليفٌ مباشرٌ لأبي حنيفةَ، ولكن هناك قرائنُ تُثبتُ أنّ هذا الكتابَ لا تصحُّ نسبتُه إلى أبي حنيفةَ، وقد أرجعَ بعضُ الباحثين المعاصرين أدلّةَ ذلك إلى نوعين مِن الأدلّةِ:
النوعُ الأوّلُ: ضعفُ السندِ، ففي إسنادِ طريقِ حمّادٍ رجالٌ مجهولون.
النوعُ الثاني: أنّ كتابَ الفقهِ الأكبرِ مِن طريقِ حمّادِ بنِ أبي حنيفةَ (ت 176هـ) متضمِّنٌ قضايا كثيرةً لم تكن موجودةً في زمنِ أبي حنيفةَ أصلًا، وفيه مصطلحاتٌ كلاميّةٌ لم تكن معروفةً في ذلك الزمنِ، وفيه فِرَقٌ ورجالٌ وقضايا لم تكن مطروحةً في زمنِ أبي حنيفةَ، فكيف يتحدّثُ عنها وهو لم يعاصرْها؟!
والنتيجةُ التي تدلُّ عليها تلك الأدلّةُ أنّ النسخةَ الموجودةَ الآنَ ليست مِن تأليفِ أبي حنيفةَ، ولكنّ ذلك لا يمنعُ أن يكونَ أصلُ الكتابِ مِن تأليفِ أبي حنيفةَ فيما لو صحَّ سندُها.
أمّا الروايةُ الثانيةُ، وهي روايةُ أبي مطيعٍ البلخيِّ (ت 199هـ)، فالكتابُ بناءً على هذه الروايةِ ليس مِن تأليفِ أبي حنيفةَ؛ لأنّه عبارةٌ عن أسئلةٍ يوجِّهُها أبو مطيعٍ إلى أبي حنيفةَ فيُجيبُ عنها، وهو ثابتُ النسبةِ إلى أبي مطيعٍ، وقد نسبَ كثيرٌ مِن العلماءِ «الفقهَ الأكبرَ» إلى أبي حنيفةَ مِن طريقِ أبي مطيعٍ، باعتبارِ أنّ ما فيه هو عبارةٌ عن كلامِ أبي حنيفةَ، مثلُ مسائلِ الإمامِ أحمدَ وغيرِه مِن الأئمّةِ.
وقد استعملَ أبو مطيعٍ البلخيُّ اسمَ «الفقهِ الأكبرِ» في كتابِه، حيث يقولُ: «سألتُ أبا حنيفةَ النعمانَ بنَ ثابتٍ عن الفقهِ الأكبرِ، فقال: ألّا تكفِّرَ أحدًا مِن أهلِ القبلةِ بذنبٍ»1.
وقد نسبَ الذهبيُّ الكتابَ إلى أبي مطيعٍ حيث يقولُ: «وبلغَنا عن أبي مطيعٍ الحكمِ بنِ عبدِ اللهِ البلخيِّ صاحبِ الفقهِ الأكبرِ».2 وهذا يدلُّ على أنّ أوّلَ مَن ورَدنا أنّه استعملَ «الفقهَ الأكبرَ» هو أبو مطيعٍ، وليس أبا حنيفةَ، بل يدلُّ على أنّ استعمالَ هذا اللقبِ سابقٌ على ذلك؛ لأنّ أبا مطيعٍ يسألُ أبا حنيفةَ عن مصطلحٍ معروفٍ مستقرٍّ.
ومِن التسمياتِ الأخرى والتي يُقصَدُ بها (العقيدةُ) اسمُ الفقهِ الأكبرِ وجعلوه اسماً للكتابِ.
والفقهُ الأكبرُ اسمٌ لعدّةِ كتبٍ أحدُها كما سبق يُنسَبُ لأبي حنيفةَ وآخرُ للشافعيِّ وفي صحّةِ نسبتِهما خلافٌ.
يقولُ عنه حاجي خليفة: "وهو جيّدٌ جدًّا، مشتملٌ على فصولٍ، قرأه بعضُ أهلِ حلبَ على الشيخِ زينِ الدينِ الشمّاعِ، لكن في نسبتِه إلى الشافعيِّ شكٌّ، والظنُّ الغالبُ أنّه مِن تأليفِ بعضِ أكابرِ العلماءِ"3.
لكنّ الكتابَ المشهورَ عند أصحابِ أبي حنيفةَ كما قال شيخُ الإسلامِ مرويٌّ بالإسنادِ عن أبي مطيعٍ البلخيِّ وقد جاء في أوّلِه أنّ أبا مطيعٍ سألَ أبا حنيفةَ عن الفقهِ الأكبرِ وبهذا يكونُ الفقهُ الأكبرُ في محتواه يمثِّلُ عقيدةَ أبي حنيفةَ لكنّ أبا مطيعٍ البلخيَّ مطعونٌ في عدالتِه ورُمي بالتجهّمِ قال أبو داودَ: "تركوا حديثَه، وكان جهميًّا"4 واتّهمَه الذهبيُّ بوضعِ الحديثِ نصرةً لبدعتِه في مسألةِ زيادةِ الإيمانِ5.
و كتابُه هذا يُسمّى عند متأخّري الحنفيّةِ بالفقهِ الأبسطِ تمييزًا له عن الكتابِ الآخرِ المنسوبِ إلى أبي حنيفةَ باسمِ الفقهِ الأكبرِ يرويه ابنُه حمّادُ بنُ ابي حنيفةَ كما سبق وقد حقّقَ بعضُ الباحثين صحّةَ هذه النسبةِ لكنّ الكتابَ لايزالُ مخطوطاً .
وهذا هو السببُ في أنّ النسخةَ التي شرحَها ملّا عليٌّ القاريُّ (ت 1014هـ) تختلفُ عن النسخةِ المنسوبِ شرحُها لأبي منصورٍ الماتريديِّ (ت 332 هـ) وهذا الذي جعلَ بعضَ المستشرقين يُشكِّكُ في نسبةِ الكتابِ وهؤلاء المستشرقون هم أوّلُ مَن ابتدأَ التشكيكَ في الكتابِ وفي نسبتِه لأبي حنيفةَ.
وقد يكونُ مِن الأسبابِ أيضًا ما ذكرَه الشيخُ المفتي محمدُ بنُ إبراهيمَ حيث قال "شهرتُه معروفةٌ معلومةٌ ثابتةٌ عن أبي حنيفةَ بالأسانيدِ الثابتةِ ، و يوجدُ مَن هو دعيٌّ في الأحنافِ ليس منهم أشكلَ عليه نسبتُه إليه ، وذلك لما دخلَ عليه مِن [ التجهّمِ ] فرآه يخالفُ معتقدَه ، و ذلك أنّ كثيرًا منهم أشعريّةُ الاعتقادِ أو ماتريديّةُ الاعتقادِ ، فرأوا أنّه يتعيّنُ نفيُ ذلك عن أبي حنيفةَ"6
وأبو حنيفةَ إمامُ الحنفيّةِ لايزالُ الخلافُ فيه وفي اعتقادِه، بل إنّ ما يُذكَرُ عنه في كتبِ العقائدِ المسندةِ كان السببَ الأوّلَ مع أسبابٍ أخرى لتزهيدِ بعضِ المشايخِ في مطالعةِ تلك الكتبِ وبعضُهم حذفَ أبوابًا كاملةً تذكرُ ما جاء في ذمِّ أبي حنيفةَ مِن تلك الكتبِ عند طباعتِها، ومَن فعلَ ذلك ممّن نُحسِنُ الظنَّ فيهم كأئمّةِ الدعوةِ، قد يكونُ ذلك مِن بابِ السياسةِ الشرعيّةِ ومحاولةِ تأليفِ أصحابِ هذا المذهبِ لكونِهم كثرةً، ولكن لمّا زالَ هذا الغرضُ أُعيدت تلك الأبوابُ، ومِن العجيبِ أنّ بعضَ المشايخِ عدَّ هذا إجماعًا على اتّفاقِ كلمةِ أهلِ العلمِ على تركِ ماجاء في ذمِّ أبي حنيفةَ.
وقد بيّنّا في رسالةٍ مستقلّةٍ في هذه الموسوعةِ، القولَ الذي يرتضيه أهلُ العلمِ والإنصافِ في الإمامِ أبي حنيفةَ.