العقيدةُ ومنهجُ العرضِ و الردِّ

الدارسُ لكتبِ العقيدةِ أو السنّةِ أو أصولِ الدينِ، سواءٌ ما أُفرِدَ منها ككتابٍ أو مصنَّفٍ، أو ما كان رسالةً لقومٍ مخصوصين، أو ما كان لبيانِ اعتقادِ شخصٍ ما مِن علماءِ السلفِ، يجدُ أنّها تدورُ حولَ مسائلَ معيّنةٍ، يربطُ بينها في الغالبِ وقوعُ المخالفةِ فيها مِن بعضِ الفِرَقِ، ولذلك يُخطئُ مَن يحاولُ تقسيمَ العقيدةِ إلى عرضٍ (تقريرٍ) و ردٍّ (نقدٍ)، ثمّ يسلكُ أحدَهما ويُهملُ جانبَ الردِّ أو بيانَ ما وقعَ فيه الخلافُ، لأنّنا وجدْنا العلماءَ المتقدِّمين لتحقيقِ جانبِ الردِّ وبيانِ الخلافِ، يوردون في متونِ ومسائلِ العقيدةِ، المسائلَ الفقهيّةَ العمليّةَ كالمسحِ على الخفّين، وإنّما أرادوا بذلك بيانَ أنّ هنالك مَن خالفَ في ذلك مِن الفِرَقِ الأخرى، فكان مبدأُ الردِّ وبيانِ المخالفِ ظاهرًا على طريقتِهم.

فكلامُهم في القدرِ مِن أجلِ الردِّ على القدريّةِ، فمِن أوّلِ ما أُلِّفَ كان في بيانِ مسائلِ القدرِ لانتشارِ بدعةِ القدريّةِ، وكلامُهم في الأسماءِ والصفاتِ للردِّ على الجهميّةِ المعطِّلةِ، وكلامُهم في حقوقِ الولاةِ للردِّ على الخوارجِ، فمَن رامَ أن يدرّسَ العقيدةَ دون أن يتعرّضَ للردِّ أو بيانِ ما يعتقدُه المخالفُ فقد خالفَ طريقةَ السلفِ.

وأمّا الأسلوبُ المخالفُ في تدريسِ العقيدةِ، بحجّةِ أنّنا ندرّسُ العقيدةَ الصحيحةَ ولا يلزمُ مِن ذلك أن نتعرّضَ للمخالفين فهو مِن بدعِ العصرِ، الذي سارت عليه بعضُ الجماعاتِ الإسلاميّةِ بدعوى عدمِ التعرّضِ لما يفرّقُ الأمّةَ، بل بلغَ الأمرُ ببعضِهم أن يلتمسَ العذرَ للمخالفِ.

وقد رأيتُ بعضَهم في منشورٍ له يؤكّدُ على عدمِ التعرّضِ لمسائلِ العقيدةِ الخلافيّةِ في دروسِه.

ولا يأتينا معترضٌ فيحتجُّ بالكتبِ التي ألّفَها السلفُ في الردِّ استقلالاً، فيظنُّ أنّ هذا دليلٌ على أنّ ما عداها لم يُقصَدْ بها الردُّ، فهذا النوعُ مِن الكتبِ، أُلِّف ابتداءً للردِّ على طائفةٍ معيّنةٍ، أو للردِّ على المخالفين لمسألةٍ معيّنةٍ مِن مسائلِ العقيدةِ، وفيه توسّعٌ وذكرٌ لحججِ الخصمِ والردِّ عليها بالتفصيلِ، وسيأتي الكلامُ عن هذا النوعِ مِن الكتبِ عند الكلامِ على مناهجِ التصنيفِ في العقيدةِ ولا شكّ أنّ هذا النوعَ مِن التصانيفِ الذي يغلبُ عليه أسلوبُ المناظرةِ والحِجاجِ يأتي في مرحلةٍ متأخّرةٍ عن المرحلةِ التي نعنيها.

وهنا سنستعرضُ الموضوعاتِ أو المسائلَ التي حوتها متونُ العقيدةِ وبيانَ جانبِ الردِّ فيها على المخالفِ، لأنّه كما قدّمْنا سابقًا "وبضدِّها تتبيّنُ الأشياءُ" وهذا العرضُ للمسائلِ دون التفصيلِ أو الشرحِ، يُعَدُّ أيضاً مِن بابِ بيانِ مساراتِ علمِ العقيدةِ التي يجبُ أن يعرفَها الدارسُ لعلمِ العقيدةِ.

فمِن ذلك مسائلُ التوحيدِ والشهادتين وما يتعلّقُ بالألوهيّةِ والربوبيّةِ والأسماءِ والصفاتِ، وهذا مِن أقوى الأدلّةِ على ما ذكرناه سابقاً بأنّ السلفَ جعلوا الردَّ مرتبطًا بالعرضِ، بل أحيانًا يجعلونه هو المقصدَ الأوّلَ، فكلامُ السلفِ في الألوهيّةِ وشركِ العبادةِ نجدُ أنّه قليلٌ جداً رغمَ أهمّيّتِه، بينما كلامُهم في توحيدِ الأسماءِ والصفاتِ هو الغالبُ، بل كثيرًا ما يُطلقون التوحيدَ ويريدون به توحيدَ الأسماءِ والصفاتِ، والسببُ في ذلك ندرةُ المخالفةِ في الألوهيّةِ وكثرةُ المخالفين في الأسماءِ والصفاتِ، رغمَ أنّ توحيدَ الألوهيّةِ أهمُّ بالنسبةِ للمكلَّفين مِن توحيدِ الأسماءِ والصفاتِ وفيه كانت الخصومةُ بين الأنبياءِ وأقوامِهم، وما خلقَ اللهُ الخلقَ إلا مِن أجلِه، وهذا لا ينقصُ مِن أهمّيّةِ وعظمةِ وشرفِ توحيدِ الأسماءِ والصفاتِ.

ومِن ذلك مسائلُ القدرِ للردِّ على القدريّةِ والجبريّةِ وبيانُ مخالفتِهم.

ومِن ذلك مسائلُ الصحابةِ للردِّ على الرافضةِ.

ومِن ذلك مسائلُ الإمامةِ والسمعِ والطاعةِ للردِّ على الخوارجِ.

ومِن ذلك مسائلُ الإيمانِ للردِّ على الجهميّةِ والمرجئةِ.

ومِن ذلك القولُ في القرآنِ ومسألةُ اللفظِ خاصّةً، للردِّ على الجهميّةِ والمعتزلةِ، وقد أخبرَني بعضُهم أنّه درسَ العقيدةَ زمنًا طويلًا على يدِ بعضِ المشايخِ ولا يعرفُ شيئًا عن مسألةِ اللفظِ.

والأعظمُ مِن ذلك أن تجدَ كثيراً مِن الدارسين لعقيدةِ أهلِ السنّةِ والجماعةِ، وهم لا يعرفون حقيقةَ الأشاعرةِ والفِرَقِ الأخرى، وأحسنُهم حالًا مَن يظنُّ أنّ الخلافَ معهم في بابِ الأسماءِ والصفاتِ، وكثيرٌ منهم لا يعرفُ حقيقةَ الفلسفةِ وعلمِ الكلامِ والمنطقِ.

ومِن ذلك مسائلُ القبرِ وعذابِه ونعيمِه للردِّ على المعتزلةِ.

ومِن ذلك الكلامُ في الرؤيةِ للردِّ على المعتزلةِ.

ومِن ذلك مسائلُ اليومِ الآخرِ للردِّ على المعتزلةِ والخوارجِ والشيعةِ.

ومِن ذلك مسائلُ الأسماءِ والأحكامِ للردِّ على المرجئةِ والخوارجِ.

ومِن ذلك الكلامُ في أحاديثِ الوعدِ والوعيدِ للردِّ على المرجئةِ والخوارجِ والمعتزلةِ.

وفي بابِ الأسماءِ والصفاتِ نجدُ أنّ أكثرَ كلامِهم في العلوِّ ومسألةِ خلقِ القرآنِ لكثرةِ الخلافِ فيها، مع أهمّيّةِ مسائلِ الصفاتِ عامّةً، لكن لا نجدُ الكلامَ في باقي تفاصيلِ الصفاتِ إلا لاحقاً. ثمّ اكتملَ عند المعاصرين خاصّةً، لتوسّعِ الخلافِ في هذا البابِ.

ومِن ذلك لزومُ السنّةِ والنهيُ عن الجدالِ في الدينِ لهجرِ أهلِ البدعِ عامّةً.

ومِن ذلك في الدراساتِ الحديثةِ:

- علمُ الأديانِ والذي يعتني بمقالاتِ غيرِ المسلمين.

- علمُ الفِرَقِ والذي يعتني بمقالاتِ المسلمين،

- علمُ الكلامِ والفلسفةِ والمنطقِ.

- علمُ المستجدّاتِ العَقَديّةِ كالإلحادِ ونظريّةِ التطوّرِ.

مساراتُ تعلّمِ العقيدةِ:

ويمكنُ تلخيصُها في:

- التوحيدُ.

- الإيمانُ.

- الإلهيّاتُ.

- النبوّاتُ.

- القدرُ.

- اليومُ الآخرُ.

مسائلُ الفقهِ المتعلّقةُ بالاعتقادِ:

بل تعرّضوا كما قدّمْنا لبعضِ مسائلِ الفروعِ، لبيانِ أنّ هنالك مَن يخالفُ فيها مِن أهلِ البدعِ، وليس كباقي الخلافِ الفقهيِّ الذي يكونُ بين مذاهبِ أهلِ السنّةِ.

كالمسحِ على الخفّين ورجمِ الزاني المحصَنِ وقتالِ اللصوصِ والخوارجِ و رفعِ اليدين في الصلاةِ و الجهرِ بآمين والتكبيرِ في صلاةِ الجنائزِ ولا نكاحَ إلا بوليٍّ و تحريمِ نكاحِ المتعةِ و الطلاقِ بالثلاثِ وصلاةُ الليلِ والنهارِ مثنى ولا صلاةَ بعد العيدِ وتحيّةِ المسجدِ والوترِ بركعةٍ.

قال شيخُ الإسلامِ في منهاجِ السنّةِ "حَتَّى أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ يَذْكُرُونَ فِي عَقَائِدِهِمْ تَرْكَ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ شِعَارِ الرَّافِضَةِ، [كَمَا يَذْكُرُونَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ كَانَ مِنْ شِعَارِ الرَّافِضَةِ] ، وَمَعَ هَذَا فَالشَّافِعِيُّ لَمَّا رَأَى أَنَّ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ كَانَ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ وَإِنْ وَافَقَ قَوْلَ الرَّافِضَةِ."1