مِن الموضوعاتِ أو المسائلِ التي حوتها متونُ العقيدةِ غيرَ ما سبق، وممّا يبيّنُ ما يتميّزُ به أهلُ السنّةِ والجماعةِ عن المخالفين لهم:

مِن ذلك فضلُ العربِ والموالي وقريشٍ للردِّ على الشعوبيّةِ.

ومِن ذلك الردُّ على أهلِ الرأيِ وأصحابِ أبي حنيفةَ كما في السنّةِ لحربٍ الكرمانيِّ والسنّةِ لعبدِ اللهِ بنِ الإمامِ أحمدَ.

قال شيخُ الإسلامِ "ومِن شأنِ المصنِّفين في العقائدِ المختصرةِ على مذهبِ أهلِ السنّةِ والجماعةِ أن يذكروا ما يتميّزُ به أهلُ السنّةِ والجماعةِ عن الكفّارِ والمبتدعين فيذكروا إثباتَ الصفاتِ، وأنّ القرآنَ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، وأنّه تعالى يُرى في الآخرةِ خلافًا للجهميّةِ مِن المعتزلةِ وغيرِهم، ويذكرون أنّ اللهَ خالقُ أفعالِ العبادِ وأنّه مريدٌ لجميعِ الكائناتِ وأنّه ما شاء اللهُ كان وما لم يشأْ لم يكنْ، خلافًا للقدريّةِ مِن المعتزلةِ وغيرِهم، ويذكرون مسائلَ الأسماءِ والأحكامِ والوعدِ والوعيدِ، وأنّ المؤمنَ لا يكفرُ بمجرّدِ الذنبِ، ولا يُخلَّدُ في النارِ خلافًا للخوارجِ والمعتزلةِ، ويحقّقون القولَ في الإيمانِ ويُثبتون الوعيدَ لأهلِ الكبائرِ مجملًا خلافًا للمرجئةِ، ويذكرون إمامةَ الخلفاءِ الأربعةِ وفضائلَهم خلافًا للشيعةِ مِن الرافضةِ وغيرِهم.

وأمّا الإيمانُ بما اتّفقَ عليه المسلمون مِن توحيدِ اللهِ تعالى والإيمانِ برسلِه والإيمانِ باليومِ الآخرِ فهذا لا بدَّ منه، وأمّا دلائلُ هذه المسائلِ ففي الكتبِ المبسوطةِ الكبارِ"1

ذكرَ هذا في مقدّمةِ شرحِه للأصفهانيّةِ وقال متعقِّبًا صاحبَها حيث أنّه لم يلتزمْ بهذا المنهجِ في التأليفِ "وهذا المصنِّفُ لم يسلكْ هذا الطريقَ بل أشارَ إشارةً مختصرةً إلى دليلِ ما ذكرَه مِن الأحكامِ ولم يستوفِ الأحكامَ التي تُذكَرُ في المعتقداتِ وعذرُه في ذلك أن يقولَ: ذكرتُ جُملَ الإقرارِ بالربوبيّةِ والرسالةِ والمعادِ فذكرتُ صفاتِ اللهِ الثبوتيّةَ، وذكرتُ الرسالةَ وما جاءت به النبوّاتُ مِن الإيمانِ بالمعادِ".2

وذكرَ في أوّلِ الشرحِ أنّه لمّا طُلِبَ منه شرحُ الأصفهانيّةِ "فأجابَ إلى ذلك واعتذرَ بأنّه لا بدَّ عند شرحِ ذلك الكلامِ مِن مخالفةِ بعضِ مقاصدِه لما توجبُه قواعدُ الإسلامِ فإنّ الحقَّ أحقُّ أن يُتَّبعَ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [التوبة: 62]"3

وممّا انتقدَه به ما أشرْنا إليه سابقًا أي الاكتفاءُ بطريقةِ العرضِ دون الردِّ قال "ولقائلٍ أن يقولَ: هذا الذي ذكرَه قليلُ الفائدةِ فإنّه إن كان المقصودُ به إثباتَ كونِه متكلِّمًا على مَن يُقرُّ بالرسلِ فجميعُ هؤلاء يُقرّون بأنّه متكلِّمٌ إذ لا يمكنُ أحدًا ممّن يؤمنُ بالتوراةِ أو الإنجيلِ أو القرآنِ أن يُنكرَ أنّ اللهَ تكلّمَ، وهذه الكتبُ مملوءةٌ بذكرِ ذلك وأهلُ المللِ مطبِقون على ذلك …"4

ثمّ قال في بيانِ المنهجِ الصحيحِ لبيانِ مسائلِ العقيدةِ "وإنّما المقصودُ إثباتُ أنّه متكلِّمٌ حقيقةً بكلامٍ يقومُ بنفسِه خلافًا للمتفلسفةِ، التي تحمل كلامَه إنّما هو تعريفٌ فعليٌّ وهو ما يفيضُ النفوسَ مِن التعريفاتِ وللجهميّةِ مِن المعتزلةِ وغيرِهم، الذين يجعلون كلامَه ما يخلقُه في غيرِه مِن الحروفِ والأصواتِ، وهذا الذي اعتنى به السلفُ في الردِّ على مَن يقولُ القرآنُ مخلوقٌ خلقَه اللهُ في الهواءِ، لم يقمْ به كلامٌ فكيف بمَن يقولُ ليس كلامُه إلا ما يحدثُ في النفوسِ مِن التعريفِ والإعلامِ، مِن غيرِ أن يكونَ له كلامٌ منفصلٌ عن نفوسِ الأنبياءِ والمرسلين، وقد بسطْنا القولَ في مسألةِ الكلامِ واضطرابِ الناسِ فيها في غيرِ هذا الموضعِ …"5

ثمّ قال مبيِّنًا خطأَ طريقةِ الأصفهانيِّ "وهذا القدرُ الذي أثبتَه مِن كونِه متكلِّمًا آمرًا ناهيًا لا ينازعُه فيه معتزليٌّ بل ولا متفلسفٌ إلهيٌّ يُقرُّ بالنبوّاتِ في الجملةِ كما يُقرُّ بها المتفلسفةُ الذين حقيقةُ أمرِهم أنّهم يؤمنون ببعضِ الصفاتِ ويكفرون ببعضٍ".6

ثمّ بيّنَ خطأَه في تجاوزِ بعضِ مسائلِ العقيدةِ كما يفعلُه بعضُ العصريّين "أنّه لم يذكرْ في اعتقادِه ما تتميّزُ به الأشعريّةُ عن المعتزلةِ ولا ذكرَ أنّ القرآنَ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، ولا ذكرَ مسألةَ الرؤيةِ، وأنّ رؤيةَ اللهِ جائزةٌ في الدنيا واقعةٌ في الآخرةِ، ولا ذكرَ أيضًا مسائلَ القدرِ، وأنّ اللهَ خالقُ أفعالِ العبادِ وإنّه مريدٌ للكائناتِ، ولا ذكرَ أيضًا مسائلَ الأسماءِ والأحكامِ، وأنّ الفاسقَ لا يخرجُ عن الإيمانِ بالكلّيّةِ، ولا يجبُ إنفاذُ الوعيدِ، بل يجوزُ العفوُ عن أهلِ الكبائرِ، ولا ذكرَ مسائلَ الإمامةِ والتفضيلِ، وكلُّ هذه الأصولِ تُذكَرُ في مختصراتِ المعتقداتِ"7