المُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي بَيَانِ الحَقِّ وَالاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ كَانُوا يَذْكُرُونَ أَسْمَاءَ مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ العَقِيدَةُ، وَيَجْعَلُونَ حُبَّ أُولَئِكَ النَّفَرِ عَلَامَةً عَلَى صِحَّةِ الِاعْتِقَادِ وَسُلُوكِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 115].

وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الجَهْلُ وَالتَّحَزُّبُ الجَدِيدُ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَى أَصْحَابِهِ مَا كُنْتُ أَقُولُهُ دَائِمًا "هُنَالِكَ حِزْبِيُّونَ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى عَدَمِ التَّحَزُّبِ كَمَا أَنَّ هُنَالِكَ مُقَلِّدُونَ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى عَدَمِ التَّقْلِيدِ".

رَأَيْتُهُمْ يُنْزِلُونَ مَا جَاءَ فِي هَذَا البَابِ مِنْ نُصُوصٍ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ وَيَسْرُدُونَ أَسْمَاءَ مَشَايِخِهِمْ مُتَشَبِّهِينَ بِبَعْضِ السَّلَفِ كَمَا سَيَأْتِي، وَشَتَّانَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ.

قَالَ أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ: ”قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ: قَرَأَ عَلَيْنَا أَبُو رَجَاءٍ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ كِتَابَ الإِيمَانِ لَهُ، فَكَانَ فِي آخِرِهِ: فَإِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُحِبُّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَالأَوْزَاعِيَّ وَشُعْبَةَ وَابْنَ المُبَارَكِ وَأَبَا الأَحْوَصِ وَشَرِيكًا وَوَكِيعًا وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ سُنَّةٍ.

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ رَحِمَهُ اللهُ: فَأَلْحَقْتُ بِخَطِّي تَحْتَهُ: وَيَحْيَى بْنَ يَحْيَى وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى هَذَا المَوْضِعِ نَظَرَ إِلَيْنَا -أَهْلَ نَيْسَابُورَ- وَقَالَ: هَؤُلَاءِ القَوْمُ يَتَعَصَّبُونَ لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا رَجَاءٍ مَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى؟ قَالَ: رَجُلٌ صَالِحٌ إِمَامُ المُسْلِمِينَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِمَامٌ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَكْبَرُ مِمَّنْ سَمَّيْتُهُمْ كُلِّهِمْ.

وَأَنَا أَلْحَقْتُ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ قُتَيْبَةُ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ مَنْ أَحَبَّهُمْ فَهُوَ صَاحِبُ سُنَّةٍ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الحَدِيثِ الَّذِينَ بِهِمْ يَقْتَدُونَ وَبِهَدْيِهِمْ يَهْتَدُونَ، وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ وَمُتَّبِعِيهِمْ وَشِيعَتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ يَعُدُّونَ، وَفِي اتِّبَاعِهِمْ آثَارَهُمْ يَجِدُونَ، جَمَاعَةً آخَرِينَ مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ المُطَّلِبِيُّ الإِمَامُ المُقَدَّمُ وَالسَّيِّدُ المُعَظَّمُ، العَظِيمُ المِنَّةِ عَلَى أَهْلِ الإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، المُوَفَّقُ المُلَقَّنُ المُلْهَمُ المُسَدَّدُ، الَّذِي عَمِلَ فِي دِينِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّصْرِ لَهُمَا وَالذَّبِّ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَعْمَلْهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.

وَمِنْهُمُ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، كَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَالتَّيْمِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، كَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ الهِلَالِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ وَابْنِ عَوْنٍ وَنُظَرَائِهِمْ.

وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلُ: يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الحَمِيدِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلُ: مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمِ بْنِ الحَجَّاجِ القُشَيْرِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ وَأَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ وَأَبِي حَاتِمٍ وَابْنِهِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ الطُّوسِيِّ وَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ الَّذِي كَانَ يُدْعَى: إِمَامَ الأَئِمَّةِ، وَلَعَمْرِي كَانَ إِمَامَ الأَئِمَّةِ فِي عَصْرِهِ وَوَقْتِهِ، وَأَبِي يَعْقُوبَ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ البُسْتِيِّ، وَجَدِّي مِنْ قِبَلِ أَبِي أَبِي سَعِيدٍ يَحْيَى بْنِ مَنْصُورٍ الزَّاهِدِ الهَرَوِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ حَمْدَوَيْهِ الصَّابُونِيِّ، وَوَلَدَيْهِ سَيْفَيِ السُّنَّةِ: أَبِي عَبْدِ اللهِ الصَّابُونِيِّ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّابُونِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ الَّذِينَ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِهَا نَاصِرِينَ لَهَا دَاعِينَ إِلَيْهَا دَالِّينَ عَلَيْهَا ”.1

وَفِي سَبِيلِ مَعْرِفَةِ اعْتِقَادِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ حَرَصَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى جَمْعِ الآثَارِ بِأَسَانِيدِهَا وَتَصْنِيفِهَا وَتَبْوِيبِهَا وَتَتَبُّعِ طُرُقِهَا وَشَوَاهِدِهَا؛ وَلِأَجْلِ هَذَا أُلِّفَتِ المُصَنَّفَاتُ الَّتِي تَجْمَعُ هَذِهِ الآثَارَ؛ فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ أَتْبَاعُ المَنْهَجِ السُّنِّيِّ السَّلَفِيِّ هُمْ أَكْثَرُ مَنِ اعْتَنَى بِهَذَا المَسْلَكِ فِي التَّأْلِيفِ، وَلِذَلِكَ كَانُوا أَوْلَى النَّاسِ بِفَهْمِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَبِذَلِكَ اتَّحَدَتْ كَلِمَتُهُمْ فِي بَابِ العَقِيدَةِ خِلَافَ الفِرَقِ الأُخْرَى الَّتِي اضْطَرَبَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي هَذَا البَابِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مَا يَنْقُلُونَهُ يُعَدُّ إِجْمَاعًا لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى المُخَالَفَةِ فِي ذَلِكَ.

قَالَ الإِمَامُ أَبُو المُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ:

"وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ عَلَى الحَقِّ أَنَّكَ لَوْ طَالَعْتَ جَمِيعَ كُتُبِهِمُ المُصَنَّفَةِ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، قَدِيمِهِمْ وَحَدِيثِهِمْ مَعَ اخْتِلَافِ بُلْدَانِهِمْ، وَزَمَانِهِمْ، وَتَبَاعُدِ مَا بَيْنَهُمْ فِي الدِّيَارِ، وَسُكُونِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قُطْرًا مِنَ الأَقْطَارِ؛ وَجَدْتَهُمْ فِي بَيَانِ الِاعْتِقَادِ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ وَنَمَطٍ وَاحِدٍ؛ يَجْرُونَ فِيهِ عَلَى طَرِيقَةٍ لَا يَحِيدُونَ عَنْهَا، وَلَا يَمِيلُونَ فِيهَا، قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ، وَنَقْلُهُمْ وَاحِدٌ، لَا تَرَى بَيْنَهُمُ اخْتِلَافًا، وَلَا تَفَرُّقًا فِي شَيْءٍ مَا وَإِنْ قَلَّ، بَلْ لَوْ جَمَعْتَ جَمِيعَ مَا جَرَى عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، وَنَقَلُوهُ عَنْ سَلَفِهِمْ؛ وَجَدْتَهُ كَأَنَّهُ جَاءَ مِنْ قَلْبٍ وَاحِدٍ، وَجَرَى عَلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ، وَهَلْ عَلَى الحَقِّ دَلِيلٌ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا؟!

قَالَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: 82].

وَقَالَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103].

وَأَمَّا إِذَا نَظَرْتَ إِلَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَالبِدَعِ؛ رَأَيْتَهُمْ مُتَفَرِّقِينَ مُخْتَلِفِينَ، شِيَعًا وَأَحْزَابًا، بَلْ لَا تَكَادُ تَجِدُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الِاعْتِقَادِ، يُبَدِّعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، بَلْ يَرْتَقُونَ إِلَى التَّكْفِيرِ، يُكَفِّرُ الابْنُ أَبَاهُ، وَالرَّجُلُ أَخَاهُ، وَالجَارُ جَارَهُ، تَرَاهُمْ أَبَدًا فِي تَنَازُعٍ وَتَبَاغُضٍ وَاخْتِلَافٍ، تَنْقَضِي أَعْمَارُهُمْ وَلَمْ تَتَّفِقْ كَلِمَاتُهُمْ:

تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ [الحشر: 14].2

وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ: "وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ مُخْتَلَفِ الحَدِيثِ لَمَّا ذَكَرَ أَهْلَ الحَدِيثِ وَأَئِمَّتَهُمْ، وَأَهْلَ الكَلَامِ وَأَئِمَّتَهُمْ، قَفَّى بِذِكْرِ أَئِمَّةِ هَؤُلَاءِ وَوَصْفِ أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَوَصْفِ أَئِمَّةِ هَؤُلَاءِ، وَأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ بِمَا يُبَيِّنُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ هُمْ أَهْلُ الحَقِّ وَالهُدَى، وَأَنَّ غَيْرَهُمْ أَوْلَى بِالضَّلَالِ وَالجَهْلِ وَالحَشْوِ وَالبَاطِلِ"3

العلماء المجتهدون الذين لا ينتسبون إلى مذهب معين ممن ألَّف في الاعتقاد:

حمَّاد بن سلَمة (ت 167هـ)، وأسد بن موسى بن الوليد (ت 212هـ)، والبِيكَنْدي (ت 223هـ)، ونُعَيم بن حمَّاد (ت 228هـ)، وعبد الله بن محمد الجُعْفي (ت 229هـ)، وابن أبي شيبة (ت 235هـ)، ومحمد بن أسلم الطوسي (ت 242هـ) — وقد تعجَّب الإمام أحمد من قوة كتابه في الرد على الجهمية — وأبو عبد الله العدني (ت 243هـ)، وخُشَيْش بن أَصْرَم (ت 253هـ)، ويحيى بن عثمان الحمصي (ت 255هـ)، وأبو عبد الله البخاري (ت 256هـ)، وأبو مسعود الرازي (ت 258هـ)، وابن الزِّبْرِقان، وأبو زرعة الرازي (ت 264هـ)، وأبو حاتم الرازي (ت 277هـ)، وأبو سعد الهروي (ت 292هـ)، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة (ت 297هـ)، وابن الحداد القيرواني، والنسائي (ت 303هـ)، وابن جرير الطبري (ت 310هـ)، وأبو العباس السرَّاج محدِّث نيسابور (ت 313هـ)، وابن أبي حاتم الرازي (ت 327هـ)، وابن الأعرابي شيخ الحرم (ت 340هـ)، وأبو أحمد العسَّال (ت 349هـ)، وأبو الشيخ الأصبهاني (ت 369هـ).