العقيدةُ كعِلمٍ: دراسةٌ في علمِ العقيدةِ .. مصطلحُه، وتدوينُه، وقوانينُه، وميزانُه
الكتابُ السابعُ من سلسلةِ: "ما لا يسَعُ الشيخَ جهلُه"
العقيدةُ كعِلمٍ
قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي بَيَانِ تَفَاصِيلِ مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ في هذه السلسلةِ المباركةِ؛ نَجِدُ أَنَّ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ التَّفْصِيلَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَوْضُوعِ الْعَقِيدَةِ كَـ(عِلْمٍ) قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي ذِكْرِ الْمَسَائِلِ؛ فَمِنَ الْمُلَاحَظِ أَنَّ أَكْثَرَ كُتُبِ الْعَقِيدَةِ لَا تُولِي هَذَا الْجَانِبَ كَبِيرَ أَهَمِّيَّةٍ.
وَمِمَّا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ عدّةُ مغالطاتٍ مِن أبرزِها، ظُهُورُ طَائِفَةٍ تَنْفِي الِاسْمَ (الْعَقِيدَةَ)، وَلَهُمْ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ مَآرِبُ غَيْرُ مَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ أَنَّ قَصْدَهُمْ عِلْمِيٌّ لَيْسَ إِلَّا..
وهذا بدورِه أدّى إلى:
عدمُ الاعترافِ بما ترتّبَ على ذلك مِن التفريقِ بين العلمِ بالعقيدةِ وبين علمِ العقيدةِ.
ومِن ذلك عدمُ معرفةِ التطوّراتِ التاريخيّةِ والمراحلِ المؤثِّرةِ.
وكذلك عدمُ إدراكِ مسالكِ العلماءِ في ترتيبِ الأبوابِ وأغراضِهم.
وكذلك عدمُ معرفةِ أصولِ المؤلَّفاتِ المعتمَدةِ.
وكذلك عدمُ فهمِ المدارسِ العَقَديّةِ وأصولِ استدلالِهم ومصطلحاتِهم.
الحاجةُ إلى مؤلَّفٍ في علمِ العقيدةِ
إنّ تَحْرِيرَ مَوْضُوعِ (عِلْمِ الْعَقِيدَةِ) لَهُ أَهَمِّيَّةٌ قُصْوَى فِي سَدِّ الْخَلَلِ الَّذِي يُوَاجِهُهُ كَثِيرٌ مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ عِنْدَ دِرَاسَةِ مَتْنٍ مِنْ مُتُونِ الْعَقِيدَةِ؛ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُلَاحَظِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ - رَغْمَ دِرَاسَتِهِمْ لِكَثِيرٍ مِنْ مُتُونِ الْعَقِيدَةِ - لَا يَزَالُونَ يُوَاجِهُونَ كَثِيرًا مِنَ الْإِشْكَالَاتِ؛ مِمَّا جَعَلَ بَعْضَ الْمَشَايِخِ يُزَهِّدُونَ طُلَّابَ الْعِلْمِ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْمَصَادِرِ الْأَصْلِيَّةِ، وَيَكْتَفُونَ بِمَا صَنَّفَهُ الْمُعَاصِرُونَ لِحَلِّ بَعْضِ هَذِهِ الْإِشْكَالَاتِ، وَفِي بَعْضِهَا يَدَّعُونَ إِجْمَاعَاتٍ لَا وُجُودَ لَهَا؛ وأحيانًا يُقعِّدون قواعدَ خاطئةً لحلِّ مثلِ هذه الإشكالاتِ مثلِ قولِ بعضِهم "أنّ الخلافَ سائغٌ في بعضِ مسائلِ العقيدةِ" و "أنّ القياسَ مقبولٌ في بعضِ أبوابِ العقيدةِ"، و "أنّ فهمَ السلفِ المعتمَدَ في فهمِ العقيدةِ محصورٌ في الإجماعِ الذي قرّرَه الأصوليّون"، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ كَثِيرٌ مِنَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يُثِيرُهَا أَعْدَاءُ الدَّعْوَةِ فِي أَذْهَانِ بَعْضِ طُلَّابِ الْعِلْمِ بسببِ هذه التقعيداتِ.
وَالسَّبَبُ الرَّئِيسِيُّ فِي كُلِّ مَا سَبَقَ، أَنَّهُ لَمْ تُدْرَسِ الْعَقِيدَةُ كَعِلْمٍ مُتَكَامِلٍ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَبَاحِثِ التَّالِيَةِ.
العقيدةُ ومنهجُ الردِّ
حيث أنّ العقيدةَ السلفيّةَ لها اهتمامٌ بجانبِ الردِّ على المخالفِ، لأنّه كما قيل "وبضدِّها تتبيّنُ الأشياءُ"، ولأنّ ذلك يُعَدُّ في بعضِ مسائلِ العقيدةِ كالشركِ وما شابهَه مِن الكفرِ بالطاغوتِ الذي يُعَدُّ الركنَ الثانيَ مِن أركانِ التوحيدِ، كما قال مجدِّدُ دعوةِ التوحيدِ "أصلُ دينِ الإسلامِ وقاعدتُه أمران:
○ الأوّلُ: الأمرُ بعبادةِ اللهِ وحدَه لا شريكَ له، والتحريضُ على ذلك، والموالاةُ فيه، وتكفيرُ مَن تركَه.
○ الثاني: الإنذارُ عن الشركِ في عبادةِ اللهِ، والتغليظُ في ذلك، والمعاداةُ فيه، وتكفيرُ مَن فعلَه.
والمخالِفون في ذلك أنواعٌ :
فأشدُّهم مخالفةً مَن خالفَ في الجميعِ.
ومِن الناسِ مَن عبدَ اللهَ وحدَه، ولم يُنكرِ الشركَ، ولم يعادِ أهلَه.
ومنهم مَن عاداهم، ولم يُــكفِّــرهم.
ومنهم مَن لم يُحِبَّ التوحيدَ، ولم يُبغِضْه.
ومنهم مَن كـفَّرهم، وزعمَ أنّه مَسَبّةٌ للصالحين.
ومنهم مَن لم يُبغِضِ الشركَ، ولم يُحِبَّه.
ومنهم مَن لم يعرفِ الشركَ، ولم يُنكِرْه.
ومنهم مَن لم يعرفِ التوحيدَ، ولم يُنكِرْه.
ومنهم - وهو أشدُّ الأنواعِ خطرًا – مَن عمِل بالتوحيدِ ، لكن لـم يَعرف قـدرَه، ولـم يُبغض مَن تركَه، ولم يُكفِّرْهم.
ومنهم مَن تركَ الشركَ، وكرِهَه، ولم يعرفْ قدرَه، ولم يُعادِ أهلَه، ولم يُكفِّرْهم.
وهؤلاء قد خالفوا ما جاءت به الأنبياءُ، مِن دينِ اللهِ سبحانه وتعالى، واللهُ أعلمُ".1
المخالِفون في العقيدةِ
لا يزالُ لقبُ أهلِ السنّةِ وأحيانًا أهلِ السنّةِ والجماعةِ يدّعيه أكثرُ مَن يظنُّ أنّه على الحقِّ، لكن عند التأمّلِ في الألقابِ الأخرى لأهلِ السنّةِ نجدُ أنّ بعضَ الفرقِ التي تدّعي اللقبَ تعودُ القهقرى.
ولذلك لن نتعرّضَ في هذا الكتابِ إلى الكلامِ حولَ لقبِ أو مسمّى "أهلِ السنّةِ والجماعةِ" لكثرةِ المدّعين لهذا الاسمِ لكن سنبيّنُ مَن أحقُّ الناسِ به.
فأهلُ السنّةِ المحضةِ يُطلَقُ عليهم عدّةُ ألقابٍ تشريفيّةٍ منها: "أهلُ السنّةِ والجماعةِ" (لتمسّكِهم بالسنّةِ واجتماعِهم عليها)، و"أهلُ الحديثِ" (لعنايتِهم بالنصِّ)، و"الأثريّةُ" (لاتّباعِهم الأثرَ)، و"السلفيّةُ" (نسبةً للجيلِ الأوّلِ)، و"الفرقةُ الناجيةُ" و"الطائفةُ المنصورةُ" المذكورةُ في الأحاديثِ النبويّةِ.
وفي المقابلِ، ينبِزُهم المخالفون بألقابٍ تنفيريّةٍ مثلِ: "الحشويّةِ" (ويَعنون أنّهم يحتجّون بالآثارِ)، و"المجبِرةِ" (لإثباتِهم القدرَ)، و"المشبّهةِ" و"المجسّمةِ" (لإثباتِهم الصفاتِ)، و"النابتةِ"، و"الشُّكّاكِ" (لاستثنائِهم في الإيمانِ).
ومِن أشدِّ المخالفين في العقيدةِ والمعادين لأهلِ السنّةِ في عصرِنا مَن يُسمَّون بالأشاعرةِ (المعاصرين)، حتى بلغَ بهم الأمرُ إلى تزيينِ الشركِ للناسِ، وتكفيرِ كلِّ مَن حذّرَ مِن مسلكِهم، ورميِه بالتُّهَمِ الباطلةِ كما سبق، وزادوا بأن وصفوهم بالخوارجِ والتكفيريّين وغيرِ ذلك مِن التُّهَمِ الباطلةِ.
وموضوعُ الأشاعرةِ سنناقشُه لاحقًا في رسالةٍ مستقلّةٍ مِن هذه السلسلةِ، لكن سنذكرُ هنا بعضَ الإشاراتِ حولَ فرقةِ الأشاعرةِ، ومِن ذلك أنّ هنالك فجوةً بين ما يعتقدُه الأشاعرةُ المعاصرون، وما يعتقدُه أسلافُهم بدءاً بأبي الحسنِ الأشعريِّ وأبي منصورٍ الماتريديِّ، والفروقُ بين الأشاعرةِ والماتريديّةِ يسيرةٌ باعترافِ الأشاعرةِ أنفسِهم، ولذلك يقولون أهلُ السنّةِ هم الأشاعرةُ والماتريديّةُ ويُضيفون إليهما أحياناً بعضَ مؤوِّلةِ الحنابلةِ.
ولذلك سيجدُ القارئُ أنّنا نحتجُّ ببعضِ كلامِ أئمّتِهم إمّا مِن بابِ بيانِ تناقضِهم ومخالفتِهم لأسلافِهم أو مِن بابِ أنّ منهجَنا مخالفٌ لمنهجِهم القائمِ على التعصّبِ للقولِ - ولو كان باطلًا - بل نحن نأخذُ الحقَّ ممّن كان أيّاً كان مع التنبيهِ على مذهبِ صاحبِه ومشربِه تحذيراً للأمّةِ لكن ليس على طريقةِ مَن قال "خُذْ ما صفا ودَعْ ما كدر" فهذه المقالةُ قد جنَت على الأمّةِ أيّما جنايةٍ حيث ظنَّ بعضُهم أنّه لا بأسَ لطالبِ العلمِ أن يقرأَ كلَّ ما وقعَ بين يديه، وأن يُصاحبَ كلَّ مَن هبَّ ودبَّ.
وقد افترى بعضُهم على أهلِ السنّةِ السلفيّين، أنّهم يتبنَّون العزلةَ عن علماءِ الأمّةِ والهجرَ شِبهَ الكاملِ لتراثِهم، قال وكأنّ تراثَ الأمّةِ قد اختُزل في اسمين أو ثلاثةٍ مِن العلماءِ السلفيّين وفي مقدّمتِهم شيخُ الإسلامِ.
قلتُ : وكأنّه يشيرُ إلى المقولةِ النافقةِ، أنّ أكثرَ علماءِ الأمّةِ أشاعرةٌ، وهذا ديدنُ كثيرٍ ممّن يتلبّسُ بلباسِ السلفيّةِ دهراً ثمّ يخرجُ علينا بتعظيمِه وتبجيلِه للأشاعرةِ حتى أصبحَ هذا المسلكُ شائعًا في هذه الأيّامِ، وهؤلاء يُسمَّون بطائفةِ "ما بعدَ السلفيّةِ".
هل الكثرةُ علامةٌ للحقِّ:
يبدو أنّ الفراغَ الذي تركَه عدمُ وجودِ منهجٍ متكاملٍ لعلمِ العقيدةِ كان سببًا في خروجِ مثلِ هذه الدعواتِ والأفكارِ المنحرفةِ.
حتى زعمَ بعضُهم أنّ الأشاعرةَ أكثرُ الأمّةِ، وأنّ أكثرَ علماءِ الأمّةِ أشاعرةٌ، وهذه الدعوى لا أساسَ لها مِن الصحّةِ لا نقلًا ولا عقلًا.
فقد ذكرَ ابنُ المِبْرَدِ في كتابِه: "جمعُ الجيوشِ والدساكرِ على ابنِ عساكرَ" أكثرَ مِن أربعمائةِ عالمٍ، بين محدِّثٍ وفقيهٍ وعابدٍ وإمامٍ، كلُّهم مجانِبون للأشاعرةِ ذامّون لهم، بدءًا مِن عصرِ الأشعريِّ وحتى وقتِه، صدَّرهم بأبي الحسنِ البربهاريِّ، وختمَهم بجمالِ الدينِ يوسفَ بنِ محمدٍ المرداويِّ صاحبِ كتابِ: "الإنصافِ"، ثمّ قال بعد ذلك: "واللهِ ثمّ واللهِ ثمّ واللهِ، ما تركْنا أكثرَ ممّا ذكرْنا، ولو ذهبْنا نستقصي ونتتبّعُ كلَّ مَن جانبَهم مِن يومِهم وإلى الآنَ لزادوا على عشرةِ آلافِ نفسٍ".
بل إنّ ابنَ عساكرَ وهو مَن خدمَ الأشعريّةَ بكتابِه: "تبيينُ كذبِ المفتري" قد اعترفَ بأنّ أكثرَ الناسِ في زمانِه وقبلَ ذلك على غيرِ ما عليه الأشعريّةُ، فقد قال: "فإن قيل إنّ الجمَّ الغفيرَ في سائرِ الأزمانِ وأكثرَ العامّةِ في جميعِ البلدانِ، لا يقتدون بالأشعريِّ ولا يقلِّدونه، ولا يرَون مذهبَه، وهم السوادُ الأعظمُ، وسبيلُهم السبيلُ الأقومُ".2
وقد قال ابنُ المِبْرَدِ معلِّقًا على كلامِه هنا: "وهذا الكلامُ يدلُّ على صحّةِ ما قلْنا، وأنّه في ذلك العصرِ وما قبلَه كانت الغلبةُ عليهم، وبعدُ لم يظهرْ شأنُهم".
وذمُّ المذهبِ الأشعريِّ كان مشهورًا عند طوائفَ كبيرةٍ مِن أهلِ العلمِ.
قال ابنُ عبدِ البرِّ نقلًا عن ابنِ خُوَيز مَنْداد: "أهلُ الأهواءِ عند مالكٍ، وسائرِ أصحابِنا هم أهلُ الكلامِ، فكلُّ متكلِّمٍ فهو مِن أهلِ الأهواءِ والبدعِ أشعريًّا كان أو غيرَ أشعريٍّ، ولا تُقبَلُ له شهادةٌ في الإسلامِ أبدًا، ويُهجَرُ ويُؤدَّبُ على بدعتِه"3.
والذي أريدُ أن أنبِّهَ عليه قبلَ الردِّ أنّ الكثرةَ ليست علامةَ الحقِّ، فأكثرُ الآياتِ فيها مدحٌ للقلّةِ أهلِ الحقِّ وذمٌّ للكثرةِ.
قال ابنُ قدامةَ : «وَمن الْعجَب أَنَّ أهل الْبدع يستدلُّون على كَونهم أهلَ الْحق بكثرتهم، وَكَثْرَة أَمْوَالهم وجاهِهم وظهورهم، ويستدلُّون على بطلَان السُّنة بقلَّة أَهلهَا وغربتهم وضَعفهم، فيجعلون مَا جعله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَلِيلَ الحق وعلامة السُّنة دَلِيل الْبَاطِل! فَإِنَّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبرنَا بقلَّة أهل الْحق فِي آخر الزَّمَان وغربتهم، وَظُهُور أهل الْبدع وكثرتهم»4
ومثلُ هذه الدعوى يتبنّاها بعضُ الكُتّابِ مثلُ مؤلِّفي كتابِ "أهلُ السُّنة الأشاعرةُ".
وسيأتي زيادةُ بيانٍ عند الكلامِ على فتنةِ ابنِ القُشَيريِّ