ذكَر بعضُ الباحثين عشر قواعد هي بمثابة المعالم الرئيسة لمنهج أهل السنة في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، وبها يقع التمايز بينهم وبين فرق الضلال وطوائف الابتداع1، وهي على النحو التالي:
القاعدة الأولى: الإيمان بجميع نصوص الكتاب والسنة. القاعدة الثانية: اشتمال الكتاب والسنة على أصول الدين: دلائلِه ومسائلِه. القاعدة الثالثة: لا نَسْخَ في الأخبار ولا في أصول الدين. القاعدة الرابعة: ردُّ التنازع إلى الكتاب والسنة. القاعدة الخامسة: عدم التعارض بين نصوص الكتاب والسنة. القاعدة السادسة: درء التعارض بين النقل والعقل. القاعدة السابعة: ظواهر النصوص مطابقة لمراد الشارع. القاعدة الثامنة: ظواهر النصوص مفهومة لدى المخاطَبين. القاعدة التاسعة: الإيمان بالمتشابه والعمل بالمحكم. القاعدة العاشرة: حجية فهم السلف الصالح لنصوص الكتاب والسنة.
شرح جملة من هذه القواعد والضوابط
أولًا: الإيمانُ والتسليم والتعظيم لنصوص الوحيين.
ثانيًا: جمعُ النصوص في الباب الواحد وردُّ المتشابه إلى المحكم.
ثالثًا: حجيةُ فهم السلف الصالح لنصوص الوحي؛ فإذا كان الكتاب الكريم حمَّال أوجه مختلفة في الفهم، فإن بيان أصحاب محمد ﷺ له حجةٌ وأَمارةٌ على الفهم الصحيح.
وقال عنهم الشافعي رحمه الله:
في كتاب الرسالة القديمة، رواية الحسن بن محمد الزعفراني، عن الشافعي، رحمه الله، أنه قال:
"وقد أثنى الله، تبارك وتعالى، على أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنَّاهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصدِّيقين والشهداء والصالحين، هم أدَّوْا إلينا سنن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عامًّا وخاصًّا، وعَزْماً وإرشاداً. وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمرٍ استدرك به علم واستنبط به. وآراؤهم لنا أَحْمَدُ وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا. والله أعلم".2
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"ولا تجد إماما في العلم والدين كمالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ومثل الفضيل بن عياض وأبي سليمان ومعروف الكرخي وأمثالهم إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين فيه بعلم الصحابة وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضل والمناقب، والذين اتبعوهم من أهل الآثار النبوية وهم أهل الحديث والسنة العالمون بطريقهم المتبعون لها وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ومصر".3
ومما يشهد للصحابة في فهمهم مراد الله ومراد نبيه صلى الله عليه وسلم، قول ابن مسعود رضي الله عنه: "والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه"4، وقال مسروق رحمه الله: "كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحدثنا فيها ويفسرها عامة النهار"5، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "نعم ترجمان القرآن ابن عباس"6، وقال مجاهد رحمه الله: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها"7
رابعًا: الإيمانُ بالنصوص على ظاهرها وردُّ التأويل؛ ويُقصَد بظاهر النصوص مدلولُها المفهوم بمقتضى الخطاب العربي، لا ما يقابل النص عند متأخري الأصوليين — والظاهر عندهم ما احتمل معنى راجحًا وآخر مرجوحًا، والنص ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا — فلفظة الظاهر قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفِطَر السليمة واللسان العربي والدين القيم ولسان السلف غيرُ الظاهر في عرف كثير من المتأخرين؛ فالواجب في نصوص الوحي إجراؤها على ظاهرها المتبادر من كلام المتكلم، واعتقاد أن هذا المعنى هو مراد المتكلم.
خامسًا: درءُ التعارض بين العقل والنقل؛ وخلاصة اعتقاد أهل السنة في هذا الباب أن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه.8