والقارئ لتأريخ الخلاف بين الحنابلة والأشاعرة قبل فتنة ابن القشيري وبعدها تتّضحُ له الصورة، ويَرُدُّ مزاعمَ من نسب الطريقة السنية السلفية لمذهب من المذاهب — خاصة المذهب الحنبلي — بمعنى أن ذلك الاعتقاد خاص بهم ويمشي على أصول المذهب؛ والحقيقة أن رموز الأشاعرة أنفسَهم — وأغلبهم شافعية — كانوا قبل فتنة ابن القشيري ينتسبون في الاعتقاد إلى الإمام أحمد؛ لعلمهم أنه إمام أهل السنة في هذا الباب، وأن ما يعتقده يمثل ما سار عليه السلف، بل ذكر بعض أهل العلم أن الأشعرية ما نفَقَتْ عند الناس إلا بانتسابهم للحنابلة1.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا كان الشيخ أبو إسحاق2 يقول: إنما نفَقَت الأشعريةُ عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة. وهذا ظاهر عليه وعلى أئمة أصحابه في كتبهم ومصنفاتهم قبل وقوع الفتنة القشيرية ببغداد، ولهذا قال أبو القاسم ابن عساكر في مناقبه: ما زالت الحنابلة والأشاعرة في قديم الدهر متفقين غير مفترقين، حتى حدثت فتنة ابن القشيري»3.

وذكر أبو نصر السجزي (ت 444هـ) أن الأشاعرة يستخدمون التمويه والمصانعة، ولا يُظهرون حقيقة مذهبهم للناس، الذي ينتهي إلى دعوتهم إلى مخالفة السنة وترك الحديث؛ ثم قال: إنه إذا خاطبهم مَن له هيبةٌ وحِشمةٌ من أهل الأثر قالوا له: (الاعتقاد ما تقولونه، وإنما نتعلم الكلام لمناظرة الخصوم)، ثم قال أيضًا: (والذي يقولونه كذب، وإنّما يتستّرون بهذا لئلا يُشنِّع عليهم أصحابُ الحديث)4.

وقال السجزي: إن القاضي أبا بكر الباقلاني الأشعري كان أكثر الأشاعرة استخدامًا لتلك الطريقة، فقد وشَّح كتبه بمدح أهل الحديث، واستدل على أقاويله بالأحاديث في الظاهر، وأكثرَ الثناءَ على أحمد بن حنبل، وقال إنه — أي أحمد — كان يعرف الكلام ولا فرق بينه وبين الأشعري في ذلك، وقولُه — أي الباقلاني — هذا هو عند السجزي من قلة الدين والحياء5.

لكن الأمر اختلف بعد فتنة ابن القشيري، بعد أن افترى على الحنابلة ما هم منه بَراءٌ، واستعان بالسلطان في تحقيق ما أراد، وهذا هو ملخص ما يسمى بفتنة ابن القشيري، وهو ابن صاحب «الرسالة القشيرية».

وقال أبو الوفاء بن عقيل البغدادي الحنبلي (ت 513هـ): إن الأشاعرة يردُّون على أصحاب الحديث بالكذب والتمويه6. وقال عنهم الموفق بن قدامة المقدسي (ت 620هـ): إنهم يُخفون مقالتهم في القرآن الكريم — من أنه ليس كلامَ الله حقيقةً وإنما هو عبارة عنه — فإنهم لا يتجاسرون على إظهارها ولا التصريح بها إلا في الخلوات، ولو أنهم ولاة الأمر وأرباب الدولة، وإذا حُكيت عنهم مقالتهم التي يعتقدونها كرهوا ذلك وأنكروه وكابروا، ولا يتظاهرون إلا بتعظيم القرآن وتبجيل المصاحف والقيام لها عند رؤيتها، وفي الخلوات يقولون: ما فيها إلا الورقُ والمِدادُ، وأي شيء فيها؟!7

وممن شهَّر بهم أبو محمد بن حزم الظاهري (ت 456هـ)، فقد شهَّر بالأشاعرة أيَّما تشهير، فذكر أنهم يقولون: إن محمدًا ﷺ ليس رسولًا بعد وفاته! بدعوى أن الروح عرَض، والعرَض يفنى أبدًا ولا يبقى وقتين بعد الوفاة، ومقالتهم هذه مخالفة للشرع والإجماع. وذكر أيضًا أنهم ينكرون السببية وطبائع الأشياء، ويقولون: لا يصح إسلام أحد حتى يكون بعد بلوغه شاكًّا في الله ونبوة رسوله، ولا يصح إيمان إلا بكفر ولا تصديق إلا بجحود، ثم توسع في شرح مقالتهم والرد عليهم8.

ثم توالت الردود والاتهامات بين الطرفين؛ ومن ذلك ما جاء في وصف الأشاعرة من بعض أهل الحديث كوصفهم بأنهم مبتدعة وأهل بدع، وقد وصفهم بذلك أبو الحسين بن أبي يعلى، وأبو عثمان الصابوني الشافعي، والموفق بن قدامة المقدسي9. ووصف الحافظ عبد الله الأنصاري الهروي الحنبلي (ت 481هـ) الأشاعرةَ بأنهم مخانيث المعتزلة، وقال عنهم يحيى بن عمار: الأشعرية الجهمية الإناث، والمعتزلة الجهمية الذكور10.

وهكذا صار كثيرٌ من المتأخرين من أهل الكلام يَنسُب مذهبَ أهل السنة والجماعة إلى الحنابلة، ويربط بينهما ربطًا مباشرًا، حتى أضحى يُعبَّر عن مذهب السنة بمذهب الحنابلة.

ومقتضى هذا الربط أن مذهب أهل السنة اصطبغ بصِبغةِ مذهبٍ فقهيٍّ محدَّدٍ، وليس له امتداد حقيقي ومؤثر في المذاهب الأخرى. وقد اتخذها كثير من المخالفين من أتباع الفرق الأخرى تُكَأةً لذم مذهب أهل السنة، بحجة أنه ليس مذهبًا للأمة وإنما هو مذهب الحنابلة فقط.

وهذا الربط بين مذهب أهل السنة والحنابلة غير صحيح؛ فليس للحنابلة اختصاصٌ في ضبط أصول المدرسة السنية وتحديد مقولاتها، وإنما اختصوا بإعلان تبنِّيه والدفاع عنه ضد أتباع المذهب الأشعري في مرحلة من المراحل، وليس كل ما كان يقرره الحنابلة في تلك المرحلة يمثل المدرسة السنية، وإنما وقع عددٌ منهم في أغلاط استدلالية أو تقريرية.