نقَل ابنُ عبد البرِّ وكذلك ابنُ تيميَّة الإجماعَ على حُجِّيَّة خبر الآحاد في المسائل الخبرية العلميَّة والعملية، قال ابن عبد البر عن ما يدين به أهل الفقه والأثر جميعهم: "وكلُّهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده = على ذلك جميع أَهل السُّنة، ولهم في الأحكام ما ذكرنا".1 وقال الإمام ابن تيمية: "مما اتفق عليه سَلفُ الأمةِ وأئمة الإسلام =أنَّ الخبرَ الصحيحَ مقبولٌ مُصدَّقٌ به في جميع أبواب العلم، لا يُفَرَّق بين المسائل العلميَّة والخبرية، ولا يُردُّ الخَبَرُ في بابٍ من الأبواب؛ سواءً كانت أُصولًا، أَو فروعًا = بكونه خَبَر واحدٍ؛ فإن هذا من مُحدثاتِ أَهل البدع المخالفةِ للسُّنَّة والجَمَاعةِ"2

وَهَذَا نَقْلٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ أيضَاً جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَفِي مُقَدِّمَتِهِمُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ بطّال، والخطيب البغدادي وَالسَّمْعَانِيُّ، وابن الصلاح وَابْنُ الْقَيِّمِ ولم يفرقوا بين كونه في أصول العقيدة أو فروعها أو فروع الشريعة.

ومن تعقب هذه الإجماعات فقد قصد المخالف من المتكلمين، وخلافهم في هذا الأصل لا يُعتدّ به، رغم أن ابن كثير ذكر أن أكثر المتكلمين من الأشاعرة على القول بحجيته.

وهنا نُكْتةٌ نبَّه عليها ابن القيم للرد على من اشترط في قبول خبر الآحاد في العقائد أن يَحْتَفَّ بالقرائن، وهذا تكلُّفٌ منه وعدم فهم لما أراده أهل العلم، فقد نقل السجزي أن خبر الآحاد إذا احتف بالقرائن فإنه بمنزلة المتواتر عند الإمام أحمد، وهذا لا شك فيه، لكنه لم يقل هو ولا أحد من أهل العلم المحققين أن العقائد لا يُقبَل فيها إلا المتواتر، بل هذا قول المتكلمين الذين يشترطون اليقين القطعي، ولفساد مذهبهم هذا يتركون الحديث ويحتجون بالعقل، ولا شك أن الحديث إذا احتف بالقرائن يكون أرجح، لكن الصحيح أن الظن الغالب يكفي، وليس هذا هو الظن المذموم الذي لا يغني من الحق شيئا بل ليس كل ظن كذلك، بل العالم بأحكام الشرع يجد أن أكثر الأحكام مبنية على الظن الغالب، وقد فصلت في هذه المسألة في الكتاب الثالث من سلسلة ( مالا يسع الشيخ جهله ) قال ابن القيم: "إِنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ لَوْ لَمْ تُفِدِ الْيَقِينَ فَإِنَّ الظَّنَّ الْغَالِبَ حَاصِلٌ مِنْهَا، وَلَا يَمْتَنِعُ إِثْبَاتُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ بِهَا، كَمَا لَا يَمْتَنِعُ إِثْبَاتُ الْأَحْكَامِ الطَّلَبِيَّةِ بِهَا، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ بَابِ الطَّلَبِ وَبَابِ الْخَبَرِ بِحَيْثُ يَحْتَجُّ بِهَا فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَهَذَا التَّفْرِيقُ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحْتَجُّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الْخَبَرِيَّاتِ الْعِلْمِيَّاتِ، كَمَا يُحْتَجُّ بِهَا فِي الطَّلَبِيَّاتِ الْعَمَلِيَّاتِ، وَلَا سِيَّمَا وَالْأَحْكَامُ الْعَمَلِيَّةُ تَتَضَمَّنُ الْخَبَرَ عَنِ اللَّهِ بِأَنَّهُ شَرَعَ كَذَا وَأَوْجَبَهُ وَرَضِيَهُ دِينًا، بِشَرْعِهِ وَدِينِهِ رَاجِعٌ إِلَى أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَمْ تَزَلِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَتَابِعُوهُمْ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَلْبَتَّةَ أَنَّهُ جَوَّزَ الِاحْتِجَاجَ بِهَا فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ دُونَ الْإِخْبَارِ عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.

فَأَيْنَ السَّلَفُ وَالْمُفَرِّقِينَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ، نَعَمْ سَلَفُهُمْ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ لَا عِنَايَةَ لَهُمْ بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَصْحَابِهِ"3

ونُقِل عن المرُّوذي أنه "قال: قلت لأبي عبد الله: ههنا اثنان يقولان: إن الخبر يوجب عملاً ولا يوجب علماً فعابه، وقال: لا أدري ما هذا، وقال القاضي: وظاهر هذا أنه يسوي بين العلم والعمل، وقال القاضي في أول (المحبر): خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سنده ولم تختلف الرواية فيه وتلقته الأمة بالقبول، وأصحابنا يطلقون القول وإن لم تتلقه بالقبول.".4

قلتُ وتلقِّي الأمة له بالقبول لا يعني أنه نقل عن كل منهم قبوله فهذا مستحيل شرعاً وعقلاً، ولكن المقصود بدون نكير أي لم يُنقَل عن أحد من أهل العلم إنكاره بحجة، وقد وُجِد أن أهل العلم تلقَّوا بعض الأحاديث رغم ضعف إسنادها كحديث "لا وصية لوارث" قال الشافعي "إن أهل المغازي لا يثبتونه، ولكن العامة تلقته بالقبول، وعملوا به، حتى جعلوه ناسخاً لآية الوصية للوالدين والأقربين".

وهل يُنسَب الحديث للنبي رغم ضعفه في ذلك بحث ليس هذا محله قال الحافظ بعد أن ذكر حديث: "لا وصية لوارث" قال :

"لكن الحجة في هذا إجماع العلماء على مقتضاه كما صرح به الشافعي وغيره".5

وقال ابن القيم : " ومعلوم مشهور استدلال أهل السنة بالأحاديث ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القبول بأخبار الآحاد، وكذلك أجمع أهل الإسلام متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في صفات الله تعالى ومسائل القدر والرؤية وأصول الإيمان والشفاعة وإخراج الموحدين من المذنبين من النار... وهذه الأشياء، علمية لا عملية، وإنما تروى لوقوع العلم للسامع بها، فإذا قلنا خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبار على الخطأ، وجعلناهم لاغين هازلين مشتغلين بما لا يفيد أحداً شيئاً ولا ينفعه، ويصير كأنهم قد دونوا في أمور الدين ما لا يجوز الرجوع إليه والاعتماد عليه6

وقال أيضًا: "إن هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها، ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها في الفرق بين باب الطلب وباب الخبر بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر، وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة؛ فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث العملية التي تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه ورضيه دينا، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم تزل الصحابة والتابعون و تابعوهم من أهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه يجوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الأخبار عن الله وأسمائه وصفاته، فأين سلف المفرقين بين البابين؟! نعم سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ويحيلون على آراء المتكلمين وقواعد المتكلفين فهم الذين يعرف عنهم التفريق بين الأمرين...7.

وقال أيضًا: والذي ندين به ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله ولم يصح عنه حديث آخر بنسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد كائنا من كان لا راويه ولا غيره8

وقال الشيخ أحمد شاكر : " والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم ومن قال بقوله: من أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي، سواء أكان في أحد الصحيحين أم في غيرهما، وهذا العلم اليقيني علم نظري برهاني، وهذا العلم يبدو ظاهراً لكل من تبحر في علم من العلوم، وتيقنت نفسه بنظرياته واطمأن قلبه".9

وقد بوَّب الإمام البخاري بما يدل على هذا فقال: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق10 وقول الله تعالى : فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ [التوبة: 122]، وساق في الباب اثنين وعشرين حديثاً مستدلاً بها على خبر الواحد. قال الحافظ ابن حجر : "المراد بالإجازة جواز العمل به أي بخبر الآحاد، والقول بأنه حجة، وقصد الترجمة الرد به على من يقول إن خبر الواحد لا يحتج به إلا إذا كان رواه أكثر من شخص حتى يصير كالشهادة".11

قال السرخسي: "ولا يقال الطائفة اسم للجماعة؛ لأن المتقدمين اختلفوا في تفسير الطائفة فقال محمد بن كعب اسم للواحد. وقال عطاء: اسم للاثنين. وقال الزهري للثلاثة، وقال الحسن للعشرة، فيكون هذا اتفاقاً منهم أن الاسم يحتمل أن يتناول كل واحد من هذه الأعداد، ولم يقل أحد بالزيادة على العشرة.12 قال ابن الأثير "الطائفة: الجماعة من الناس، وتقع على الواحد.13 و لم يقل أحد بشرط بلوغها حد التواتر".

قال الإمام أبو المظفر السمعاني:

فصل ونشتغل الآن بالجواب عن قولهم فيما سبق:

"إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم ، وهذا رأس شغب المبتدعة في ردّ الأخبار ، وطلب الدليل من النظر ، والاعتبار فنقول وبالله التوفيق .

إن الخبر إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الثقات والأئمة ، وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقته الأمة بالقبول ، فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم .

هذا قول عامَّة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة ، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال ، ولا بد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به شيء اخترعته القدريَّة والمعتزلة ، وكان قصدهم منه ردَّ الأخبار وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت ، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول ، ولو أنصف الفرق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم ، فإنهم تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد ، ترى أصحاب القدر يستدلون بقوله :

كل مولود يولد على الفطرة .

وبقوله :

خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم .

وترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله :

من قال لا إله إلا الله دخل الجنة .قال ، وإن زنى وإن سرق ، قال : نعم وإن زنى وإن سرق.

وترى الرافضة يستدلون بقوله :

يجاء بقوم من أصحابي فيسلك بهم ذات الشمال ، فأقول أصحابي أصحابي ، فيقال : أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم .

وترى الخوارج يستدلون بقوله :

سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.

وبقوله :

لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن .

إلى غير هذا من الأحاديث التي يستدل لها أهل الفرق .

ومشهور ومعلوم استدلال أهل السنة بالأحاديث ، ورجوعهم إليها ، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد . وكذلك أجمع أهل الإسلام متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في صفات الله وفي مسائل القدر ، والرؤية ، وأصل الإيمان ، والشفاعة والحوض ، وإخراج الموحدين المذنبين من النار ، وفي صفة الجنة والنار ، وفي الترغيب والترهيب ، والوعد والوعيد ، وفي فضائل النبي صلى الله عليه وسلم ومناقب أصحابه وأخبار الأنبياء المتقدمين عليهم السلام ، وكذلك أخبار الرقائق والعظات ، وما أشبه ذلك مما يكثر عدَّه وذكره ، وهذه الأشياء كلها علمية لا عملية ، وإنما تروى لوقوع علم السامع بها .

فإذا قلنا : إن خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم حملنا أمر الأمة في نقل الأخبار على الخطأ ، وجعلناهم لاغين مشتغلين بما لا يفيد أحداً شيئاً، ولا ينفعه ، ويصير كأنهم قد دونوا في أمور مالا يجوز الرجوع إليه والاعتماد عليه ، وربما يرتقي هذا القول إلى أعظم من هذا ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أدَّى هذا الدين إلى الواحد فالواحد من أصحابه ، ليؤدوه إلى الأمة ، ونقلوا عنه ، فإذا لم يقبل قول الراوي لأنه واحد رجع هذا العيب إلى المؤدي نعوذ بالله من هذا القول الشنيع والاعتقاد القبيح "14

قال الإمام ابن القيم رحمه الله:

"ومن له أدنى إلمام بالسنة والتفات إليها يعلم ذلك ولولا وضوح الأمر في ذلك لذكرنا أكثر من مائة موضع، فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين وإجماع أئمة الإسلام ووافقوا به المعتزلة والجهمية والرافضة والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء وإلا فلا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك بل صرح الأئمة بخلاف قولهم ، فممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد بن حزم ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي والحارث ابن أسد المحاسبي، قال ابن خواز منداد في كتاب "أصول الفقه"، وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه إلا الواحد والاثنان : ويقع بهذا الضرب أيضاً العلم الضروري نص على ذلك مالك، وقال أحمد في حديث الرؤية نعلم أنها حق ونقطع على العلم بها، وكذلك روي عن المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: ههنا اثنان يقولان: إن الخبر يوجب عملاً ولا يوجب علماً فعابه، وقال: لا أدري ما هذا، وقال القاضي: وظاهر هذا أنه يسوي بين العلم والعمل، وقال القاضي في أول "المحبر": خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سنده ولم تختلف الرواية فيه وتلقته الأمة بالقبول وأصحابنا يطلقون القول وإن لم تتلقه بالقبول".15