رَأَيْتُ جَمَاعَةً لَا تُحْصَى مِنَ الكُتَّابِ عَظَّمُوا وُقُوعَ الخِلَافِ فِي الأُمَّةِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَضَعُوا حَلًّا نَاجِعًا لِهَذِهِ المُشْكِلَةِ؛ فَزَعَمُوا شُمُولَ الِاجْتِهَادِ فِي الدِّينِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ مَسَائِلَ الِاعْتِقَادِ العِلْمِيَّةَ مِثْلَ مَا يَشْمَلُ مَسَائِلَ الفُرُوعِ العَمَلِيَّةِ، وَبَعْضُهُمْ قَيَّدَ ذَلِكَ فِي العَقِيدَةِ بِمَسَائِلِ فُرُوعِ العَقِيدَةِ دُونَ أُصُولِهَا، وَرَغْمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَأْتُوا بِضَابِطٍ يُحْتَكَمُ إِلَيْهِ عِنْدَ الخِلَافِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ هَمُّ بَعْضِهِمُ الأَكْبَرَ تَبْرِيرُ الخِلَافِ وَإِعْذَارُ المُخَالِفِ فِي العَقِيدَةِ، وَسَيَأْتِي مَبْحَثٌ يَتَعَلَّقُ بِالخِلَافِ فِي العَقِيدَةِ.

وَالحَقِيقَةُ أَنَّ كُلَّ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الخِلَافَ سُنَّةٌ كَوْنِيَّةٌ لَا مَفَرَّ مِنْهَا، وَأَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ لِتَسْوِيغِ الخِلَافِ زَادَتِ الخِلَافَ وَلَمْ تُنْهِهِ؛ فَمَا يَحْتَجُّونَ بِهِ لَا يَدُلُّ بِحَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ عَلَى تَبْرِيرِ الخِلَافِ أَوْ إِعْذَارِ المُخَالِفِ فِي العَقِيدَةِ وَالتَّشْنِيعِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ المُقَرَّرَ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ الحَقَّ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ وَكَانَ اجْتِهَادُهُ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ بَيْنَ الأَجْرِ وَالأَجْرَيْنِ.

قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ: "وَهَكَذَا الأَقْوَالُ الَّتِي يُكَفَّرُ قَائِلُهَا قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَمْ تَبْلُغْهُ النُّصُوصُ المُوجِبَةُ لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ، وَقَدْ تَكُونُ عِنْدَهُ وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فَهْمِهَا، وَقَدْ يَكُونُ قَدْ عَرَضَتْ لَهُ شُبُهَاتٌ يَعْذِرُهُ اللهُ بِهَا؛ فَمَنْ كَانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُجْتَهِدًا فِي طَلَبِ الحَقِّ وَأَخْطَأَ فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لَهُ خَطَأَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ، سَوَاءً كَانَ فِي المَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ، أَوِ العَمَلِيَّةِ، هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ، وَجَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الإِسْلَامِ".1

لَكِنْ لَا يَعْنِي هَذَا أَنْ نَسْكُتَ عَلَى مُخَالَفَتِهِ بِحُجَّةِ أَنَّهُ لَا إِنْكَارَ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، فَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ إِلَّا جَاهِلٌ كَمَا قَالَ ابْنُ القَيِّمِ.

وَأَيْضًا لَا يَعْنِي ذَلِكَ أَلَّا يَشْمَلَهُ مَا قَرَّرَهُ أَهْلُ العِلْمِ فِي بَابِ الأَسْمَاءِ وَالأَحْكَامِ؛ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَةَ أَنَّ وَصْفَ "ضَالٍّ" لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إِقَامَةُ الحُجَّةِ.

لَكِنْ يَبْقَى وَصْفُهُ بِالبِدْعَةِ، فَالقَاعِدَةُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: (لَيْسَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي البِدْعَةِ وَقَعَتِ البِدْعَةُ عَلَيْهِ)؛ فَأَمَّا وَصْفُ العَمَلِ أَوِ القَوْلِ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَأَمَّا وَصْفُ القَائِلِ بِأَنَّهُ مُبْتَدِعٌ فَهَذَا فِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرْتُهُ فِي كِتَابِ العُذْرِ بِالجَهْلِ مِنْ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ.

فَقَدْ قَرَّرْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الحُجَّةِ فِي الشِّرْكِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، لَكِنَّ الإِشْكَالَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ البَاحِثِينَ فِي هَذَا البَابِ مَتَى يُقَالُ أَنَّهُ قَدْ أُقِيمَتِ الحُجَّةُ؟ فَبَعْضُهُمْ يَشْتَرِطُ بُلُوغَ النَّصِّ لِلشَّخْصِ المُعَيَّنِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَهْمِ الحُجَّةِ الفَهْمَ الَّذِي تَزُولُ بِهِ الشُّبْهَةُ لِذَلِكَ المُعَيَّنِ، وَكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ فِي بَابِ الشِّرْكِ كَمَا فِي المَصْدَرِ السَّابِقِ.

وَاشْتِرَاطُ هَذِهِ الشُّرُوطِ خِلَافُ طَرِيقَةِ السَّلَفِ خَاصَّةً فِي بَابِ التَّبْدِيعِ وَفِي المَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ، بَلْ بَلَغَ الأَمْرُ أَنْ يَصِفُوا الشَّخْصَ بِأَنَّهُ مُبْتَدِعٌ وَلَوْ لَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ الحُجَّةَ، بَلْ وَلَوْ تَبَرَّأَ مِنْ ذَلِكَ القَوْلِ المَنْسُوبِ إِلَيْهِ مَا دَامَ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ إِمَامٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَفِي (تَارِيخِ بَغْدَادَ ):

"قَدِمَ دَاوُدُ الأَصْبَهَانِيُّ الظَّاهِرِيُّ بَغْدَادَ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ حَسَنٌ، فَكَلَّمَ صَالِحًا أَنْ يَتَلَطَّفَ لَهُ فِي الِاسْتِئْذَانِ عَلَى أَبِيهِ، فَأَتَى صَالِحٌ أَبَاهُ فَقَالَ لَهُ: رَجُلٌ سَأَلَنِي أَنْ يَأْتِيَكَ. قَالَ: مَا اسْمُهُ؟ قَالَ: دَاوُدُ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، قَالَ: أَيَّ شَيْءٍ صَنْعَتُهُ؟ قَالَ: وَكَانَ صَالِحٌ يَرُوغُ عَنْ تَعْرِيفِهِ إِيَّاهُ، فَمَا زَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ يَفْحَصُ عَنْهُ حَتَّى فَطِنَ فَقَالَ: هَذَا قَدْ كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ فِي أَمْرِهِ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ القُرْآنَ مُحْدَثٌ فَلَا يَقْرَبْنِي، قَالَ: يَا أَبَتِ يَنْتَفِي مِنْ هَذَا وَيُنْكِرُهُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَصْدَقُ مِنْهُ، لَا تَأْذَنْ لَهُ فِي المَصِيرِ إِلَيَّ".2

وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ مَسَائِلِ العَقِيدَةِ وَلَمْ يُكَفِّرْ أَوْ يُبَدِّعْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ودونَ إثباتِ ذلك خرطُ القتادِ، وَلَوْ قُلْنَا تَنَزُّلًا بِصِحَّةِ النِّسْبَةِ لَكَانَ هَذَا حَقًّا أُرِيدَ بِهِ بَاطِلٌ كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ.

قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ بَعْدَ ذِكْرِ المَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا الصَّحَابَةُ: "وَهَذِهِ المَسَائِلُ مِنْهَا مَا أَحَدُ القَوْلَيْنِ خَطَأٌ قَطْعًا، وَمِنْهَا مَا المُصِيبُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ وَاحِدٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ أَتْبَاعِ السَّلَفِ، وَالآخَرُ مُؤَدٍّ لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِحَسَبِ قُوَّةِ إِدْرَاكِهِ، وَهَلْ يُقَالُ لَهُ: مُصِيبٌ أَوْ مُخْطِئٌ؟ فِيهِ نِزَاعٌ".3

قُلْتُ: وَهَذَا النِّزَاعُ فِيمَنْ كَانَ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ كُلُّ مُخَالِفٍ.