عقدْنا هذا الفصلَ كتمهيدٍ للتفريقِ بين علمِ العقيدةِ ومسائلِ الاعتقادِ، وبيانِ مبادئِ هذا العلمِ، والحاجةِ إلى إبرازِه علمًا مستقلًّا كسائرِ العلومِ، وأنّ طريقةَ أهلِ السنّةِ قائمةٌ على الجمعِ بين العرضِ والردِّ؛ فما أُدرجت مسألةٌ في المتونِ — حتى العمليّةُ منها كالمسحِ على الخفّين — إلا ودافعُها الردُّ على بدعةٍ ظهرت في التاريخِ، ثمّ ختمْناه ببيانِ مصادرِ التلقّي والكتبِ التي تُؤخَذُ منها العقيدةُ.

قبلَ الولوجِ في هذا المبحثِ لابدّ مِن الإشارةِ أوّلًا إلى مبادئِ أيِّ علمٍ ومِن ذلك "علمُ العقيدةِ" حتى يتّضحَ المعنى فإنّ لكلِّ علمٍ مبادئَ دون الخوضِ في تفاصيلِ ذلك لأنّ هذه المبادئَ ليس بالضرورةِ أن تنطبقَ على كلِّ علمٍ كما سيأتي وربّما هذا هو السببُ في عدمِ ظهورِ علمِ العقيدةِ وتحريرِه كعلمٍ مستقلٍّ كما يحدثُ في باقي العلومِ.

يقولُ الآمديُّ وهو مِن الأشاعرةِ وممّن له عنايةٌ بعلومِ الآلةِ كعامّةِ الأشاعرةِ، لكن يمكنُ للعالمِ أن يستفيدَ منهم في هذا البابِ مع الحذرِ مِن بعضِ المباحثِ التي بنَوها على اعتقادِهم الكلاميِّ الفلسفيِّ، كالمبالغةِ في طلبِ الحدِّ أو القياسِ المنطقيِّ، وسيأتي تفصيلُ ذلك.

يقولُ "حقٌّ على كلِّ مَن حاولَ تحصيلَ علمٍ مِن العلومِ أن يتصوّرَ معناه أوّلًا بالحدِّ أو الرسمِ؛ ليكونَ على بصيرةٍ فيما يطلبُه، وأن يعرفَ موضوعَه - وهو الشيءُ الذي يُبحَثُ في ذلك العلمِ عن أحوالِه العارضةِ له - تمييزًا له عن غيرِه، وما هو الغايةُ المقصودةُ مِن تحصيلِه؛ حتى لا يكونَ سعيُه عبثًا، وما عنه البحثُ فيه مِن الأحوالِ التي هي مسائلُه لتصوّرِ طلبِها، وما منه استمدادُه لصحّةِ إسنادِه عند رَومِ تحقيقِه إليه، وأن يتصوّرَ مباديَه التي لا بدّ مِن سبقِ معرفتِها فيه لإمكانِ البناءِ عليها"1.

والحدُّ والرسمُ اصطلاحان شائعان عند أهلِ العلمِ وأصلُهما مأخوذٌ مِن المنطقِ، وهو ممّا يجوزُ استخدامُه لأنّه مِن بابِ الاصطلاحِ، ولا مُشاحّةَ في الاصطلاحِ، لكنّ شيخَ الإسلامِ وغيرَه مِن أهلِ العلمِ أنكروا على المناطقةِ قولَهم إنّ الشيءَ لا يُتصوَّرُ إلا بالحدِّ، وهم متناقضون في هذا لأنّ قولَهم هذا يؤدّي إلى التسلسلِ الباطلِ، فإن كان الشيءُ لا يُتصَوَّرُ إلا بالحدِّ، فمعنى ذلك أنّ ما جعلوه حدّاً فإنّه يحتاجُ إلى حدٍّ، وهذا يوقعُهم في التسلسلِ الممتنعِ، فمثلًا قولُهم الإنسانُ «حيوانٌ ناطقٌ»، فالحدُّ هنا مكوَّنٌ مِن جنسٍ وهو الحيوانُ وفصلٍ وهو الناطقُ، فكلٌّ مِن الجنسِ والفصلِ يحتاجُ إلى حدٍّ وهكذا ..

ولذلك كان رأيُ شيخِ الإسلامِ أنّ الحدَّ يصلحُ للتمييزِ، وأنّ قولَ المناطقةِ أنّ التصوّرَ لا يُنالُ إلا بالحدِّ قولٌ باطلٌ، وكلامُه في هذه الجزئيّةِ موافقٌ لقولِ الرازيِّ والإيجيِّ مِن الأشاعرةِ فقد أقرّوا ببطلانِ قولِ المناطقةِ في هذه الجزئيّةِ.

ويكفي لمعرفةِ أهمّيّةِ هذا المبحثِ مِن مباحثِ المنطقِ إذا عرفتَ خطأَ أصحابِ "الهيئة الجديد للعبادة" عندما تحدَّوا السلفيّين أن يأتوا بضابطٍ للعبادةِ ويقصدون به "الحدَّ" وقد بيّنّا فسادَ قولِهم في مبحثِ "ضابطِ العبادةِ" وقد مضى الكلامُ عنه في كتابِ "مسائلِ التوحيدِ" مِن هذه السلسلةِ.