هذا الاسمُ مِن أقدمِ الأسماءِ التي أُطلقت على علمِ العقيدةِ، فقد قال شعيبُ بنُ حربٍ لسفيانَ الثوريِّ (ت 161هـ): «حدِّثني بحديثٍ مِن السنّةِ»، فذكرَ له جُملَ اعتقادِ أهلِ السنّةِ1. وألَّف عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ العُتَقيُّ (ت 191هـ) رسالةً سمّاها «رسالةٌ في السنّةِ»، وهذه الرسالةُ مفقودةٌ، لكن نقلَ عنها ابنُ القيّمِ وغيرُه مِن العلماءِ بعضَ المقاطعِ بما يدلُّ على أنّه يقصدُ بها مسائلَ العقيدةِ2.
وقال سفيانُ بنُ عيينةَ (ت 198هـ): «السنّةُ عشرةٌ، فمَن كُنَّ فيه فقد استكملَ السنّةَ، ومَن تركَ منها شيئًا فقد تركَ السنّةَ»3، وذكرَ جُملًا مِن المسائلِ المتعلّقةِ بعقيدةِ أهلِ السنّةِ والجماعةِ.
وألَّف الواقديُّ محمدُ بنُ عمرَ بنِ واقدٍ (ت 207هـ) كتابًا أسماه: «السنّةُ والجماعةُ وذمُّ الهوى وتركُ الخروجِ في الفتنِ»، وكذلك ألَّف في السنّةِ أسدُ بنُ موسى بنِ إبراهيمَ بنِ الوليدِ بنِ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ (ت 212هـ) رسالةً سمّاها «السنّةَ»، وقال الحميديُّ (ت 219هـ): "السنّةُ عندنا"، ثمّ ذكرَ قدرًا مِن المسائلِ المندرجةِ في علمِ العقيدةِ.
وهذا نظيرُ تسميةِ سائرِ المصنِّفين في هذا البابِ لكتبِ السنّةِ، كالسنّةِ لعبدِ اللهِ بنِ أحمدَ والخلّالِ والطبرانيِّ والجعفيِّ والأثرمِ ولخلقٍ كثيرٍ صنّفوا في هذه الأبوابِ وسمَّوا ذلك بالسنّةِ وممّن أثبتَ ذلك شيخُ الإسلامِ قال "وَالْكُتُبُ الْمَوْجُودَةُ فِيهَا أَلْفَاظُهُمْ بِأَسَانِيدِهَا وَغَيْرِ أَسَانِيدِهَا كَثِيرَةٌ مِثْلُ: ... وَ(كِتَابِ السُّنَّةِ) لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ و(السُّنَّةِ) لِحَنْبَلِ ابْنِ عَمِّ الْإِمَامِ أَحْمَد وَ(السُّنَّةِ) لِأَبِي دَاوُد السجستاني وَ(السُّنَّةِ) لِلْأَثْرَمِ وَ(السُّنَّةِ) لِأَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ وَ(السُّنَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ) لِخُشَيْشِ بْنِ أَصْرَمَ .. وَ(السُّنَّةِ للطبراني) وَلِأَبِي الشَّيْخِ الأصبهاني وَ(شَرْحِ أُصُولِ السُّنَّةِ) لِأَبِي الْقَاسِمِ اللالكائي .. وَ(السُّنَّةِ) لِأَبِي ذَرٍّ الهرويِّ"4 وما ذلك إلا ليُميِّزوا بين عقيدةِ أهلِ السنّةِ وعقيدةِ أهلِ البدعةِ. فالسنّةُ كالشريعةِ هي: ما سنَّه الرسولُ وما شرعَه فقد يُرادُ به ما سنَّه وشرعَه مِن العقائدِ وقد يُرادُ به ما سنَّه وشرعَه مِن العملِ وقد يُرادُ به كلاهما.
قال شيخُ الإسلامِ "وَهَذِهِ الْعَقَائِدُ الَّتِي يُسَمِّيهَا هَؤُلَاءِ الشَّرِيعَةَ هِيَ الَّتِي يُسَمِّي غَيْرُهُمْ عَامَّتَهَا " الْعَقْلِيَّاتِ " و " عِلْمَ الْكَلَامِ " أَوْ يُسَمِّيهَا الْجَمِيعُ " أُصُولَ الدِّينِ " وَيُسَمِّيهَا بَعْضُهُمْ " الْفِقْهَ الْأَكْبَرَ " وَهَذَا نَظِيرُ تَسْمِيَةِ سَائِرِ الْمُصَنِّفِينَ فِي هَذَا الْبَابِ " كِتَابَ السُّنَّةِ " كَالسُّنَّةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَد وَالْخَلَّالِ والطَّبَرَانِي وَالسُّنَّةِ للجعفي وَلِلْأَثْرَمِ وَلِخَلْقِ كَثِيرٍ صَنَّفُوا فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ وَسَمَّوْا ذَلِكَ كُتُبَ السُّنَّةِ لِيُمَيِّزُوا بَيْنَ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَقِيدَةِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ. فَالسُّنَّةُ كَالشَّرِيعَةِ هِيَ: مَا سَنَّهُ الرَّسُولُ وَمَا شَرَعَهُ فَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا سَنَّهُ وَشَرَعَهُ مِنْ الْعَقَائِدِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا سَنَّهُ وَشَرَعَهُ مِنْ الْعَمَلِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ كِلَاهُمَا. فَلَفْظُ السُّنَّةِ يَقَعُ عَلَى مَعَانٍ كَلَفْظِ الشِّرْعَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ: شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: 48] سُنَّةً وَسَبِيلًا. فَفَسَّرُوا الشِّرْعَةَ بِالسُّنَّةِ وَالْمِنْهَاجَ بِالسَّبِيلِ. وَاسْمُ " السُّنَّةِ " و " الشِّرْعَةِ " قَدْ يَكُونُ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَقْوَالِ؛ وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَقَاصِدِ وَالْأَفْعَالِ.5
وهذا الاسمُ مِن أكثرِ الأسماءِ استعمالًا عند المتقدِّمين والأئمّةِ مِن السلفِ؛ وذلك راجعٌ إلى أنّ علمَ العقيدةِ في أوّلِ ظهورِه وتشكُّلِه كان في مقابلةِ البدعِ، فإنّ البدعَ ظهرت مِن سنةِ (75هـ) وما بعدَها، وحين أرادَ أئمّةُ السلفِ أن يؤلِّفوا في علمِ العقيدةِ سمَّوا ما جمعوه وقرّروه بالسنّةِ، باعتبارِ أنّهم أرادوا أن يبيِّنوا بتأليفِهم ذلك السنّةَ التي هي ضدُّ البدعةِ؛ ولهذا شاعَ اسمُ السنّةِ في القرونِ الأُوَلِ، والمؤلَّفاتُ التي تحملُ هذا الاسمَ كثيرةٌ جدًّا، وهي مِن الكتبِ الجامعةِ التي تتميّزُ بذكرِ الأسانيدِ.