وَالْعَجِيبُ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَلَّفَ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الشَّيْخِ لَكِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ تَحَيَّرَ أَمَامَهَا وَجَعَلَهَا: «زَلَّةً خَطِيرَةً، وَكَبْوَةً كَبِيرَةً»، وَمَا دَرَى أَنَّهُ أُتِيَ مِنْ جَهْلِهِ؛ فَشَيْخُهُ الَّذِي يُعَظِّمُهُ يَلْهَجُ بِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا وَيُؤَكِّدُ الْمَعْنَى الْبَاطِلَ لَهَا بِقَوْلِهِ: "أَنَّ تَارِكَ جِنْسِ الْعَمَلِ لَا يَكْفُرُ"، ولَمْ نَسْمَعْهُ قَالَ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ وَافَقَ الْمُرْجِئَةَ.

وَالْحَقُّ أَنَّ الشَّيْخَ رَغْمَ أَنَّهُ يُصَرِّحُ كَثِيرًا فِي كَلَامِهِ وَفِي مُؤَلَّفَاتِهِ: «إِنَّ الْعَمَلَ شَرْطٌ فِي كَمَالِ الْإِيمَانِ وَلَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ»، إِلَّا أَنَّهُ مِنْ عَجَائِبِ الْأُمُورِ أَنَّهُ يَنْسِبُ مَنْ يَقُولُ بِخِلَافِ ذَلِكَ إِلَى مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ. وَالْمُتَّهِمُونَ لَهُ يَتَجَاهَلُونَ هَذِهِ النِّسْبَةَ لِأَنَّهَا تَكْشِفُ زَيْفَ دَعْوَاهُمْ وَتُبَيِّنُ خَطَأَهُمْ فِيمَا رَمَوُا الشَّيْخَ بِهِ مِنْ تُهْمَةٍ بَاطِلَةٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.

وَفِي مَوَاضِعَ صَرَّحَ الشَّيْخُ بِأَنَّ عَمَلَ الْقَلْبِ شَرْطُ صِحَّةٍ وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَهُوَ شَرْطُ كَمَالٍ (كَمَا فِي شَرِيطِ لِقَاءٍ مَعَ الْعَنْبَرِيِّ). وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ: «إِنَّ عَمَلَ الْقَلْبِ جُزْءٌ أَصِيلٌ مِنَ الْإِيمَانِ وَأَنَّ عَمَلَ الْجَوَارِحِ لَيْسَ جُزْءًا أَصِيلًا» (انْظُرْ شَرْحَ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لَهُ شَرِيط (6))؛ وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ تَعَنَّتَ فَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْخَ يُخْرِجُ الْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ اعْتِمَادًا مِنْهُ عَلَى تَعْرِيفِ الشَّرْطِ وَأَنَّهُ مَا كَانَ خَارِجًا عَنِ الْمَاهِيَّةِ"، فَاتَّهَمَ الشَّيْخَ بِأَنَّهُ لَا يَعُدُّ الْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ. وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا نُقُولٌ كَثِيرَةٌ تُثْبِتُ أَنَّ الشَّيْخَ يَعُدُّ الْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ الْأَخِيرِ أَثْبَتَ أَنَّ عَمَلَ الْجَوَارِحِ مِنَ الْإِيمَانِ.

فَيَكُونُ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: "إِنَّ الْعَمَلَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ شَرْطُ كَمَالٍ فِي الْإِيمَانِ"، أَيْ إِنَّ الَّذِي يَزُولُ عَنْهُ هُوَ كَمَالُ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ إِذَا هُوَ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ الْوَاجِبَةِ، كَمَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: «الْمَنْفِيُّ هُنَا هُوَ كَمَالُ الْإِيمَانِ»، وَلَكِنَّهُ الْكَمَالُ الْوَاجِبُ لَا الْمُسْتَحَبُّ، فَيُقَالُ لَهُ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ. وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: «الْمَنْفِيُّ هُوَ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ»، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَقَالُوا: "يَزُولُ عَنْهُ الْإِيمَانُ كُلُّهُ" أَيْ إِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ الْوَاجِبَةِ فَيَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: "يَكُونُ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ"؛ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ جَعَلُوا الْعَمَلَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْإِيمَانِ بِحَيْثُ لَوْ زَالَ بَعْضُهُ زَالَ كُلُّهُ. وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ إِذَا زَالَ بَعْضُهُ زَالَ كُلُّهُ، بَلِ الَّذِي يَنْفُونَهُ هُوَ كَمَالُ الْإِيمَانِ إِلَّا الصَّلَاةَ وَفِيهَا خِلَافٌ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ.

وَالْمُنْصِفُ يَعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَقْصِدْ تَرْكَ الْأَعْمَالِ كُلَّهَا لِأَنَّهُ وَضَّحَ وَبَيَّنَ أَنَّ الْمُخَالِفَ لَهُ عَلَى مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ فَهُمْ يُكَفِّرُونَ بِتَرْكِ آحَادِ الْعَمَلِ. فَإِذَا حُمِلَتِ الْعِبَارَةُ عَلَى مُطْلَقِ التَّرْكِ -وَهَذَا الَّذِي أَرَادَهُ الشَّيْخُ لَا تَرْكَ كُلِّ الْعَمَلِ- فَسَبَبُ الْإِشْكَالِ عِنْدَ بَعْضِ مَنْ أَنْكَرَ صِحَّةَ الْعِبَارَةِ «أَنَّ الْعَمَلَ شَرْطُ كَمَالٍ وَلَيْسَ شَرْطَ صِحَّةٍ فِي الْإِيمَانِ»؛ أَنَّ الشَّرْطَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ مَا كَانَ خَارِجًا عَنِ الْمَاهِيَّةِ فَيَقْتَضِي هَذَا أَنَّ الْقَائِلَ لَا يَجْعَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ، فَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ كَمِثْلِ الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ أَخْرَجُوا الْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ وَجَعَلُوهُ مِنْ ثَمَرَاتِهِ.

فَنَقُولُ: مَا دَامَ قَائِلُ الْعِبَارَةِ لَا يُخْرِجُ الْعَمَلَ –سَوَاءٌ عَمَلَ الْقَلْبِ أَوِ الْجَوَارِحِ- مِنَ الْإِيمَانِ فَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ؛ فَإِنَّ لَفْظَ الشَّرْطِ قَدْ جَاءَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَهُمْ لَا يَعْنُونَ بِهِ خُرُوجَ الْعَمَلِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فَرَاجِعْهُ.

وَشَيْخُنَا ابْنُ بَازٍ فِي إِجَابَةٍ لَهُ عَلَى سُؤَالٍ يَقُولُ: "إِنَّ عَمَلَ الْقَلْبِ شَرْطُ صِحَّةٍ فِي الْإِيمَانِ وَأَمَّا عَمَلُ الْجَوَارِحِ فَمِنْهُ مَا هُوَ شَرْطُ صِحَّةٍ وَمِنْهُ مَا هُوَ شَرْطُ كَمَالٍ". وَلَوْ تَأَمَّلْتَ لَنْ تَجِدَ أَنَّ هُنَالِكَ اخْتِلَافًا بَيْنَ عِبَارَةِ الشَّيْخَيْنِ إِذَا أُخِذَ فِي الِاعْتِبَارِ أَنَّ أَحَدَهُمَا يُكَفِّرُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ دُونَ الْآخَرِ. فَالشَّيْخَانِ أَرَادَا بِالتَّرْكِ هُنَا "مُطْلَقَ التَّرْكِ" وَلَيْسَ "التَّرْكَ الْمُطْلَقَ"، أَيْ تَرْكَ آحَادِ الْعَمَلِ وَلَيْسَ التَّرْكَ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِتَرْكِ جِنْسِ الْعَمَلِ؛ فَهَذَا الْأَخِيرُ يَعُدُّهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ مِنَ الْفَرَضِيَّاتِ، وَلِذَلِكَ نَسَبَ الشَّيْخُ الْمُخَالِفَ إِلَى مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ لِأَنَّهُمْ يُكَفِّرُونَ بِتَرْكِ آحَادِ الْعَمَلِ كَمَا مَرَّ مَعَنَا فِي كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ.

فَمَنْ حَمَلَ الْعِبَارَةَ عَلَى "التَّرْكِ الْمُطْلَقِ" فَقَدْ تَصَوَّرُوا حَالَةً يَكُونُ فِيهَا الْمُكَلَّفُ مُدَّعِيًا لِلْإِيمَانِ وَهُوَ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلًا قَطُّ أَوْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى: "لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ"؛ فَأَنْكَرُوا عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ الْعَمَلَ شَرْطُ كَمَالٍ لِكَوْنِ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ جِنْسِ الْعَمَلِ مَعَ بَقَاءِ الْإِيمَانِ، وَهُمْ مُحِقُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: "لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا" إِذَا أُرِيدَ بِالْعَمَلِ جِنْسُ الْعَمَلِ. لَكِنَّ الشَّيْخَ عِنْدَمَا يَقُولُ إِنَّ الْعَمَلَ شَرْطُ كَمَالٍ هُوَ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ يَنْفِي تَصَوُّرَ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ وَلَمْ يُقَدِّمْ عَمَلًا الْبَتَّةَ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُجوّزهُ الشَّيْخُ بِسَبَبِ مَا يُؤْمِنُ بِهِ وَيَعْتَقِدُهُ مِنَ التَّلَازُمِ بَيْنَ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، عَرَفْنَا هَذَا بِالْمُمَارَسَةِ مِنْ كَلَامِهِ -رَحِمَهُ اللهُ- وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا بَعْضُ الدَّلَائِلِ عَلَى ذَلِكَ.

وَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ عَنْ قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ فِي كِتَابِهِ (حُكْمُ تَارِكِ الصَّلَاةِ ص 62) قَالَ: «فَإِذَا آثَرَ الْقَتْلَ عَلَيْهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ كَانَ عَنْ جَحْدٍ فَيَمُوتُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَافِرًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ». وَانْظُرْ كَلَامَهُ فِي (الصَّحِيحَةِ 1/ 41). وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: «فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَمْرٍ لَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ صَارَ مَعْرُوفًا فِي عِلْمِ النَّفْسِ، وَهُوَ أَنَّ فَسَادَ الظَّاهِرِ يُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ الْبَاطِنِ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، لَعَلَّنَا نَتَعَرَّضُ لِجَمْعِهَا وَتَخْرِيجِهَا فِي مُنَاسَبَةٍ أُخْرَى إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى» ا.هـ (السِّلْسِلَةُ الصَّحِيحَةُ 1/ 74).

وَقَالَ أَيْضًا: «وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصَوُّرُ صَلَاحِ الْقَلْبِ إِلَّا بِصَلَاحِ الْأَعْمَالِ وَلَا صَلَاحَ الْأَعْمَالِ إِلَّا بِصَلَاحِ الْقُلُوبِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْمَلَ بَيَانٍ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»؛ وَحَدِيثِهِ الْآخَرِ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» أَيْ قُلُوبِكُمْ، وَقَوْلِهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» وَهُوَ وَارِدٌ فِي الْجَمَالِ الْمَادِّيِّ الْمَشْرُوعِ خِلَافًا لِظَنِّ الْكَثِيرِينَ» ا.هـ (مُقَدِّمَةُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ تَحْقِيقُهُ ص 15).

وَهَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي فَرَضَهَا بَعْضُهُمْ هِيَ مِنْ فَرْضِ مَا لَا يَقَعُ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: «لِأَنَّ هَذَا فَرْضُ مَا لَا يَقَعُ؛ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِمَّا أُمِرَ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَيَفْعَلُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مِثْلَ الصَّلَاةِ بِلَا وُضُوءٍ وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَنِكَاحِ الْأُمَّهَاتِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ فِي الْبَاطِنِ؛ بَل لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا لِعَدَمِ الْإِيمَانِ الَّذِي فِي قَلْبِهِ» (انْظُرْ مَجْمُوعَ الْفَتَاوَى 7/ 218).

وَبِهَذَا يَظْهَرُ خَطَأُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْعَمَلَ شَرْطُ كَمَالٍ فِي الْإِيمَانِ، إِنْ كَانَ أَرَادَ بِذَلِكَ جِنْسَ الْعَمَلِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ لَا يُكَفِّرُ بِآحَادِهِ إِلَّا الْخَوَارِجُ عَدَا الصَّلَاةَ. وَمَنْ قَالَ إِنَّ هَذَا قَوْلُ الْمُرْجِئَةِ فَبِالنَّظَرِ إِلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ هَذَا الْمُصْطَلَحَ حَادِثٌ أَرَادَ بِهِ بَعْضُهُمْ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْخَوَارِجِ فَفَهِمَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ بِهِ1.

وَلِأَهَمِّيَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلِأَنَّهَا مَثَارُ الْخِلَافِ بَيْنَ الشَّيْخِ وَخُصُومِهِ سَأُفْرِدُ لَهَا فَصْلًا خَاصًّا؛ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ نَسْتَحْضِرَ أَنَّ الشَّيْخَ يَقُولُ إِنَّ عَمَلَ الْجَوَارِحِ شَرْطُ كَمَالٍ أَيْ آحَادِ الْعَمَلِ وَهُوَ "مُطْلَقُ الْعَمَلِ" وَلَيْسَ "الْعَمَلَ الْمُطْلَقَ" كَمَا مَرَّ مَعَنَا، أَيْ أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ بِتَرْكِ آحَادِ الْعَمَلِ. وَالْمُخَالِفُونَ لَهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ إِلَّا أَنَّهُمْ يَسْتَثْنُونَ الصَّلَاةَ؛ هَذَا هُوَ مُلَخَّصُ الْخِلَافِ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُخَالِفِينَ لَهُ. أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ الْمُنْتَسِبِينَ لِلشَّيْخِ كَالشَّيْخِ الْحَلَبِيِّ وَالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَصْرِيِّ فِي سِلْسِلَتِهِ عَنْ مَسَائِلِ الْإِيمَانِ فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِلشَّيْخِ وَلِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ.

وَزِيَادَةً فِي الْبَيَانِ أَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مَذْهَبَ الشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَجْعَلُهَا قَاعِدَةً كَالْمُرْجِئَةِ، فَهُوَ لَا يَقُولُ: "كُلُّ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ فَهُوَ نَاجٍ وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ"2؛ بَلْ يَقُولُ إِنَّ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» تُنْجِي صَاحِبَهَا مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ إِذَا قَالَهَا مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ وَاقِعًا فِي كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَلَوْ كَانَ تَارِكًا لِلْفَرَائِضِ (انْظُرِ السِّلْسِلَةَ الصَّحِيحَةَ 1314). فَهُوَ يُقَيِّدُ الْأَمْرَ بِالْمَوْتِ عَلَيْهَا عِنْدَ الِاحْتِضَارِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ وَكَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ نَائِمٌ ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (وَفِي رِوَايَةٍ: «أَوْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ»). قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ». قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ». قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ». وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ: "وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (البخاري): "هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ إِذَا تَابَ وَنَدِمَ وَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ غُفِرَ لَهُ".

وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي شَرْحِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ شَرِيط رَقْم (6): «إِذًا فَالْإِيمَانُ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، فَعَلَى الْمُسْلِمِ حِينَمَا يَحْيَى فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ أَنْ يَضَعَ نُصْبَ عَيْنَيْهِ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ؛ أَنَّ الْإِيمَانَ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَالَّذِي يَقْبَلُ النَّقْصَ قَابِلٌ لِلْعَدَمِ مُطْلَقًا». وَانْظُرْ كَلَامَ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ أَئِمَّةُ الدَّعْوَةِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ.

وَقَوْلُهُ هَذَا مُوَافِقٌ تَمَامًا لِمَا ثَبَتَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ كَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَالْبَرْبَهَارِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: «أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ». فَمَنْ قَالَ هَذَا فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْإِرْجَاءِ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ3.

فَبِهَذَا الْقَيْدِ -وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْ يَمُوتَ عَلَيْهَا- يَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ أَنَّهُ لَا ثَمَرَةَ مِنْ بَحْثِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ مَنْ عُرِفَ بِمُخَالَفَةِ الْمُرْجِئَةِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ وَأَنَّ الْأَعْمَالِ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ؛ بَلِ الشَّيْخُ مِنْ أَشْهَرِ مَنْ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ حَقِيقِيٌّ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمُرْجِئَةِ الْفُقَهَاءِ بَعْدَ أَنْ مَكَثَ النَّاسُ دَهْرًا يَظُنُّونَ أَنَّ الْخِلَافَ صُورِيًّا. وَلِأَنَّ تَرْكَ الْفَرَائِضِ عِنْدَ مَنْ لَا يُكَفِّرُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ لَيْسَ كُفْرًا ظَاهِرًا بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى كُفْرِ الْبَاطِنِ؛ فَإِذَا أَقَرَّ الْمُخَالِفُ بِوُجُودِ ارْتِبَاطٍ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ -وَالشَّيْخُ يُقِرُّ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ آنِفًا- فَلَا بُدَّ أَنْ يُسَلِّمَ بِأَنَّ مَنْ كَانَ تَارِكًا لِلْفَرَائِضِ وَهُوَ يَعِيشُ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى مَا يُبْطِنُهُ مِنْ كُفْرٍ فِي قَلْبِهِ. لَكِنَّ الشَّيْخَ لَا يُطَبِّقُ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى الْمُعَيَّنِ لِأَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ يَتَخَلَّفُ فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِهَا فَتَنْفَعُهُ حِينِئِذٍ إِذَا قَالَهَا خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ. وَالشَّيْخُ -كَمَا مَرَّ مَعَنَا- أَكْثَرُ أَحْكَامِهِ يُقَرِّرُهَا فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ لَا فِي الْعُمُومِ فَهُوَ كَثِيرًا مَا يَقُولُ: "نُرِيدُ أَنْ نُعَالِجَ الْوَاقِعَ".

لَكِنْ نَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي حَالِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَخَاصَّةً مِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ الْفَرَائِضَ يَجِدُ أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ عَلَى الشَّهَادَةِ بَلْ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُمْ يُلَقَّنُونَ الشَّهَادَةَ فَيَنْطِقُونَ بِغَيْرِهَا مِنَ الْكَلِمَاتِ الْمُحَرَّمَةِ. كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُلَاحَظَ أَيْضًا أَنَّ الشَّيْخَ -رَحِمَهُ اللهُ- يُنَزِّلُ قَوْلَهُ عَلَى مَنْ عَاشَ فِي مُجْتَمَعَاتٍ غَابَتْ عَنْهَا الدَّعْوَةُ لِلْإِسْلَامِ الْحَقِّ وَنَشِطَتْ فِيهَا الدَّعْوَةُ لِلتَّغْرِيبِ وَإِلْهَاءِ النَّاسِ بِالدُّنْيَا؛ فَحِينِئِذٍ تُوجَدُ عَيِّنَاتٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَعِيدِينَ عَنِ الِالْتِزَامِ بِدِينِ اللهِ يَنْطِقُ أَحَدُهُمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَمْ يَتَلَبَّسْ بِنَاقِضٍ لَكِنَّ التَّغْرِيبَ أَعْمَلَ فِيهِمْ سِلَاحَهُ وَأَجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ حَتَّى لَا يَكَادُ أَحَدُهُمْ يَعْمَلُ مِنْ دِينِ اللهِ بِشَيْءٍ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُقِرُّونَ بِخَطَئِهِمْ وَأَنَّهُمْ عَلَى خَطَرٍ وَلَكِنَّهُمْ غَارِقُونَ فِي الشَّهَوَاتِ وَالْمَلَذَّاتِ وَالْمُلْهِيَاتِ.

فَنَقُولُ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَذْهَبِ الْمُرْجِئَةِ اتِّفَاقٌ. فَالْمُرْجِئَةُ لَا يَجْعَلُونَ الْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ وَيَقُولُونَ إِنَّ الْعَبْدَ كَامِلُ الْإِيمَانِ وَلَوْ لَمْ يُؤَدِّ الْفَرَائِضَ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَا يُدْرَى مَا يَفْعَلُ اللهُ بِهِمْ فَيَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ كُلَّهُمْ، وَأَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ كُلَّهُمْ، وَأَنْ يُعَذِّبَ بَعْضَهُمْ وَأَنْ يَعْفُوَ عَنْ بَعْضِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُخَلِّدُ أَحَدًا مِنْهُمْ فِي النَّارِ. فَجَوَّزُوا أَنْ يَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِمَنْ تَرَجَّحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ بَلْ جَوَّزُوا أَنْ يُرْفَعَ عَلَيْهِ فِي الدَّرَجَةِ؛ فَهُمْ مَوْكُولُونَ عِنْدَهُمْ إِلَى مَحْضِ الْمَشِيئَةِ لَا يُدْرَى مَا يَفْعَلُ اللهُ بِهِمْ بَلْ يُرْجَأُ أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ وَحُكْمِهِ.... وَهُمْ يُجِيزُونَ أَلَّا يَدْخُلَ النَّارَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَعْلُومِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ نُصُوصِ السُّنَّةِ بِدُخُولِ بَعْضِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ النَّارَ ثُمَّ خُرُوجِهِمْ مِنْهَا بِالشَّفَاعَةِ. وَمَعَ هَذَا التَّوَاتُرِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِجَوَازِ أَنْ لَا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْهُمُ النَّارَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ بَعْضِهِمْ وَذَلِكَ الْبَعْضُ هُوَ الَّذِي خَفَّتْ مَوَازِينُهُ وَرَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ كَمَا قَالَ الصَّحَابَةُ، وَحَكَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ هَذَا إِجْمَاعًا عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ... فَلَيْسَ الْأَمْرُ سَبَبًا خَارِجًا عَنِ الضَّبْطِ وَالْحِكْمَةِ بَلْ مَرْبُوطٌ بِالْأَسْبَابِ وَالْحِكَمِ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ أَكْمَلَ تَرْتِيبٍ جَارٍ عَلَى نِظَامٍ اقْتَضَاهُ السَّبَبُ وَاسْتَدْعَتْهُ الْحِكْمَةُ (أَنْظُرْ طَرِيقَ الْهِجْرَتَيْنِ 385).

فَإِذَا تَأَمَّلْتَ عَرَفْتَ أَنَّ أَكْثَرَ الْخِلَافِ بَيْنَ الشَّيْخِ الْإِمَامِ وَبَعْضِ خُصُومِهِ هُوَ فِي "مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ" وَلَوْ غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ تَغَافَلَ بَعْضُهُمْ؛ أَقُولُ بَعْضُهُمْ وَإِلَّا أَنَّنِي عَلَى يَقِينٍ أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ لَمْ يَعْرِفْ مَذْهَبَ الْمُرْجِئَةِ بَلْهَ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَإِنَّمَا هُوَ مُقَلِّدٌ مُنْسَاقٌ مَعَ هَوَاهُ يَرْتَعُ مَعَ الرَّاتِعِينَ.

وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَالْآثَارُ وَنُرَجِّحُهُ أَنَّ تَرْكَ الْفَرَائِضِ يَلْزَمُ مِنْهُ زَوَالُ الْإِيمَانِ، بَلْ إِنَّ الْتِزَامَ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَحْدَهَا بِالْكُلِّيَّةِ يَلْزَمُ مِنْهُ زَوَالُ الْإِيمَانِ وَالْحُكْمُ عَلَى تَارِكِهَا بِأَنَّهُ كَافِرٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ-، وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.

وَلمّا وَقَفْتُ عَلَى تَعْلِيقَاتِ الشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ عَلَى «ظَاهِرَةُ الْإِرْجَاءِ» لِلْحَوَالِيِّ الَّذِي أَسَّسَ كِتَابَهُ هَذَا عَلَى الطَّعْنِ فِي الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ مُتَمَثِّلَةً فِي مُجَدِّدِهَا بِلَا مُنَازِعٍ الْإِمَامِ نَاصِرِ الدِّينِ الْأَلْبَانِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-، فَازْدَدْتُ يَقِينًا أَنَّ الشَّيْخَ عَلَى الْجَادَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْ مَسْأَلَةِ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَإِنَّمَا طَرَأَ الْإِشْكَالُ عِنْدَ الْمُخَالِفِينَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَفَهَّمُوا طَرِيقَةَ الشَّيْخِ فِي نِقَاشِهِ لِهَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يَنْبَنِي كَثِيرُ عَمَلٍ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ جَوَانِبِهَا.

فَالشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللهُ- لَا يُنَاقِشُ حَالَةَ عَدَمِ الْعَمَلِ بِالْمَرَّةِ مَعَ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَهِيَ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَسْأَلَةٌ فَرَضِيَّةٌ كَمَا مَرَّ مَعَنَا. بَيْنَمَا نَجِدُ بَعْضَهُمْ قَدْ خَاضَ فِيهَا يُرِيدُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ تَارِكَ الْعَمَلِ بِالْكُلِّيَّةِ لَا يَكْفُرُ حَتَّى صَرَّحَ بَأنَّ الشَّهَادَتَيْنِ تُنْجِي صَاحِبَهَا مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ بِدُونِ عَمَلِ الْجَوَارِحِ وَلَوْ تَرَكَ جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ وَاقْتَرَفَ جَمِيعَ الْمُحَرَّمَاتِ عَدَا الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ؛ وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ كَمَا مَرَّ مَعَنَا.

وَالْقَوْمُ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الشَّيْخِ زُورًا بَلَغَ بِهِمُ الْحَالُ أَنْ بَنَوْا دَعْوَتَهُمْ فِي بِلَادِ الْأَعَاجِمِ عَلَى هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ الْبَاطِلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِـ(جِنْسِ الْعَمَلِ)؛ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْإِسْلَامَ مِنَ الْأَعَاجِمِ وَهُوَ لَا يُطِيقُ فِعْلَ الْوَاجِبَاتِ وَالِانْتِهَاءِ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ الْغَارِقِ فِيهَا يَقُولُونَ لَهُ: «يَكْفِي أَنْ تَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَوْ لَمْ تَأْتِ بِشَيْءٍ مِنَ الْفَرَائِضِ وَلَوْ لَمْ تَتْرُكِ الْمُحَرَّمَاتِ"!»

وَعُمْدَتُهُمْ فِي هَذَا الضَّلَالِ لَيْسَ الْأَلْبَانِيَّ -فَحَاشَاهُ أَنْ يَرْضَى بِهَذَا- بَلْ مَنْ أَصَّلَ لَهُمُ الْمَسْأَلَةَ كَالْحَلَبِيِّ وَالزَّهْرَانِيِّ فِي مُؤَلَّفَاتٍ عَدِيدَةٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَاصَّةً، وَخَالَفُوا إِجْمَاعَ أَهْلِ الْعَصْرِ بَلِ إِجْمَاعَ الْمُتَقَدِّمِينَ.