وَقَدْ قِيلَ قَدِيمًا لِرَجُلٍ: كَيْفَ عَرَفْتَ أَنَّهَا كِذْبَةٌ؟ قَالَ: «مِنْ كِبَرِهَا».

فَالْمُتَتَبِّعُ لِكَلَامِ الشَّيْخِ يُوقِنُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: «الْكُفْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْجُحُودِ»؛ أَيْ: مَنْ جَحَدَ فَرِيضَةً مِنَ الْفَرَائِضِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ كُلَّ كُفْرٍ كَمَا يَدَّعِي الطَّاعِنُونَ، وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا مَا يُكَذِّبُ هَذِهِ التُّهْمَةَ.

وَقَدْ بَلَغَ الْأَمْرُ بِبَعْضِهمْ أَنْ يَصِفَ الشَّيْخَ بِأَنَّهُ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَغُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ لِكَلِمَةٍ جَاءَ بِهَا مَبْتُورَةً مِنْ سِيَاقِهَا؛ حَيْثُ قَالَ الشَّيْخُ: «الْمُرْجِئَةُ يَلْتَقُونَ مَعَنَا فِي عَدَمِ التَّكْفِيرِ إِلَّا بِالْجَحْدِ». فَقَالَ هَذَا الْمَخْذُولُ: "نَحْنُ لَا نَفْتَرِي عَلَى الشَّيْخِ، فَهَا هُوَ يَقُولُ بِلِسَانِهِ أَنَّهُ يُوَافِقُ الْمُرْجِئَةَ!".

وَالشَّيْخُ قَصَدَ تَرْكَ الْأَعْمَالِ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا؛ فَمَذْهَبُهُ عَدَمُ كُفْرِ تَارِكِ آحَادِ الْفَرَائِضِ إِلَّا بِالْجُحُودِ، وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ إِلَّا الصَّلَاةَ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ، وَحِكَايَةُ قَوْلِ هَذَا الْمَخْذُولِ تُغْنِي عَنِ الرَّدِّ عَلَيْهِ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى مُسَدَّدِ بْنِ مُسَرْهَدٍ: «وَلَا يُخْرِجُ الرَّجُلَ مِنَ الْإِسْلَامِ شَيْءٌ إِلَّا الشِّرْكُ بِاللهِ الْعَظِيمِ، أَوْ بِرَدِّ فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ جَاحِدًا بِهَا».

وَمَعْرُوفٌ الْخِلَافُ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ؛ فَمَنْ كَانَ مَذْهَبُهُ تَكْفِيرَ التَّارِكِ لَهَا تَكَاسُلًا وَتَهَاوُنًا فَلَهُ أَنْ يُقَيِّدَ الْقَوْلَ السَّابِقَ. وَالشَّيْخُ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُكَفِّرُ تَارِكَ الصَّلَاةِ إِلَّا بِالْجُحُودِ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْهُ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ: «أَنَّ الْكُفْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْجُحُودِ»؛ كَيْفَ وَهُوَ يُكَفِّرُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ أَوِ الْعَمَلِ كَمَا مَرَّ مَعَنَا.

وَبِالْمُنَاسَبَةِ قَالَ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِهِ (حُكْمُ تَارِكِ الصَّلَاةِ): «فَإِنَّ تَكْفِيرَ الْمُسْلِمِ الْمُوَحِّدِ بِعَمَلٍ يَصْدُرُ مِنْهُ غَيْرُ جَائِزٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ أَنَّهُ جَاحِدٌ وَلَوْ لِبَعْضِ مَا شَرَعَ اللهُ» ا.هـ1.

وَقَدِ اسْتَغَلَّ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَأَظْهَرُوهَا فِي كُتُبِهِمْ مَبْتُورَةً مِمَّا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا وَكَأَنَّ الشَّيْخَ أَرَادَ الْإِطْلَاقَ، وَعِنْدَ الرُّجُوعِ يَجِدُ الْمُنْصِفُ أَنَّ الشَّيْخَ قَصَدَ الْفَرَائِضَ؛ فَقَدْ قَرَّرَ هَذَا فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ عَنْ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ مُبَاشَرَةً بِقَوْلِهِ: «كَالَّذِي يُدْعَى إِلَى الصَّلَاةِ وَإِلَّا قُتِلَ» (انْظُرْ حُكْمَ تَارِكِ الصَّلَاةِ). فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ السَّابِقِ؟