الْأَلْبَانِيُّ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُعَرَّفَ بِهِ، وَيَكْفِي فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ أَنْ نَذْكُرَ أَنَّ أَئِمَّةَ الْعَصْرِ شَيْخَنَا ابْنَ بَازٍ وَشَيْخَنَا الْعُثَيْمِينَ قَدْ شَهِدَا لَهُ بِالتَّقَدُّمِ، وَأَنَّهُ إِمَامٌ وَمُجَدِّدٌ. وَأَمَّا عِلْمُهُ بِالْحَدِيثِ فَقَدْ شَهِدَ لَهُ الْمُخَالِفُ وَالْمُوَافِقُ بِالْإِمَامَةِ فِيهِ، وَلَمْ نَرَ فِي هَذَا الْعَصْرِ مَنْ يُضَاهِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ رَغْمَ كَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ وَالطَّاعِنِينَ فِيهِ. وَتَبْقَى مُخَالَفَتُهُ فِي تَصْحِيحِ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَوْ تَضْعِيفِهَا مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الْخِلَافُ لِمَنْ تَمَكَّنَ فِي هَذَا الْعِلْمِ.
هُنَالِكَ طَائِفَةٌ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى مَنْهَجِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي التَّصْحِيحِ وَالتَّضْعِيفِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْعِلْمِ؛ وَرَغْمَ كَذِبِهِمْ وَتَنَاقُضِهِمْ فَقَدْ تَتَبَّعْنَا كَلَامَهُمْ عَلَى بَعْضِ الْأَحَادِيثِ فَوَجَدْنَا طَوَامَّ لَا حَصْرَ لَهَا، وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا مِنْهُمْ لَهُ مُؤَلَّفٌ مُسْتَقِلٌّ فِي التَّصْحِيحِ وَالتَّضْعِيفِ حَتَّى يُثْبِتُوا صِحَّةَ مَنْهَجِهِمْ، وَهَيْهَاتَ لَهُمْ؛ وَلَنَا مَبْحَثٌ فِي الرَّدِّ عَلَى هَذِهِ الطَّائِفَةِ.
لَقَدْ أَصْبَحَ الْإِمَامُ الْأَلْبَانِيُّ أَحَدَ أَبْرَزِ الْمَرَاجِعِ الْعِلْمِيَّةِ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ. وَرَغْمَ جُهُودِهِ الْجَبَّارَةِ فِي نُصْرَةِ السُّنَّةِ وَتَصْفِيَةِ الْعَقِيدَةِ، إِلَّا أَنَّهُ وَاجَهَ عَاصِفَةً هَوْجَاءَ مِنَ الِاتِّهَامَاتِ الَّتِي طَعَنَتْ فِي صُلْبِ مُعْتَقَدِهِ، وَاصِفَةً إِيَّاهُ بِـ"الْإِرْجَاءِ" تَارَةً، وَبِمُوَافَقَةِ "الْجَهْمِيَّةِ" تَارَةً أُخْرَى. هَذِهِ الِاتِّهَامَاتِ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ نَقْدٍ عَابِرٍ، بَلْ تَحَوَّلَتْ إِلَى "أُطْرُوحَاتِ دُكْتُورَاه" وَكُتُبٍ مُؤَلَّفَةٍ وَفَتَاوَى مُؤَسَّسِيَّةٍ، مِمَّا جَعَلَهَا ظَاهِرَةً تَسْتَحِقُّ الدِّرَاسَةَ الْمُعَمَّقَةَ.
لَمْ يَأْتِ اسْتِهْدَافُ الشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ مِنْ فَرَاغٍ، بَلْ كَانَ نَتِيجَةً لِمَجْمُوعَةٍ مِنَ التَّقْرِيرَاتِ الْعِلْمِيَّةِ الْجَرِيئَةِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا السَّائِدَ فِي الْخِطَابِ "الصَّحْوِي" وَ"الْحَرَكِي" آنَذَاكَ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى دِقَّةٍ لُغَوِيَّةٍ فِي اسْتِخْدَامِ مُصْطَلَحَاتٍ اعْتَبَرَهَا الْبَعْضُ دَخِيلَةً أَوْ مُوهِمَةً.
وَشَيْخُنَا لَا شَكَّ أَنَّهُ فِي تَآلِيفِهِ مُحَرِّرٌ وَمُدَقِّقٌ لِدَرَجَةِ أَنَّكَ لَا تَجِدُ فِي مَا كَتَبَهُ شَيْئًا مِنَ الْأَخْطَاءِ الْمَطْبَعِيَّةِ عَلَى كَثْرَةِ مُؤَلَّفَاتِهِ، لَكِنَّ الشَّيْخَ ارْتَضَى لِنَفْسِهِ طَرِيقَةً فِي الدَّعْوَةِ لَمْ نَجِدْهَا عِنْدَ غَيْرِهِ وَقَدْ أَثْمَرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَشَدَّ مَا يَكُونُ؛ وَهِيَ طَرِيقَةُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ حَتَّى انْتَشَرَتْ بَيْنَ النَّاسِ فَأَصْبَحَتْ أَشْرِطَتُهُ الْمُسَجَّلَةُ تَتَجَاوَزُ الْخَمْسَةَ آلَافِ شَرِيطٍ. وَكَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُسَجَّلَ يَكُونُ فِي الْغَالِبِ غَيْرَ مُحَرَّرٍ؛ لِانْشِغَالِ الذِّهْنِ بِشَيْءٍ آخَرَ، فَهُوَ يَتَكَلَّمُ وَهُوَ يَأْكُلُ وَهُوَ يَمْشِي وَهُوَ يَسُوقُ -وَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ بِعَيْنِي- وَإِمَّا لِكَوْنِ الْجَوَابِ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ حَالَةٍ خَاصَّةٍ أَوْ مَا إِلَى ذَلِكَ، كَمَا هُوَ فِعْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ مَنْ جَاءَهُ يَسْأَلُ: «هَلْ لِلْقَاتِلِ مِنْ تَوْبَةٍ؟» فَأَفْتَاهُ بِالنَّفْيِ مَعَ أَنَّ الْقَتْلَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْكَبَائِرِ. وَلِذَلِكَ عِنْدَمَا نَقُولُ رَدًّا لِبَعْضِ الْإِشْكَالَاتِ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ: "الشَّيْخُ قَصَدَ كَذَا" أَوْ "أَنَّ لَهُ كَلَامًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي تَفْصِيلٍ وَبَيَانٍ لِهَذَا الْمَوْضِعِ"؛ لَا يَقْبَلُ خُصُومُهُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي مُؤَلَّفٍ لَهُ، فَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَلْزَمُ فِيهِ التَّحْرِيرُ وَالتَّفْصِيلُ كَالْمُؤَلَّفِ، وَالْمَوْضِعِ الَّذِي يُتَسَامَحُ فِيهِ فَلَا يُشْتَرَطُ كَمَا أَشَرْنَا سَابِقًا.
وَالشَّيْخُ -غَفَرَ اللهُ لَهُ إِحْقَاقًا لِلْحَقِّ فَقَدْ تَعَلَّمْنَا مِنْهُ التَّعَصُّبَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دُونَ الْأَشْخَاصِ وَلَوْ عَلَا مَقَامُهُمْ- قَدْ بَدَرَ مِنْهُ عَلَى مَدَى تِلْكَ السِّنِينَ الطَّوِيلَةِ وَتِلْكَ التَّسْجِيلَاتِ الَّتِي تَزِيدُ فِي مُدَّتِهَا عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ سَاعَةٍ بَدَرَ مِنْهُ كَلَامٌ فِيهِ إِشْكَالٌ وَبَعْضُهُ مُنْتَقَدٌ عَلَيْهِ، خَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ. وَقَدِ اسْتَغَلَّ خُصُومُهُ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ بِسَبَبِ فَتْوَاهُ الْمَشْهُورَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَالَّتِي قَرَّظَهَا وَأَيَّدَهَا إِمَامَا الْعَصْرِ ابْنُ بَازٍ وَالْعُثَيْمِينُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَشْفَعْ لَهُ عِنْدَ شِرْذِمَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ، فَحَمَلُوا كَلَامَهُ عَلَى أَسْوَأِ الْمَحَامِلِ وَأَلَّبُوا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءَ مُجْتَزِئِينَ مِنْ كَلَامِهِ مَا يُؤَيِّدُ اتِّهَامَهُمْ لَهُ بِالْإِرْجَاءِ.
وَقَدْ سَمِعْتُهُ يُرَدِّدُ بَعْدَ ذَلِكَ مَقُولَةَ الْإِمَامِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: «الْمُرْجِئَةُ لَا تَقْبَلُنِي»؛ فَقَدْ امْتَحَنَهُ شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ فَقَالَ لَهُ: «مَا تَقُولُ فِيمَنْ يَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ أَمُؤْمِنٌ هُوَ؟» فَأَجَابَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: «لَا أُخْرِجُهُ مِنَ الْإِيمَانِ». فَقَالَ شَيْبَانُ: «عَلَى كِبَرِ السِّنِّ صِرْتَ مُرْجِئًا؟!» فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: «إِنَّ الْمُرْجِئَةَ لَا تَقْبَلُنِي؛ أَنَا أَقُولُ: الْإِيمَانُ يَزِيدُ، وَالْمُرْجِئَةُ لَا تَقُولُ ذَلِكَ».
وَلَيْتَ خُصُومَ الشَّيْخِ اقْتَصَرُوا عَلَى نَقْدِ تِلْكَ الْعِبَارَاتِ الْمُشْكِلَةِ دُونَ أَنْ يَطْعَنُوا فِي مَذْهَبِ الشَّيْخِ وَعَقِيدَتِهِ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يُخْرِجُ الْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ وَيُصَرِّحُ كَمَا قَالَ السَّلَفُ أَنَّ «الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ»، وَأَنَّهُ «قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَاعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ»، وَلَهُ رُدُودٌ عَلَى الْمُرْجِئَةِ فِي إِخْرَاجِهِمُ الْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ، بَلْ يُصَرِّحُ بِأَنَّ الْخِلَافَ مَعَ مُرْجِئَةِ الْفُقَهَاءِ خِلَافٌ حَقِيقِيٌّ وَلَيْسَ صُورِيًّا. كَمَا أَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ «الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ»، وَمَنْ كَانَ هَذَا كَلَامُهُ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِرْجَاءِ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ.
وَلَهُ كَلَامٌ فِي الْكُفْرِ يُصَرِّحُ بِأَنَّ الْمُكَلَّفَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ دُونَ النَّظَرِ إِلَى اعْتِقَادِهِ. وَفِي الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ خِلَافُهُ مَعَ أَكْثَرِ الْمُعَاصِرِينَ فِي بُلُوغِ الْحُجَّةِ لِلْمُعَيَّنِ وَلَيْسَ فِي عَدَمِ إِطْلَاقِ الْكُفْرِ أَوِ الشِّرْكِ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي نَاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِ التَّوْحِيدِ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْمُرْجِئَةِ. وَلِذَلِكَ شَنَّعَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ السَّابِّ وَرَمَاهُ بِالتَّجَهُّمِ، وَكَانَ كَلَامُ الشَّيْخِ فِي الْمَانِعِ وَلَيْسَ فِي أَنَّ سَبَّ اللهِ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ- لَيْسَ كُفْرًا.
وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ الْمَشَايِخِ الْمَشْهُورِينَ يُحَذِّرُ مِنَ الشَّيْخِ وَيَتَّهِمُهُ بِالْإِرْجَاءِ، وَعِنْدَمَا يُسْأَلُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَنَّ هُنَالِكَ مَنْ يَتَّهِمُهُ بِالْإِرْجَاءِ يَغْضَبُ لِذَلِكَ وَيُحَذِّرُ مِمَّنْ يُحَذِّرُ مِنْ مَسْلَكِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ كَلَامِ السَّلَفِ فِي ذَمِّ الْمُرْجِئَةِ الْمَقْصُودُ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَتْبَاعُهُ، وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ أَبْوَابًا لِلرَّدِّ عَلَيْهِ حَتَّى فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ. وَفِي عَدَدٍ سَابِقٍ بَيَّنَّا الْمَوْقِفَ الْحَقَّ وَالَّذِي يَرْتَضِيهِ الْمُنْصِفُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَسْأَلَةُ مُرْجِئَةِ الْفُقَهَاءِ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ «الْمُرْجِئَةِ وَالسَّيْفِ».
لَكِنَّ أَكْثَرَ مَا ضَرَّ الشَّيْخَ انْتِسَابُ بَعْضِ طُلَّابِ الْعِلْمِ إِلَيْهِ وَخَوْضُهُمْ فِي مَسَائِلَ أَكْبَرَ مِنْهُمْ وَالتَّأْلِيفُ فِي ذَلِكَ، حَتَّى بَلَغَ بِهِمُ الْأَمْرُ أَنَّ قَرَّرُوا مَذْهَبَ الْمُرْجِئَةِ وَأَنَّ «الْإِيمَانَ يَنْقُصُ حَتَّى يَبْقَى مِنْهُ ذَرَّةٌ»، وَلِقُرْبِهِمْ مِنَ الشَّيْخِ -رَغْمَ أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَقْرَأْ أَغْلَبَ مُؤَلَّفَاتِهِمْ تِلْكَ- وَزَعْمِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَذْهَبَ الَّذِي نَشَرُوهُ هُوَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ؛ الْتَبَسَ الْأَمْرُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَصْدَرُوا فِيهِمُ الْفَتَاوَى وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ الْمَذْهَبَ هُوَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ. وَالشَّيْخُ لَمْ يَكُنْ مُتَفَرِّغًا لِبَيَانِ الْأَمْرِ أَوِ الرَّدِّ أَوِ التَّوْضِيحِ، رَغْمَ أَنَّ أَشْرِطَتَهُ مَلِيئَةٌ بِمَا يَرُدُّ هَذَا الْمَذْهَبَ الْفَاسِدَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.
إِلَّا أَنَّهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ أُوقِفَ عَلَى كِتَابِ الْحَوَالِي «ظَاهِرَةُ الْإِرْجَاءِ»، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَلْصَقَ تُهْمَةَ الْإِرْجَاءِ بِالشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ، فَعَلَّقَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ بَعْضَ التَّعْلِيقَاتِ وَقَدْ جُمِعَتْ فِي كِتَابِ «الدُّرَرِ الْمُتَلَأْلِئَةِ». وَمِنْ ذَلِكَ تَعْلِيقُهُ عَلَى قَوْلِ الْحَوَالِي: «فَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَنْسِبُ نَفْسَهُ لِلسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ ثُمَّ يُوَافِقُهُمْ فِي هَذَا الْقَوْلِ فَمَهْمَا عَمِلَ أَحَدٌ مِنَ الْمُكَفِّرَاتِ..» -يَقْصِدُ الْأَلْبَانِيَّ-. قَالَ الْأَلْبَانِيُّ مُعَلِّقًا: «هَذَا الْإِطْلَاقُ فِيهِ نَظَرٌ؛ كَالِاسْتِهْزَاءِ مَثَلًا فَإِنَّهُ عَمَلٌ». وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالتَّكْفِيرِ بِالْعَمَلِ رَدًّا عَلَى مَنْ اتَّهَمَهُ أَنَّهُ يَحْصُرُ الْكُفْرَ فِي الِاعْتِقَادِ.
وَقَالَ مُعَلِّقًا عَلَى كَلَامِ الْحَوَالِي فِي التَّعْرِيضِ بِهِ وَأَنَّهُ وَافَقَ الْمُرْجِئَةَ بِقَوْلِهِ "الْعَمَلُ شَرْطُ كَمَالٍ فِي الْإِيمَانِ"، قَالَ الْأَلْبَانِيُّ: «لَا أَظُنُّ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ بِأَيِّ شَيْءٍ فُرِضَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَكْفُرُ». وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا يَعْنِي كُلَّ الْعَمَلِ بَلْ آحَادَهُ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ.
قَالَ الْحَوَالِي مُتَحَدِّثًا عَنِ الْمُرْجِئَةِ: «بَلْ صَرَّحُوا أَنَّ السُّجُودَ لِلصَّنَمِ لَيْسَ كُفْرًا لِذَاتِهِ، وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَنْتَسِبُ لِلسَّلَفِ يُوَافِقُهُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ». قَالَ الْأَلْبَانِيُّ مُعَلِّقًا: «غَمْزٌ بَاطِلٌ».
وَقَالَ الْحَوَالِي مُتَحَدِّثًا عَنْ رِسَالَةِ (حُكْمُ تَارِكِ الصَّلَاةِ) لِلْأَلْبَانِيِّ: «حَيْثُ جَعَلَ التَّارِكَ الْكُلِّيَّ مُؤْمِنًا مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ وَرَكَّبَ رِسَالَتَهُ كُلَّهَا عَلَى هَذَا». قَالَ الْأَلْبَانِيُّ: «لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَالرِّسَالَةُ قَائِمَةٌ عَلَى تَارِكِ الصَّلَاةِ كَسَلًا».
وَلِتَحْرِيرِ عَقِيدَةِ الشَّيْخِ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّيْخِ وَالَّذِي عَاشَ وَمَاتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ حَتَّى الصَّلَاةَ، وَالْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ مَشْهُورٌ. وَإِنْ كُنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ مُلْتَزِمَ تَرْكِهَا تَهَاوُنًا وَكَسَلًا كَافِرٌ الْكُفْرَ الْأَكْبَرَ وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَنَا رِسَالَةٌ فِي ذَلِكَ ضِمْنِ سِلْسِلَةِ (مَا لَا يَسَعُ الشَّيْخَ جَهْلُهُ)، لَكِنَّ الَّذِي يَهُمُّنَا هُنَا: هَلْ يُقَالُ لِلْمُخَالِفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ وَافَقَ الْمُرْجِئَةَ؟ لَا شَكَّ أَنَّ وَصْفَ كُلِّ مُخَالِفٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ -مَسْأَلَةِ تَارِكِ الصَّلَاةِ- أَنَّهُ قَدْ وَافَقَ الْمُرْجِئَةَ ظُلْمٌ وَجَهْلٌ قَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَعَلَى رَأْسِهِمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ. وَلِكَوْنِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاضِحَةً فَلَا نُطِيلُ فِيهَا.
وَإِنْ كَانَ بَيَانُ مَذْهَبِ الشَّيْخِ فِيهَا نَحْتَاجُهُ فِي رَدِّ الشُّبُهَاتِ الْأُخْرَى الَّتِي تُثَارُ حَوْلَ بَعْضِ عِبَارَاتٍ لِلشَّيْخِ؛ كَكَلَامِهِ عَنْ تَارِكِ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَلَامِهِ أَنَّ الْعَمَلَ شَرْطٌ فِي كَمَالِ الْإِيمَانِ.
وَإِلَيْكَ التُّهَمَ الَّتِي رُمِيَ بِهَا الشَّيْخُ، وَالرَّدَّ عَلَيْهَا: