وَمَسْأَلَةُ (تَارِكِ جِنْسِ الْعَمَلِ) خَاضَ فِيهَا كَثِيرُونَ، وَبَعْضُهُمْ مَكَثَ دَهْرًا يُؤَصِّلُ لَهَا، ثُمَّ فَجْأَةً ظَهَرَ لَنَا بِمُؤَلَّفٍ يُكَفِّرُ فِيهِ تَارِكَ الصَّلَاةِ دُونَ أَنْ يَعْتَذِرَ أَوْ يُحَذِّرَ مِنَ الِاسْتِمَاعِ لِدُرُوسِهِ السَّابِقَةِ.
فَمِمَّا شَنَّعَ بِهِ أَعْدَاءُ الشَّيْخِ قَوْلُهُ: «لَا يُوجَدُ عِنْدَنَا فِي الشَّرِيعَةِ أَبَدًا نَصٌّ يُصَرِّحُ وَيَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ مَنْ آمَنَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ بِشَيْءٍ مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ، فَهَذَا هُوَ كَافِرٌ» ا.هـ.
قُلْتُ: وَهَذَا يَصْلُحُ كَمِثَالٍ مِنْ مِئَاتِ الْأَمْثِلَةِ عَلَى النُّصُوصِ الْمَبْتُورَةِ الَّتِي اتُّهِمَ بِسَبَبِهَا الشَّيْخُ؛ وَالشَّيْخُ هُنَا يَقْصِدُ مَسْأَلَةَ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْبَحْثِ: «وَالْآنَ أُنْهِي الْكَلِمَةَ بِمِثَالٍ بَسِيطٍ جِدًّا، أَقُولُ: قَاضِي شَرْعِيٌّ يَحْكُمُ...».
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ هَذِهِ التُّهْمَةِ أَنَّ الشَّيْخُ اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْقَيِّمِ فِي قَوْلِهِ: «وَأَمَّا الْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَتَرْكُ الصَّلَاةِ فَهُوَ مِنَ الْكُفْرِ الْعَمَلِيِّ قَطْعًا»، قَالَ الْأَلْبَانِيُّ: «قُلْتُ: هَذَا الْإِطْلَاقُ فِيهِ نَظَرٌ؛ إِذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الْكُفْرِ الِاعْتِقَادِيِّ أَحْيَانًا، وَذَلِكَ إِذَا اقْتَرَنَ مَعَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ كَاسْتِهْزَائِهِ بِالصَّلَاةِ وَالْمُصَلِّينَ، وَكَإِيثَارِهِ الْقَتْلَ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ إِذَا دَعَاهُ الْحَاكِمُ إِلَيْهَا كَمَا سَيَأْتِي، فَتَذَكَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ مُهِمٌّ».
فَتَأَمَّلْ -رَحِمَكَ اللهُ- كَيْفَ يُوصِلُ الْهَوَى أَصْحَابَهُ إِلَى ظُلْمِ الْعِبَادِ، نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ.
وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ بَيَانٍ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ تُهْمَةِ أَنَّ: (الْعَمَلَ شَرْطُ كَمَالٍ فِي الْإِيمَانِ).