بعضُهم قالَ لا إلهَ إلّا اللهُ أي لا خالقَ إلّا اللهُ، وعلى هذا المذهبِ جمهورُ الأشاعرةِ والماتريديّةِ في هذا العصرِ وقديمًا، وهذا هو التوحيدُ الذي تَدعو إليه بعضُ جماعاتِ الدعوةِ، وهؤلاءِ فسَّروا الإلهَ بمعنى القادرِ على الاختراعِ وهذا التفسيرُ باطلٌ باتّفاقِ أهلِ العلمِ، ومِن أوضحِ الدلائلِ على بطلانِه، أنّ أكثرَ المشركينَ في عهدِ النبيِّ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم كانوا يُقِرّونَ بالربوبيّةِ كما قالَ تعالى قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [يونس: 31] ولم ينفعْهم ذلك .

ورغمَ هذا أعرَضوا عن النطقِ بلا إلهَ إلّا اللهُ عِندَما دَعاهم النبيُّ إلى ذلك وقالُوا أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا [ص: 5]

فلَو كانَ مَعناها لا خالقَ إلّا اللهُ لَبادَروا بالنطقِ بها لأنّهم يُقِرّونَ بذلك قالَ الإمامُ المجدِّدُ في كشفِ الشبهاتِ1 :

" والكفّارُ الجهَّالُ يعلمونَ أنّ مرادَ النبيِّ ﷺ بهذه الكلمةِ –لا إلهَ إلّا اللهُ- هو إفرادُ اللهِ بالتعلُّقِ ،والكفرُ بما يُعبَدُ مِن دونِه والبراءةُ منه، فإنّه لمّا قالَ لهم : قُولوا لا إلهَ إلّا اللهُ ؛ قالُوا : أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: 5]

فإذا عرفتَ أنّ جهَّالَ الكفّارِ يعرفونَ ذلك ، فالعجبُ ممّن يدّعي الإسلامَ ، وهو لا يعرفُ مِن تفسيرِ هذه الكلمةِ ما عرفَه جهَّالُ الكفّارِ ، بل يظنُّ ذلك هو التلفُّظَ بحروفِها مِن غيرِ اعتقادِ القلبِ بشيءٍ مِن المعاني ؛ والحاذقُ مِنهم يظنُّ أنّ مَعناها لا يخلقُ ، ولا يرزقُ، ولا يُحيي ، ولا يُميتُ، ولا يُدبِّرُ الأمرَ إلّا اللهُ ، فلا خيرَ في رجلٍ جهَّالُ الكفّارِ أعلمُ منه بمعنى لا إلهَ إلّا اللهُ " .

وممّا استدلَّ به أهلُ هذا المذهبِ الباطلِ - المُساواةُ بَينَ الأُلوهيّةِ والرُّبوبيّةِ - بعضُ الآياتِ التي تذكرُ الربوبيّةَ في مقامِ الإلهيّةِ كقولِه تعالى عِندَما أخذَ العهدَ على بني آدمَ قالَ لهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: 172] وكَما في سؤالِ الملكَينِ للعبدِ في قبرِه كما في حديثِ البراءِ2 فيقولانِ له ”مَن ربُّك“ . وكقولِه تعالى وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا [آل عمران: 80] وغيرِها مِن الآياتِ.

ففسَّروا التوحيدَ بالربوبيّةِ وقالُوا مَن أقرَّ للهِ بالربوبيّةِ فقد أقرَّ له بالتوحيدِ إذ ليس الربُّ غيرَ الإلهِ بل هو الإلهُ فساوَوا بَينَهما بإطلاقٍ.

والتحقيقُ أنّ الربوبيّةَ والألوهيّةَ يجتمعانِ ويفترقانِ، فالربوبيّةُ في الآياتِ السابقةِ يُرادُ بها الألوهيّةُ ولَيسَت قسيمةً لها، كالفقيرِ والمسكينِ، والإسلامِ والإيمانِ، لكلٍّ مِنهما معنًى إذا اجتَمَعا و إذا افتَرَقا، فيُعبَّرُ بأحدِهما عن الآخرِ.

وهذا الصنفُ مِن القومِ، الشركُ الذي يُنافي التوحيدَ عندَهم إنّما هو اعتقادُ الربوبيّةِ أو خصيصةٍ مِن خصائصِها، كالاستقلالِ بالنفعِ أو الضرِّ ونفوذِ المشيئةِ في أحدٍ مِن الخلقِ.

وقريبًا قد تبنّى مَن نُسمّيهم بـ ( أصحابِ الهيئةِ الجديدةِ للعبادةِ )، هذه العقيدةَ الباطلةَ موافقينَ بذلك الأشاعرةَ فقالُوا الشركُ في العبادةِ لا يكونُ إلّا بقيدِ الإخلالِ بالربوبيّةِ وسيأتي الردُّ عَلَيهم في ثَنايا هذه المَوسوعةِ.

أمّا عقيدةُ الأشاعرةِ والمتكلّمينَ بصفةٍ عامّةٍ في هذا البابِ، فيُعبِّرُ عَنها كبارُ علمائِهم، فهذا الرازيُّ يقولُ في (المطالبِ العاليةِ مِن العلمِ الإلهيِّ)3 ”الإلهُ هو القادرُ على الاختراعِ، والدليلُ عليه، أنّه تعالى إنّما ظهرَ الامتيازُ بينَه وبينَ سائرِ الذواتِ بصفتِه الخَلاّقيَّةِ ، فقالَ: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ [النحل: 17]، ولمّا كان المذكورُ في معرضِ الامتيازِ هو هذه الصفةَ ، علِمنا أنّ معنى الإلهيّةِ ليس إلّا الخَلاقيَّةَ " .

وفي تفسيرِه4 يتكلَّفُ في ردِّ تفسيرِ الإلهِ بأنّه المستحِقُّ للعبادةِ، إلى المعنى الذي قرَّرَه المتكلّمونَ، وهو القادرُ على الاختراعِ قالَ " (المسألةُ الرابعةُ) قولُه تعالى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ [الأنعام: 102] يدلُّ على ترتيبِ الأمرِ بالعبادةِ على كونِه تعالى خالقًا لكلِّ الأشياءِ بفاءِ التعقيبِ وترتيبُ الحُكمِ على الوصفِ بحرفِ الفاءِ مُشعِرٌ بالسَّبَبيّةِ، فهذا يَقتَضي أن يكونَ كونُه تعالى خالقًا للأشياءِ هو الموجِبَ لكونِه معبودًا على الإطلاقِ، والإلهُ هو المستحِقُّ للمعبوديّةِ، فهذا يُشعِرُ بصحّةِ ما يذكرُه بعضُ أصحابِنا مِن أنّ الإلهَ عبارةٌ عن القادرِ على الخلقِ والإبداعِ والإيجادِ والاختراعِ“.

قلتُ: وقد جعلَ الاستحقاقَ للعبادةِ لكونِه القادرَ على الاختراعِ، لا لكونِ الإلهِ تعني المعبودَ، لأنّ الإلهَ عندَهم بمعنى الآلِهُ، وأنّ العبادَ يألهُهم اللهُ، أي يخلقُهم لا أنّهم هم يألهونَ اللهَ أي يعبدونَه كما قالَ شيخُ الإسلامِ .

قالَ شيخُ الإسلامِ:“وبِهذا وغيرِه يُعرَفُ ما وقعَ مِن الغلطِ في مسمّى التوحيدِ فإنّ عامّةَ المتكلّمينَ الذين يُقرِّرونَ التوحيدَ في كتبِ الكلامِ والنظرِ غايتُهم أن يَجعَلوا التوحيدَ ثلاثةَ أنواعٍ .

فيقولونَ : هو واحدٌ في ذاتِه لا قسيمَ له ، وواحدٌ في صفاتِه لا شبيهَ له ، وواحدٌ في أفعالِه لا شريكَ له، وأشهرُ الأنواعِ الثلاثةِ عندَهم هو الثالثُ، وهو توحيدُ الأفعالِ، وهو أنّ خالقَ العالمِ واحدٌ، وهم يحتجّونَ على ذلك بما يذكرونَه مِن دلالةِ التمانعِ وغيرِها، ويظنّونَ أنّ هذا هو التوحيدُ المطلوبُ ، وأنّ هذا هو معنى قولِنا لا إلهَ إلّا اللهُ حتّى قد يَجعَلوا معنى الإلهيّةِ القدرةَ على الاختراعِ"5

قلتُ : والعجيبُ أنّهم يُنكرونَ عَلَينا تقسيمَ التوحيدِ رغمَ أنّ هذا التقسيمَ مأخوذٌ مِن الوحيِ وهم يحتجّونَ على تقسيمِهم بما يذكرونَه مِن دلالةِ التمانعِ وغيرِها، ويظنّونَ أنّ هذا هو التوحيدُ المطلوبُ .

ومِن حُجَجِ الرازيِّ والمتكلّمينَ عامّةً قالُوا : ”إنّ (اللهَ) اسمُ علَمٍ غيرُ مشتقٍّ“ .

قالَ الرازيُّ في تفسيرِه: ”لو سلَّمنا أنّه مشتقٌّ، لكن لا نُسلِّمُ أنّ مَعناه أنّه الذي يستحِقُّ العبادةَ . ويدلُّ عليه وجهانِ، الأوّلُ: أنّه لو كان كذلك، لوجبَ ألاّ يكونَ إلهًا للجماداتِ والبهائمِ، لأنّه تعالى يستحِقُّ عليها العبادةَ، ولزمَ ألَّا يكونَ إلهًا في الأزلِ لم يخلقْ أحدًا، ولم يُنعِمْ على أحدٍ فلَم يكنْ مستحِقًّا للعبادةِ.

الثاني: أَنَّا بيَّنّا أنّ العقلَ لا يدلُّ على حصولِ الاستحقاقِ . لأنّه لا يتفاوتُ حالُ المعبودِ بسببِ هذه العبادةِ، وهي شاقّةٌ على العابدِ فوجبَ ألاّ يحكمَ العقلُ بوجوبِه .

إذا ثبتَ هذا فنقولُ: الإلهُ هو القادرُ على الاختراعِ “ا.هـ

وقد غفلَ عن قولِه تعالى وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44].

وأمّا قولُه ”ولزمَ ألاّ يكونَ إلهًا في الأزلِ لم يخلقْ أحدًا ” فهذا مبنيٌّ على قولِهم أنّ اللهَ بقيَ زمنًا في الأزلِ معطَّلًا عن الخلقِ، وقد ردَّ عَلَيهم شيخُ الإسلامِ بما لا تجدُه عندَ غيرِه في إثباتِ حوادثَ لا أوّلَ لها، ولِذلك أهلُ البدعِ لمّا أعياهُم الردُّ عليه اتّهموه بأنّه يقولُ بقِدَمِ العالمِ وفرقٌ بينَ قِدَمِ النوعِ وقِدَمِ العينِ.

قالَ رَحِمَه اللهُ6 ” فَلَيْسَ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ مِنْ مَفْعُولاتِهِ قَدِيمٌ مَعَهُ. لا بَلْ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ لَهُ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ قُدِّرَ إنَّهُ لَمْ يَزَلْ خَالِقًا فَعَّالًا. وَإِذَا قِيلَ : إنَّ الْخَلْقَ صِفَةُ كَمَالٍ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ [النحل: 17] أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ خَالِقِيَّتُهُ دَائِمَةً، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ لَهُ مُحْدَثٌ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ وَلَيْسَ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ قَدِيمٌ ؟ وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْكَمَالِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَطلًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْفِعْلِ، ثُمَّ يَصِيرَ قَادِرًا وَالْفِعْلُ مُمْكِنًا لَهُ، بِلا سَبَبٍ. وَأَمَّا جَعْلُ الْمَفْعُولِ الْمُعَيَّنِ مُقَارِنًا لَهُ أَزَلاً وَأَبَدًا فَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ تَعْطِيلٌ لِخَلْقِهِ وَفِعْلِهِ، فَإِنَّ كَوْنَ الْفَاعِلِ مُقَارِنًا لِمَفْعُولِهِ أَزَلاً وَأَبَدًا مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ“ ا.هـ

ورغمَ تفسيرِ الرازي لكلمةِ (الإلهِ) بهذا المعنى الباطلِ نجدُه مضطرًّا، عندَ تفسيرِ قولِه تعالى اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 59]

يقولُ7 ”الفائدةُ الثانيةُ : أنّه عليه السلامُ ذكرَ أوّلًا قولَه : اعْبُدُوا اللَّهَ [الأعراف: 59] وثانيًا قولَه : مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 59] والثاني كالعلّةِ للأوّلِ ، لأنّه إذا لم يكنْ لهم إلهٌ غيرُه كان كلُّ ما حصلَ عندَهم مِن وجوهِ النفعِ والإحسانِ والبرِّ واللطفِ حاصلًا مِن اللهِ ، ونهايةُ الإنعامِ توجبُ نهايةَ التعظيمِ ، فإنّما وجبَت عبادةُ اللهِ لأجلِ العلمِ بأنّه لا إلهَ إلّا اللهُ“ .

ثمّ قالَ ”الفائدةُ الثالثةُ : في هذه الآيةِ أنّ ظاهرَ هذه الآيةِ يدلُّ على أنَّ الإلهَ هو الذي يستحِقُّ العبادةَ لأنّ قولَه : اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 59] إثباتٌ ونفيٌ ، فيجبُ أن يَتَوارَدا على مفهومٍ واحدٍ حتّى يستقيمَ الكلامُ ، فكانَ المعنى اعبُدوا اللهَ ما لَكُم مِن معبودٍ غيرُه ، حتّى يتطابقَ النفيُ والإثباتُ ، ثمّ ثبتَ بالدليلِ أنّ الإلهَ ليس هو المعبودَ وإلّا لوجبَ كونُ الأصنامِ آلهةً ، وأنْ لا يكونَ الإلهُ إلهًا في الأزلِ لأجلِ أنّه في الأزلِ غيرُ معبودٍ ، فوجبَ حملُ لفظِ الإلهِ على أنّه المستحِقُّ للعبادةِ“ .

فها هو يأتي بنفسِ المعنى الذي درجَ عليه الشُّرّاحُ مِن أهلِ السنّةِ في تفسيرِ كلمةِ التوحيدِ لكنّه أعرضَ عن ”لا معبودَ بحقٍّ إلّا اللهُ“ للشبهةِ السابقةِ التي أشَرنا إلَيها والمتعلّقةِ بمسألةِ (حوادثَ لا أوّلَ لها) وسيأتي تفصيلُ هذه المسألةِ في كتابِ (مسائلِ العقيدةِ ) مِن هذه المَوسوعةِ.

وبِهذا تعلمُ أنّ المتكلّمينَ يُكابرونَ في هذا البابِ لأنّ أخذَهم بالمعنى الذي دلَّ عليه الإجماعُ فيه هدمٌ لأصولٍ عندَهم يبنونَ عليها .

وها هو الزمخشريُّ المعتزليُّ يقولُ في (الكشّافِ)8 : ”الإلهُ مِن أسماءِ الأجناسِ كالرجلِ والفرسِ، يقعُ على كلِّ معبودٍ بحقٍّ أو باطلٍ، ثمّ غلبَ على المعبودِ بحقٍّ“.

ولَو أرادَ أحدٌ أن يجدَ لهم مخرجًا لن يجدَ جوابًا إلّا أن يقولَ أنّهم قالُوا هذا مِن بابِ التفسيرِ باللازمِ وهذا لم يتنبَّهْ له حتّى كفّارُ قريشٍ جوابًا للنبيِّ ﷺ لمّا قالُوا أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا [ص: 5]