يَجِبُ العِلْمُ بالمعنى المرادِ مِن شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ نَفيًا وإثباتًا.

قالَ اللهُ تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: 19] .

أمَرَ اللهُ تعالى نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأوجَبَ عليه العِلمَ بأنَّه لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا اللهُ، فلا تجوزُ العِبادةُ إلَّا له وَحدَه دونَ ما سِواه، والعِلمُ لا بُدَّ فيه مِن إقرارِ القَلبِ ومَعرفتِه بمعنى ما طُلِبَ منه عِلمُه، وهو فَرضُ عَينٍ على كُلِّ إنسانٍ، لا يَسقُطُ عن أحدٍ كائِنًا مَن كان، والطَّريقُ إلى العِلمِ بأنَّه لا إلهَ إلَّا اللهُ يحصُلُ بأمورٍ؛ مِنها: تدبُّرُ أسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه، ومِنها: العِلمُ بأنَّه تعالَى المنفَرِدُ بالخَلقِ والتَّدبيرِ، فيُعلَمُ بذلك أنَّه المنفَرِدُ بالأُلوهيَّةِ، ومِنها: العِلمُ بأنَّه المُنفَرِدُ بالنِّعَمِ الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ؛ فإنَّ ذلك يُوجِبُ تَعَلُّقَ القَلبِ به ومحبَّتَه، والتَّأَلُّه له وَحدَه لا شريكَ له، وأعظَمُ طريقٍ هو تدَبُّرُ هذا القُرآنِ العظيمِ، والتأمُّلُ في آياتِه؛ فإنَّه البابُ الأعظَمُ إلى العِلمِ بالتَّوحيدِ، ويَحصُلُ به مِن تفاصيلِه وجُمَلِه ما لا يَحصُلُ مِن غَيرِه 671.

قالَ ابنُ جَريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فاعلَمْ -يا محمَّدُ- أنَّه لا مَعبودَ تنبغي أو تَصلُحُ له الأُلوهةُ، ويجوزُ لك وللخَلْقِ عبادتُه، إلَّا اللهُ الذي هو خالِقُ الخَلْقِ، ومالِكُ كُلِّ شَيءٍ، يدينُ له بالرُّبوبيَّةِ كُلُّ ما دُونَه) 672.

وقالَ الشَّوكانيُّ: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أي: إذا عَلِمْتَ أنَّ مَدارَ الخَيرِ هو التَّوحيدُ والطَّاعةُ، ومدارَ الشَّرِّ هو الشِّرْكُ والعَمَلُ بمعاصي الله، فاعلَمْ أنَّه لا إلهَ غَيرُه ولا رَبَّ سِواه) 673.

وقالَ السَّعديُّ: (العِلْمُ لا بُدَّ فيه من إقرارِ القَلبِ ومَعرفتِه بمعنى ما طُلِبَ منه عِلمُه، وتمامُه أن يَعمَلَ بمُقتَضاه.

وهذا العِلْمُ الذي أمَرَ اللهُ به -وهو العِلْمُ بتوحيدِ اللهِ- فَرضُ عَينٍ على كُلِّ إنسانٍ، لا يَسقُطُ عن أحَدٍ، كائنًا من كان، بل كُلٌّ مُضطَرٌّ إلى ذلك.

والطَّريقُ إلى العِلْمِ بأنَّه لا إلهَ إلَّا هو أمورٌ:

أحَدُها بل أعظَمُها: تدَبُّرُ أسمائِه وصِفاتِه، وأفعالِه الدَّالَّةِ على كَمالِه وعَظَمتِه وجَلالتِه؛ فإنَّها تُوجِبُ بَذْلَ الجُهدِ في التَّأَلُّهِ له، والتعَبُّدِ للرَّبِّ الكامِلِ الذي له كُلُّ حَمدٍ ومَجدٍ وجَلالٍ وجَمالٍ.

الثَّاني: العِلْمُ بأنَّه تعالى المنفَرِدُ بالخَلْقِ والتَّدبيرِ، فيُعلَمُ بذلك أنَّه المنفَرِدُ بالأُلوهيَّةِ.

الثَّالِثُ: العِلْمُ بأنَّه المنفَرِدُ بالنِّعَمِ الظَّاهرةِ والباطِنةِ، الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ؛ فإنَّ ذلك يُوجِبُ تعَلُّقَ القَلبِ به ومحبَّتَه، والتَّأَلُّهَ له وَحْدَه لا شَريكَ له.

الرَّابعُ: ما نَراه ونَسمَعُه مِن الثَّوابِ لأوليائِه القائِمينَ بتوحيدِه مِن النَّصرِ والنِّعَمِ العاجِلةِ، ومِن عُقوبتِه لأعدائِه المُشْرِكينَ به، فإنَّ هذا داعٍ إلى العِلمِ بأنَّه تعالى وَحْدَه المُستَحِقُّ للعِبادةِ كُلِّها.

الخامِسُ: مَعرِفةُ أوصافِ الأوثانِ والأندادِ التي عُبِدَت مع اللهِ، واتُّخِذَت آلِهةً، وأنَّها ناقِصةٌ من جميعِ الوُجوهِ، فقيرةٌ بالذَّاتِ، لا تَملِكُ لنَفْسِها ولا لعابِدِيها نَفعًا ولا ضَرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا، ولا يَنصُرونَ مَن عَبَدَهم، ولا يَنفَعونَهم بمِثقالِ ذَرَّةٍ، مِن جَلبِ خَيرٍ أو دَفعِ شَرٍّ؛ فإنَّ العِلْمَ بذلك يُوجِبُ العِلْمَ بأنَّه لا إلهَ إلَّا هو، وبُطلانَ إلَهيَّةِ ما سِواه.

السَّادِسُ: اتِّفاقُ كُتُبِ اللهِ على ذلك، وتواطُؤُها عليه.

السَّابعُ: أنَّ خواصَّ الخَلْقِ الذين هم أكمَلُ الخَليقةِ أخلاقًا وعُقولًا ورأيًا وصَوابًا وعِلمًا -وهم الرُّسُلُ والأنبياءُ والعُلَماءُ الرَّبَّانيُّونَ- قد شَهِدوا لله بذلك.

الثَّامِنُ: ما أقامَه اللهُ مِن الأدِلَّةِ الأُفُقيَّةِ والنَّفسيَّةِ التي تدُلُّ على التَّوحيدِ أعظَمَ دَلالةٍ، وتُنادي عليه بلِسانِ حالِها بما أودَعَها مِن لطائِفِ صَنعتِه، وبديعِ حِكمتِه، وغَرائِبِ خَلْقِه.

فهذه الطُّرُقُ التي أكثَرَ اللهُ مِن دَعوةِ الخَلْقِ بها إلى أنَّه لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأبداها في كِتابِه وأعادَها، عند تأمُّلِ العَبدِ في بَعْضِها لا بُدَّ أن يكونَ عِندَه يقينٌ وعِلمٌ بذلك، فكَيفَ إذا اجتَمَعَت وتواطأَت واتَّفَقَت، وقامَت أدِلَّةُ التَّوحيدِ من كُلِّ جانبٍ، فهُناكَ يَرسَخُ الإيمانُ والعِلْمُ بذلك في قَلبِ العَبدِ، بحيثُ يكونُ كالجِبالِ الرَّواسي، لا تُزلزِلُه الشُّبَهُ والخَيالاتُ، ولا يزدادُ -على تكَرُّرِ الباطِلِ والشُّبَهِ- إلَّا نُمُوًّا وكَمالًا.

هذا، وإن نظَرْتَ إلى الدَّليلِ العَظيمِ، والأمرِ الكبيرِ -وهو تدَبُّرُ هذا القُرْآنِ العظيمِ، والتأمُّلِ في آياتِه- فإنَّه البابُ الأعظَمُ إلى العِلْمِ بالتَّوحيدِ، ويَحصُلُ به من تفاصيلِه وجُمَلِه ما لا يَحصُلُ في غَيرِه) 674.

وعَن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن ماتَ وهو يَعلَمُ أنَّه لا إلهَ إلَّا اللهُ، دَخَل الجنَّةَ 675.

في هذا الحَديثِ يُوضِّحُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فضْلَ العِلْمِ بكَلِمةِ التَّوحيدِ، والمَوتِ على ذلك؛ فيُخْبِرُ أنَّ مَن ماتَ وهو مؤمِنٌ باللهِ، يَعلَمُ أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ هو المعبودُ بحَقٍّ وحدَهُ، وأنَّ عِبادةَ غيرِه باطلةٌ، وعَمِلَ بمُقتضى ذلك العِلْمِ- دخَلَ الجنَّةَ في الآخِرةِ برَحْمةِ اللهِ. وضِدُّ العِلْمِ: الجهلُ، وهو الذي أوقَعَ الضُّلَّالَ من هذهِ الأُمَّةِ في مخالفةِ مَعناها، وتَرْكِ العَمَلِ بمُقتَضاها؛ فمَنْ جَهِلَ معنى (لا إلَهَ إلَّا اللهُ) لا بُدَّ أنَّه سيَنْقُضُها باعتقادٍ، أو قَوْلٍ، أو عَمَلٍ 676.

قالَ أبو العَبَّاسِ القُرْطبيُّ: (قَولُه: مَن ماتَ وهو يَعلَمُ أنَّه لا إلهَ إلَّا اللهُ، دَخَل الجنَّةَ حقيقةُ العِلمِ: هي وضوحُ أمْرٍ ما، وانكِشافُه على غايتِه، بحيثُ لا يبقى له بَعدَ ذلك غايةٌ في الوُضوحِ، ولا شَكٌّ في أنَّ من كانت معرفتُه باللهِ تعالى ورسولِه كذلك، كان في أعلى دَرَجاتِ الجنَّةِ، وهذه الحالةُ هي حالةُ النَّبيِّينَ والصِّدِّيقينَ، ولا يلزَمُ فيمَن لم يكُنْ كذلك ألَّا يَدخُلَ الجنَّةَ؛ فإنَّ من اعتَقَد الحَقَّ وصَدَّق به تصديقًا جازِمًا لا شَكَّ فيه ولا رَيبَ، دَخَل الجنَّةَ، كما قَدَّمْناه، وكَما دَلَّ عليه قَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في حديثِ أبي هُرَيرةَ: مَن لَقِيَ اللهَ وهو يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنِّي رَسولُ اللهِ غيرَ شاكٍّ فيهما، دَخَل الجنَّةَ 677 وكَما قالَ: من كان آخِرَ قَولِه: لا إلهَ إلَّا اللهُ، دخَلَ الجنَّةَ 678.

فحاصِلُ هذَينِ الحديثينِ: أنَّ مَن لَقِيَ اللهَ تعالى وهو موصوفٌ بالحالةِ الأُولى والثَّانيةِ دَخَل الجنَّةَ؛ غيرَ أنَّ هناك فَرقًا بين الدَّرَجَتينِ، كما بيْن الحالتَينِ، كما صَرَّحت به الآياتُ الواضِحاتُ، كقَولِه تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: 11] ) 679.

وقالَ ابنُ هُبَيرةَ: (قَولُه: «شهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ»، يقتضي أن يكونَ الشَّاهِدُ عالِمًا بأنْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، كما قالَ اللهُ عزَّ وجَلَّ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: 19] ) 680.

وقالَ عليٌّ القاري عن كَلِمةِ التوحيدِ: (فيتعَيَّنُ على كُلِّ موقنٍ أن يعتنيَ بشأنهِا مبنًى ومعنًى؛ ليُنقَلَ من إفادةِ مَبناها إلى إعادةِ مَعناها؛ فإنَّها مفتاحُ الجَنَّةِ، وعَنِ النَّارِ بمنزلةِ الجُنَّةِ، للنَّاسِ والجِنَّةِ.

وقَد نَصَّ الأئمَّةُ من ساداتِ الأمَّةِ أنَّه لا بدَّ من فَهمِ مَعناها المترتِّبِ على عِلمِ مَبناها؛ ليخرُجَ عن رِبقةِ التقليدِ، ويدخُلَ في رِفعةِ التحقيقِ والتأييدِ، وقَد قالَ تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: 19] ) 681.

وقالَ القاري أيضًا: (اعتِقادُ التوحيدِ لا ينفَعُ دونَ النُّطْقِ عندَ القُدرةِ أو عِندَ الطَّلَبِ، ولا النُّطقُ دُونَ الاعتِقادِ بالإجماعِ، بل لا بُدَّ مِنْهما) 682.

وقالَ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّاب: (لا يَتِمُّ إسلامُ الإنسانِ حتى يعرِفَ معنى لا إلهَ إلَّا اللهُ) 683.

وقالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ حَسَن آل الشَّيخ: (قَولُه: «من شَهِدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ» 684 ؛ أي: من تكَلَّم بها عارفًا لمَعناها، عامِلًا بمُقتَضاها، باطنًا وظاهرًا، فلا بدَّ في الشَّهادتين من العِلمِ واليقينِ والعَمَلِ بمدلولِها، كما قالَ اللهُ تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: 19] ، وقَولِه: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: 86] ، أمَّا النُّطقُ بها من غيرِ معرفةٍ لمَعناها ولا يقينٍ ولا عَمَلٍ بما تَقتَضيه مِن البراءةِ من الشِّركِ، وإخلاصِ القَولِ والعَمَلِ: قَولِ القَلبِ واللِّسانِ، وعَمَلِ القَلبِ والجوارحِ؛ فغيرُ نافعٍ بالإجماعِ) 685.

وقالَ مُبارَكٌ الميلي الجزائري: (إنَّ مجَرَّدَ النُّطقِ بالشَّهادتينِ لا يَطرُدُ عن ساحةِ القَلبِ شَبَحَ الشِّركِ، ولا سيَّما نُطقِ من لُقِّنَهما تقليدًا عاديًّا خاليًا من فَهمِ مَعناهما، وإنما اعتَرَفَ بهما بحُكمِ الوَسَطِ لا باضطرارِ العِلمِ، ولم ينطِقِ المُشركون بالشَّهادتينِ لَمَّا دَعاهم رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّهم عالِمون بمَعناهما، ويَرَونَ النُّطقَ بهما التزامًا لِما يَدعو إليه الرَّسولُ، ونَبذًا لِما يُخالِفُ دعوتَه، وقَد أصابوا في هذا الرَّأيِ، ثم اختاروا بَعدَ ذلك الرَّأيِ النَّاشئِ عن العِلمِ باللُّغةِ ومعاني الكلامِ التمَسُّكَ بما وَجَدوا عليه آباءَهم، وقَد أخطَؤوا في هذا الاختيارِ، ولَو رَأَوا مجرَّدَ التشَهُّدِ كافيًا في رَفعِ وَصفِ الشِّركِ عنهم مع بقائِهم على عقائِدِهم الباطِلةِ وعوائِدِهم القبيحةِ؛ لأقَرُّوا واسْتَرَاحُوا) 686.