إذا أقَرَّ العَبدُ للهِ تعالى بالرُّبوبيَّةِ فإنَّ إقرارَه هذا يَقتَضي اعتِقادَ أُمورٍ لا بُدَّ مِنها، وهي:

أوَّلًا:

أنَّ اللهَ سُبحانَه هو المتفرِّدُ بالنَّفعِ والضُّرِّ، والإعطاءِ والمَنْعِ، والإحياءِ والإماتةِ، والمُلْكِ والتَّدبيرِ للكَونِ بما فيه، ولا يَشرَكُه في ذلك أحَدٌ، ويَدخُلُ في هذا الإيمانُ بالقَضاءِ والقَدَرِ.

قالَ اللهُ تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران: 154] .

وقالَ اللهُ سُبحانَه: قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعراف: 188] .

وقالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [يونس: 107] .

وقالَ اللهُ تَبارَكَ وتعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا [الفرقان: 3] .

وقالَ اللهُ جَلَّ شَأنُه: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا [الفتح: 11] .

ثانيًا: إثباتُ رَبٍّ مُبايِنٍ للعالَمِ

قالَ اللهُ تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: 54] .

وقالَ سُبحانَه: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: 18] .

قالَ ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ الرُّبوبيَّةَ المحضةَ تَقتَضي مُبايَنةَ الرَّبِّ للعالَمِ بالذَّاتِ، كما بايَنَهم بالرُّبوبيَّةِ وبالصِّفاتِ والأفعالِ، فمَن لم يُثبِتْ ربًّا مُبايِنًا للعالَمِ فما أثبتَ ربًّا) 393.

قُلتُ:: والعَجيبُ أنَّ الأشاعِرةَ يُدَندِنونَ كَثيراً على مَوضوعِ الرُّبوبيّةِ، ثُمَّ تَرى كَثيراً مِنهم يَقولونَ إنَّ اللهَ في كُلِّ مَكانٍ، ومِنهم مَن يَعتَقِدُ الاتِّحادَ ووَحدةَ الوُجودِ، ولا يُقِرّونَ بأنَّ اللهَ مُبايِنٌ للعالَمِ.

ثالِثًا:

أن يكونَ الإقرارُ بالرُّبوبيَّةِ مُوصِلًا للعَبدِ إلى الإقرارِ بالأُلوهيَّةِ، كما تقَدَّم ذِكْرُه، فلا يَصرِفُ أيَّ نوعٍ من أنواعِ العباداتِ لغَيرِ اللهِ.

قالَ اللهُ تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [يونس: 3] 394.