لَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ هُنَا إِلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَتْ بَعْضَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الشَّيْخِ يَقَعُونَ فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ لِعَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَتْبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَيَكُونُ نَتِيجَةُ ذَلِكَ أَنْ يُتَّهَمَ الشَّيْخُ بِسَبَبِهِمْ بِمَا لَمْ يَقُلْ أَوْ يَعْتَقِدْ.

مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الْبَحْثَ فِي مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ كَالْبَحْثِ فِي تَخْرِيجِ حَدِيثٍ؛ فَتَصَوَّرْ أَنَّ أَحَدَ هَؤُلَاءِ يَبْحَثُ فِي تَخْرِيجِ حَدِيثٍ لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي تَخْرِيجِهِ فَيَصِلُ إِلَى نَتِيجَةٍ تَجْعَلُ الْقُرَّاءَ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ قُوَّةِ بَحْثِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَى الْمَطْبُوعِ وَالْمَخْطُوطِ، فَيُحَقِّقُ بِذَلِكَ هَدَفَيْنِ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ كَسَبَ ثِقَةَ الْقَارِئِ.

الثَّانِي: أَنَّهُ أَوْهَمَ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ تَحْتَاجُ إِلَى هَذَا الْبَحْثِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُهُ إِلَّا الْمُطَّلِعُونَ عَلَى كُلِّ مَا حَوَتْهُ الْمَكْتَبَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ مِنْ مَطْبُوعٍ وَمَخْطُوطٍ.

وَفِي الْحَقِيقَةِ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ رَغْمَ أَنَّهُمْ عَالَةٌ عَلَى الْإِمَامِ فِي كَثِيرٍ مِنْ تَحْقِيقَاتِهِمْ وَتَخْرِيجَاتِهِمْ، إِلَّا أَنَّهُ لَا شَكَّ عِنْدِي أَنَّ لَهُمْ بَاعًا كَبِيرًا!! فِي جَانِبِ الِاطِّلَاعِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّقَفُّرِ. لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَسَائِلَ الْعَقِيدَةِ خَاصَّةً لَا تَحْتَاجُ إِلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَظُنُّونَ أَنَّهَا لَا تَتَوَفَّرُ إِلَّا فِيهِمْ؛ فَكُلُّ طَالِبِ عِلْمٍ عِنْدَمَا يَبْحَثُ فِي مَسْأَلَةٍ مَا مِنْ مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْكُتُبِ الْمَوْثُوقَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَيَخْرُجُ بِالْجَوَابِ الصَّحِيحِ.

لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ قَدْ حُرِّرَتْ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، وَمَا كَانَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي يَبْدُو لِلْبَاحِثِ أَنَّهَا تُخَالِفُ مَا تَقَرَّرَ فِيهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ فَهُوَ مِنَ (الْمُتَشَابِهِ) الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُرَدَّ إِلَى (الْمُحْكَمِ)، وَهَذَا يَسْتَطِيعُهُ حَتَّى الْعَامِّيُّ؛ لِذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ: «وَالْعَامِّيُّ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ يَغْلِبُ أَلْفًا مِنْ عُلَمَاءِ السُّوءِ»؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ إِلَّا الشُّبَهُ، وَلِذَلِكَ أَرْشَدَ الْإِمَامُ مَنْ يُنَاظِرُهُمْ إِلَى الْجَوَابِ الْمُجْمَلِ فَرَاجِعْهُ فِي رِسَالَةِ (كَشْفِ الشُّبُهَاتِ) فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.

هَذَا خِلَافُ الْبَحْثِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ أَوِ الْبَحْثِ فِي تَخْرِيجِ حَدِيثٍ؛ فَفِي هَذَا الْبَابِ لَوْ احْتَاجَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ تَحْتَجَّ بِقَوْلِ مُبْتَدِعٍ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْكَ. وَمِصْدَاقُ مَا أَقُولُ تَجِدُهُ مَرْقُومًا فِي كِتَابِ «إِحْكَامِ التَّقْرِيرِ» الَّذِي أَلَّفَهُ مُرَاد شُكْرِي وَقَامَ عَلَى طَبْعِهِ عَلِيُّ الْحَلَبِيُّ، وَلَا يَزَالُ يَمْدَحُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ الدُّكْتُورُ بَازْمُول إِلَى وَقْتٍ قَرِيبٍ، غَيْرَ أَنَّهُ فِي الْفَتْرَةِ الْأَخِيرَةِ تَنَبَّهَ لِهَذَا الْخَطَأِ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ فَأَصْبَحَ يَقُولُ: "إِنَّ مَا قَرَّرَهُ الْكَاتِبُ هُوَ الْحَقُّ غَيْرَ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي النَّقْلِ عَنْ أَهْلِ الْبِدَعِ"، ثُمَّ بَلَغَ بِهِ الْحَالُ الْآنَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى كُلِّ مَنْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ أَنَّهُ كَافِرٌ، وَأَنَّ نُصُوصَ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ تُحْمَلُ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْآخِرَةِ.

وَلَا تَتَعَجَّبْ فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ أُتُوا مِنَ الْبَابِ الَّذِي نَبَّهْنَا عَلَيْهِ آنِفًا؛ فَقَدْ كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا ذُكِرَ لَهُ حَدِيثٌ ضَعَّفَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَهُوَ يَقُولُ بِتَصْحِيحِهِ يَقُولُ لِمَنْ حَوْلَهُ: "الْمَسْأَلَةُ تَحْتَاجُ إِلَى بَحْثٍ"، وَبَعْدَ أَنْ يَبْحَثَ يَصِلُ إِلَى نَتِيجَةٍ مُفَادُهَا أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ وَلَوْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَلَوْ اطَّلَعْنَا عَلَى بَحْثِهِ لَهَالَنَا مَا فِيهِ مِنْ قُوَّةٍ فِي الْبَحْثِ وَالتَّحْقِيقِ لَا نَسْتَطِيعُهَا -أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ بَعْضُنَا- فَحِينِ ذَاكَ يُسَلِّمُ لَهُ الْمُخَالِفُ وَرُبَّمَا يَشْهَدُ لَهُ بِالتَّقَدُّمِ.

رَغْمَ أَنَّنِي أَقُولُ: لَوْ أَنَّ بَعْضَ طَلَبَةِ الْعِلْمِ الْمُتَمَكِّنِينَ فِي هَذَا الْجَانِبِ رَاجَعَ تَحْقِيقَهُ الْمَزْعُومَ لَوَجَدَ فِيهِ مِنَ الْأَخطَاءِ وَالتَّدْلِيسِ وَالْبَتْرِ مَا اللهُ بِهِ عَلِيمٌ، لَكِنَّ لِأَنَّ أَكْثَرَنَا لَمْ يُعْطِ هَذَا الْجَانِبَ كَبِيرَ اهْتِمَامٍ، فَقَدْ يُعْجَبُ بِقُوَّةِ الْبَحْثِ مَعَ الْمُعْجَبِينَ وَلَا يَدْرِي عَنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ.

وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.