الْمُسْتَمِعُ لِكَلَامِ الشَّيْخِ فِي بَعْضِ التَّسْجِيلَاتِ وَإِجَابَاتِهِ عَلَى بَعْضِ الْأَسْئِلَةِ يَجِدُ أَنَّ الشَّيْخَ يَأْتِي فِي كَلَامِهِ مَا يُفِيدُ حَصْرَ الْكُفْرِ فِي الِاعْتِقَادِ، لَكِنْ يَبْدُو مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَمْرَيْنِ:
وَضْعَ قَاعِدَةٍ تَمْنَعُ الشَّبَابَ مِنَ التَّسَرُّعِ فِي تَكْفِيرِ الْآخَرِينَ.
أَنَّهُ قَصَدَ أَنَّ هُنَالِكَ تَلَازُمًا بَيْنَ كُفْرِ الِاعْتِقَادِ وَكُفْرِ الْعَمَلِ.
لَكِنْ هَلْ يُقَالُ أَنَّ الشَّيْخَ لَا يُكَفِّرُ بِالْعَمَلِ؟ الْوَاقِعُ خِلَافُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ كَمَا يُكَفِّرُ بِالِاعْتِقَادِ، وَهَذِهِ بَعْضُ الشَّوَاهِدِ مِنْ كَلَامِهِ.
يَقُولُ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وَمِنَ الْأَعْمَالِ أَعْمَالٌ قَدْ يَكْفُرُ بِهَا صَاحِبُهَا كُفْرًا اعْتِقَادِيًّا... بِحَيْثُ يَقُومُ فِعْلُهُ هَذَا مِنْهُ مَقَامَ إِعْرَابِهِ بِلِسَانِهِ عَنْ كُفْرِهِ، كَمِثْلِ مَنْ يَدُوسُ الْمُصْحَفَ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ، وَقَصْدِهِ لَهُ» ا.هـ1.
وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لهُ اصْطِلَاحٌ خَاصٌّ فِي تَسْمِيَةِ الْكُفْرِ رَغْمَ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ الِاعْتِقَادَ، وَكَوْنُهُ عَالِمًا بَلْ إِمَامًا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى قَصْدِهِ وَاصْطِلَاحِهِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ -كَوْنُ الْعَالِمِ لَهُ اصْطِلَاحٌ خَاصٌّ لَكِنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ- جَعَلَتِ الطَّعْنَ فِي الْعُلَمَاءِ مَطِيَّةً سَهْلَةً، كَمَا حَدَثَ مِنْ بَعْضِهِمْ مَعَ الْإِمَامِ ابْنِ قُدَامَةَ وَرَمْيِهِ بِالتَّفْوِيضِ، وَقَدْ بَيَّنَّا اصْطِلَاحَ ابْنِ قُدَامَةَ الَّذِي مَنْ عَرَفَهُ يَجْزِمُ بِبَرَاءَتِهِ مِنَ التَّفْوِيضِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ فِي رِسَالَةِ (حُكْمُ تَارِكِ الصَّلَاةِ) بِأَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ كُفْرٌ أَكْبَرُ إِذَا أَصَرَّ عَلَى تَرْكِهَا وَامْتَنَعَ عَنْ فِعْلِهَا مَعَ تَهْدِيدِ الْحَاكِمِ لَهُ بِالْقَتْلِ، فَقَالَ: «وَعَلَى مِثْلِ هَذَا الْمُصِرِّ عَلَى التَّرْكِ وَالِامْتِنَاعِ عَنِ الصَّلَاةِ مَعَ تَهْدِيدِ الْحَاكِمِ لَهُ بِالْقَتْلِ: يَجِبُ أَنْ تُحْمَلَ كُلُّ أَدِلَّةِ الْفَرِيقِ الْمُكَفِّرِ لِلتَّارِكِ لِلصَّلَاةِ» ا.هـ2. فَإِذًا هُوَ يُكَفِّرُ تَارِكَ الصَّلَاةِ بِمُجَرَّدِ الْإِصْرَارِ عَلَى التَّرْكِ.
وَعِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَحَلَّ الْإِرْجَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الْفُقَهَاءِ: "إِنَّهُ إِذَا أَصَرَّ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَهُوَ يُدْعَى إِلَيْهَا وَيَرَى بَارِقَةَ السَّيْفِ، حَتَّى يُقْتَلَ؛ أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا لَا كُفْرًا!".
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: «فَهَذَا الْمَوْضِعُ يَنْبَغِي تَدَبُّرُهُ، فَمَنْ عَرَفَ ارْتِبَاطَ الظَّاهِرِ بِالْبَاطِنِ زَالَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَلِمَ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنَ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهُ إِذَا أَقَرَّ بِالْوُجُوبِ وَامْتَنَعَ عَنِ الْفِعْلِ لَا يُقْتَلُ، أَوْ يُقْتَلُ مَعَ إِسْلَامِهِ، فَإِنَّهُ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ».
وَقَدْ أَفْتَى الْأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- بِأَنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ: «أَنَا يَهُودِيٌّ» كُفْرٌ مُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ3. فَهَاهُوَ يُكَفِّرُ بِالْعَمَلِ (أو الْقَوْلِ) دُونَ أَنْ يَشْتَرِطَ التَّصْرِيحَ بِالِاعْتِقَادِ.
وَقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللهُ- عَمَّنْ يَسْتَهْزِئُ بِاللهِ أَوْ بِآيَاتِهِ أَوْ بِرَسُولِهِ، هَلْ يَكُفُرُ؟ فَقَالَ صَرَاحَةً بِالْحَرْفِ الْوَاحِدِ: «ذَلِكَ الْكُفْرُ الَّذِي ذَرَّ قَرْنَهُ»4. وَلَمْ يَقُلْ نَسْأَلُ عَنْ اعْتِقَادِهِ كَمَا يَدَّعِي بَعْضُهُمْ -نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ- بَلْ بَلَغَ الْحَدُّ بِبَعْضِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَنْ نَسَبَ إِلَى الشَّيْخِ أَنَّهُ يَقُولُ: "مَنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ بَلْ حَتَّى لِحِذَاءٍ فَإِنَّنَا لَا نُكَفِّرُهُ حَتَّى يُصَرِّحَ بِاعْتِقَادِهِ!!"؛ فَسَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ.
وَفِي جَلْسَةٍ عِلْمِيَّةٍ قُرِئَتْ عَلَيْهِ فَتْوَى لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي تَكْفِيرِ السَّابِّ وَالْمُسْتَهْزِئِ فَأَقَرَّهَا وَبَيَّنَ أَنَّهُ يَدِينُ اللهَ بِهَذَا5. وَفِي جَلْسَةٍ أُخْرَى قَرَّرَ أَنَّ الْكُفْرَ يَكُونُ بِالْفِعْلِ، وَالْقَوْلِ، وَالِاعْتِقَادِ6.
وَمَعَ ذَلِكَ نَقُولُ إِنَّ الشَّيْخَ لَهُ اصْطِلَاحٌ خَاصٌّ أَرَادَ بِهِ -كَمَا سَبَقَ- مُعَالَجَةَ وَاقِعٍ كَانَ يَعِيشُهُ وَيَرَاهُ، فَهُوَ يُسَمِّي الْكُفْرَ فِي الْأَفْعَالِ بِأَنَّهُ "كُفْرُ اعْتِقَادٍ" لِوُجُودِ التَّلَازُمِ بَيْنَهُمَا، وَهَذِهِ لَفْتَةٌ قَلَّمَا يُشِيرُ لَهَا أَحَدٌ سَوَاءٌ مِنَ الْمُدَافِعِينَ أَوِ الطَّاعِنِينَ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ التَّلَازُمِ؛ فَالشَّيْخُ يَجْعَلُ الْقَوْلَ أَوِ الْعَمَلَ دَلِيلًا عَلَى مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ لَا الْعَكْسَ، أَيْ لَا يَشْتَرِطُ مَعْرِفَتَهُ بِالِاعْتِقَادِ حَتَّى يُكَفِّرَ بِالْقَوْلِ أَوِ الْعَمَلِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِوُجُودِ هَذَا التَّلَازُمِ، بَلْ هُوَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي يُفَرَّقُ بِهَا بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَبَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْخَوَارِجِ. لَكِنْ لَا يَعْنِي هَذَا أَنَّنَا مُطَالَبُونَ بِالتَّنْقِيبِ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَاعْتِقَادَاتِهِمْ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الظَّاهِرِ؛ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ أَوِ الْفِعْلُ كُفْرًا بِدَلِيلٍ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الْإِجْمَاعِ فَلَا نَتَرَدَّدُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُعَيَّنِ الْوَاقِعِ فِيهِ بِالْكُفْرِ إِذَا تَوَفَّرَتِ الشُّرُوطُ وَامْتَنَعَتِ الْمَوَانِعُ دُونَ الْبَحْثِ عَنْ اعْتِقَادِهِ، بَلْ وَلَوْ قَالَ: "لَمْ أَعْتَقِدْ"، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ كِبَارُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّابِقِينَ وَاللَّاحِقِينَ.
وَلَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّنَا نُجَرِّئُ النَّاسَ عَلَى التَّكْفِيرِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَصْدُرَ هَذَا الْحُكْمُ مِنْ شَخْصٍ مُؤَهَّلٍ لِذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ الْمُتَمَكِّنِينَ لِخُطُورَةِ التَّجَرُّؤِ عَلَى تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ بِدُونِ ضَوَابِطَ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَبْحَثٌ طَوِيلٌ أَوْدَعْنَاهُ فِي كِتَابِ «الْمُرْجِئَةُ وَالسَّيْفُ». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي (الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ): «وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُسْتَهْزِئِينَ: لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 66]، فَبَيَّنَ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ بِالْقَوْلِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا صِحَّتَهُ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، وَالْفِقْهُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّصْدِيقَ بِالْقَلْبِ يَمْنَعُ إِرَادَةَ التَّكَلُّمِ وَإِرَادَةَ فِعْلٍ فِيهِ اسْتِهَانَةٌ وَاسْتِخْفَافٌ، كَمَا أَنَّهُ يُوجِبُ الْمَحَبَّةَ وَالتَّعْظِيمَ وَاقْتِضَاؤُهُ وُجُودَ هَذَا... فَالْكَلَامُ وَالْفِعْلُ الْمُتَضَمِّنُ لِلِاسْتِخْفَافِ وَالِاسْتِهَانَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ التَّصْدِيقِ النَّافِعِ وَلِعَدَمِ الِانْقِيَادِ وَالِاسْتِسْلَامِ، فَلِذَلِكَ كَانَ كُفْرًا». فَهَاهُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يُقِرُّ بِالتَّلَازُمِ بَيْنَ الْفِعْلِ أَوِ الْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ.
وَالشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ7 فِي إِجَابَةٍ لَهُ عَلَى السُّؤَالِ التَّالِي: «مَا حُكْمُ الطَّوَافِ بِالْقُبُورِ؟»
قَالَ: «الطَّوَافُ بِالْقُبُورِ شِرْكٌ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ وَلَا رَيْبَ... فَإِذَا طَافَ الطَّائِفُ حَوْلَ الْقَبْرِ فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ نَقَلَ عِبَادَةً هِيَ للهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إِلَى ذَاكَ الْمَقْبُورِ... فَمَنْ وَجَّهَ عِبَادَةً مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَعَبَّدَ بِهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ إِلَى غَيْرِهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدِ اتَّخَذَهُ مَعَهُ إِلَهًا».
قَالَ سَائِلٌ: «هَلْ نَسْأَلُ الطَّائِفَ هَلْ يَعْتَقِدُ أَمْ لَا أَمْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ شِرْكٌ؟»
قَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «هَذَا سُؤَالٌ حِينَمَا يُرَادُ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِهَذَا الْعَمَلِ يَرْتَدُّ، فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُقِيمُ الْحَدَّ -أَيِ الْقَتْلَ- عَلَى الْمُرْتَدِّ حِينِذَاكٍ هَذَا الْإِنْسَانُ يُؤْتَى بِهِ فَيُسْتَتَابُ، لَا يُسْأَلُ تَعْتَقِدُ أَوْ لَا تَعْتَقِدُ لِأَنَّ عَمَلَهُ بُرْهَانٌ عَلَى عَقِيدَتِهِ، إِنَّمَا يُسْتَتَابُ بَعْدَ أَنْ تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ هُوَ لِبَيْتِ اللهِ فَقَطْ عِبَادَةٌ وَخُضُوعٌ للهِ كَالسُّجُودِ لَا فَرْقَ؛ فَلَوْ أَنَّ إِنْسَانًا سَجَدَ لِشَيْخٍ لَهُ أَوْ أَمِيرٍ لَهُ فَهَذَا لَا يُسْأَلُ لِمَاذَا أَنْتَ تَسْجُدُ وَهَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ لَكِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ».
وَبَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ يَتَقَوَّلُ بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّيْخِ مَا لَمْ يَقُلْ، فَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَلَا بُدَّ أَنْ يُلَاحَظَ أَنَّ الشَّيْخَ الْأَلْبَانِيَّ -رَحِمَهُ اللهُ- أَكْثَرُ كَلَامِهِ مُنْصَبٌّ عَلَى حَالَةِ الْمُعَيَّنِ فَهُوَ لَا يُنَاقِشُ الْمَسْأَلَةَ فِي الْعُمُومِ، خَاصَّةً أَنَّ كَلَامَهُ لَيْسَ فِي مَعْرِضِ التَّأْلِيفِ وَالتَّأْصِيلِ كَمَا أَشَرْنَا سَابِقًا؛ فَكَثِيرًا مَا يَقُولُ: "نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُعَالِجَ الْوَاقِعَ"، فَهَذَا مَنْهَجٌ اتَّخَذَهُ الشَّيْخُ قَدْ عَرَفْنَاهُ عَنْهُ بِالْمُمَارَسَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُلَاحَظَ حَتَّى يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ.
وَالْمُتَتَبِّعُ لِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ السَّابِقِينَ يَجِدُ أَنَّهُمْ فِي سَبِيلِ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ يُضْطَرُّونَ إِلَى أَنْ يَأْتُوا بِأَلْفَاظٍ ظَاهِرُهَا مُخَالِفٌ لِمَا يَعْتَقِدُونَهُ، وَمَا حَالُ الدَّارِمِيِّ فِي رَدِّهِ عَلَى الْمَرِيسِيِّ عَنَّا بِبَعِيدٍ؛ فَإِنَّ لَهُ عِبَارَاتٍ يَجْزِمُ السَّامِعُ لَهَا بِأَنَّ الرَّجُلَ مُشَبِّهٌ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ مَشَايِخِنَا عِنْدَمَا أُوقِفَ عَلَى بَعْضِ تِلْكَ الْعِبَارَاتِ اسْتَنْكَرَهَا أَشَدَّ الِاسْتِنْكَارِ، قَالَ: "فَلَمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهَا فِي مَوْضِعِهَا عَرَفْتُ أَنَّهُ اضْطُرَّ إِلَيْهَا فِي مَعْرِضِ الرَّدِّ". وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَعْرِضِ رَدِّهِ عَلَى الرَّوَافِضِ، يَظُنُّ السَّامِعُ لَهُ مُجَرَّدًا أَنَّ الرَّجُلَ نَاصِبِيٌّ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ- وَعِنْدَ مُرَاجَعَةِ الْمَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرَهَا فِيهِ نَجِدُ أَنَّهُ اضْطُرَّ إِلَيْهَا فِي مَعْرِضِ الرَّدِّ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ مِنَ التُّهَمِ الَّتِي سَيُثْبِتُونَهَا عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا وَسَيُثْبِتُ الْخَوَارِجُ وَالنَّوَاصِبُ مُمَاثِلًا لَهَا فِي عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَهَذَا يُخْرِسُ أَلْسِنَةَ الرَّوَافِضِ.
لَكِنَّ الْقَوْمَ الطَّاعِنِينَ فِي الشَّيْخِ حَمَلَهُمْ بُغْضُهُمْ لِدَعْوَةِ الشَّيْخِ عَلَى عَدَمِ مُرَاعَاةِ جَانِبِ الْإِعْذَارِ وَالتَّأْوِيلِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْعِلْمِ. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُعَارِضِينَ لِلشَّيْخِ إِنَّ الْمُسْتَهْزِئَ بِاللهِ أَوْ بِآيَاتِهِ أَوْ بِرَسُولِهِ يَكْفُرُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ وَلَوْ كَانَ مَازِحًا، وَأَنَّ الْمُتَأَوِّلَ لِصِفَةِ الِاسْتِوَاءِ مَثَلًا لَا يَكْفُرُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ؛ فَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ بِسَبَبِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَوَانِعِ التَّكْفِيرِ، فَفِي حَالَةِ الْمُسْتَهْزِئِ ظَنَّ أَنَّ الْمَوَانِعَ قَدِ انْتَفَتْ وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ تَنْتَفِ، وَهَذَا صَوَابٌ لَكِنَّهُمْ يَتَنَاسَوْنَ هَذَا عِنْدَ الطَّعْنِ فِي الشَّيْخِ.
فَيُقَالُ حِينِئِذٍ: إِذَا رَأَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَأَفْقَهُ مِنْ هَذَا الْمُعَارِضِ وَأَخْبَرُ بِوَاقِعِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ الْمَوَانِعَ لَمْ تَنْتَفِ فِي حَالَةِ الْمُسْتَهْزِئِ أَوِ السَّابِّ لِتَغَيُّرِ الظُّرُوفِ الَّتِي يَعِيشُهَا بَعْضُ النَّاسِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ عَمَّا كَانَ فِي الْأَزْمَانِ السَّابِقَةِ وَمَا يَتَعَرَّضُونَ لَهُ مِنْ سُوءِ تَرْبِيَةٍ وَفَسَادٍ فِي الْإِعْلَامِ الَّذِي يَصْبُغُ النَّاسَ بِلِبَاسِهِ دُونَ أَنْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، حَتَّى أَصْبَحَ السَّبُّ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ- يَجْرِي عَلَى لِسَانِ أَحَدِهِمْ بِدُونِ قَصْدٍ لَهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَى الْقَارِئِ أَنَّ "قَصْدَ الْفِعْلِ" شَرْطٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ. مِنْ ذَلِكَ (لَغْوُ الْيَمِينِ)؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَحْلِفُ اثْنَانِ بِاللهِ فَيُلْزَمُ أَحَدُهُمَا بِالْكَفَّارَةِ دُونَ الْآخَرِ وَإِنَّمَا حَصَلَ التَّفْرِيقُ بِسَبَبِ الْقَصْدِ وُجُودًا وَعَدَمًا. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ: "لَعَمْرُكَ" وَمَا شَابَهَهَا، فَهِيَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي كَانَتْ تَجْرِي عَلَى الْأَلْسِنَةِ وَلَا يَقْصِدُونَ بِهَا الْيَمِينَ.
فَكَذَلِكَ الْكُفْرُ لَا يَتَلَبَّسُ بِالْمُكَلَّفِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِفِعْلِهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ "قَصْدِ الْفِعْلِ" وَ"قَصْدِ الْكُفْرِ" الَّذِي تَشْتَرِطُهُ الْمُرْجِئَةُ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ». أَقُولُ هَذَا مَعَ أَنَّنِي مُسْتَحْضِرٌ كَمَا ذَكَرْتُ آنِفًا أَنَّ هُنَالِكَ فَرْقًا بَيْنَ قَصْدِ الْكُفْرِ وَقَصْدِ الْفِعْلِ، فَالثَّانِي شَرْطٌ دُونَ الْأَوَّلِ. فَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الْعَالِمَ إِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ تَكُونُ مَانِعًا لِإِطْلَاقِ حُكْمِ الْكُفْرِ عَلَى الْمُعَيَّنِ الْمُسْتَهْزِئِ أَوِ السَّابِّ للهِ أَوْ رَسُولِهِ أَوِ الدِّينِ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ- وَإِنْ كُنَّا قَدْ نُخَالِفُهُ فِي هَذَا الِاجْتِهَادِ، فَلَيْسَ فِي الْأَمْرِ حِينِئِذٍ مَا يَسْتَحِقُّ الْإِنْكَارَ. بَلْ إِنَّ وَصْفَ مِثْلِ هَذَا الْمُجْتَهِدِ بِأَنَّهُ "مُرْجِئٌ" أَوْ "جَهْمِيٌّ" أَوْ "لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْعَقِيدَةُ" -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ- إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِ ذَلِكَ الْوَاصِفِ وَتَجَرُّئِهِ عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ.
وَقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَفِيفِي -وَهُوَ مَنْ هُوَ-: «مَا حُكْمُ الْمُسْتَهْزِئِ بِالدِّينِ أَوْ سَابِّ الدِّينِ أَوِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، هَلْ يَكْفُرُ وَلَوْ كَانَ جَاهِلًا؟»
فَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: «هَذَا الْبَابُ كَغَيْرِهِ مِنْ أَبْوَابِ الْكُفْرِ يُعَلَّمُ وَيُؤَدَّبُ، فَإِنْ عَلِمَ وَعَانَدَ بَعْدَ التَّعْلِيمِ وَالْبَيَانِ كَفَرَ. وَإِذَا قِيلَ: لَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ، فَمَعْنَاهُ يُعَلَّمُ وَيُؤَدَّبُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ يُكَفَّرُ» ا.هـ8. فَتَأَمَّلْ كَيْفَ أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يُنْزِلِ الْحُكْمَ عَلَى الْمُعَيَّنِ إِلَّا بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ. وَقَدْ بُلِينَا بِطَائِفَةٍ لَمْ يَتَعَرَّفُوا عَلَى كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي النَّوَازِلِ فَيُلْزِمُونَ الْعَالِمَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلِسَانِ جَهْلِهِمْ، وَإِنْ كُنَّا نَظُنُّ فِي بَعْضِ هَؤُلَاءِ الْحِرْصَ عَلَى حِمَايَةِ الْعَقِيدَةِ وَجَانِبِ التَّوْحِيدِ لَكِنَّهُمْ فِي الْمُقَابِلِ وَقَعُوا فِي أَعْرَاضِ الْعُلَمَاءِ بِدُونِ حَقٍّ، وَلُحُومُ الْعُلَمَاءِ مَسْمُومَةٌ، وَعَادَةُ اللهِ فِي هَتْكِ أَسْتَارِ مُنْتَقِصِيهِمْ مَعْلُومَةٌ.
وَتَتَّضِحُ الصُّورَةُ بِهَذَا الْمِثَالِ الْمَشْهُورِ عَنْ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَصْرِ؛ فَقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (الْمُفْتِي) عَنْ رَجُلٍ اسْمُهُ سَعْدٌ سَبَّ دِينَ رَجُلٍ آخَرَ، فَقَالَ:
«وَنُفِيدُكُمْ أَنَّنَا بِاطِّلَاعِنَا عَلَى أَوْرَاقِ الْمُعَامَلَةِ وَعَلَى كِتَابَةِ فَضِيلَةِ رَئِيسِ الْمَحْكَمَةِ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا مَا يُوجِبُ عَلَى سَعْدٍ إِقَامَةَ حَدِّ الرِّدَّةِ؛ إِذْ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِسَبِّ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا سَبَّ دِينَ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ تَدَيُّنَ الرَّجُلِ رَدِيءٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَبِهَذَا تَكُونُ إِحَالَةُ الْمَذْكُورِ إِلَى الْقَاضِي». (فَتَاوَى وَرَسَائِلُ سَمَاحَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ).