العِبادةُ في الشَّرعِ أو (الاصطِلاحِ) لها تَعاريفُ كَثيرةٌ مِن أشمَلِها وأحسَنِها ما قالَه شَيخُ الإسلامِ:

"العِبادةُ: اسمٌ جامِعٌ لكُلِّ ما يحِبُّه اللهُ ويَرْضاه مِنَ الأقوالِ والأعمالِ؛ الباطِنةِ والظَّاهِرةِ" 804.

قُلتُ:: وهذا مِن أشهَرِ التَّعاريفِ للعِبادةِ وإن كانَ المَقصودُ به (المُتَعَبَّدَ به)، إلَّا أنَّ هذا أوضَحُ تَعريفٍ للعِبادةِ كما سيَأتي عِندَ الحَديثِ عن (ضابِطِ العِبادةِ).

وقالَ بَعضُهم هي غايةُ الخُضوعِ والتَّذَلُّلِ المُقتَرِنِ بالمَحَبَّةِ والتَّعظيمِ.

والمَقصودُ بالعِبادةِ في الآيةِ المَسؤولِ عنها كما سيَأتي، أن نُوَحِّدَ اللهَ بالعِبادةِ . كما قالَ تعالى وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: 5].

قالَ البُخاريُّ في صَحيحِه في تَفسيرِ قَولِه تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].

”ما خَلَقتُ أهلَ السَّعادةِ مِن أهلِ الفَريقَينِ إلَّا ليُوَحِّدونِ، وقالَ بَعضُهم خَلَقَهم ليَفعَلوا ففَعَلَ بَعضٌ وتَرَكَ بَعضٌ، وليسَ فيه حُجَّةٌ لأهلِ القَدَرِ“805.

ثُمَّ فَسَّرَ شَيخُ الإسلامِ، التَّعريفَ الجامِعَ بالمِثالِ فقالَ ” فالصَّلاةُ والزَّكاةُ والصِّيامُ والحَجُّ وصِدقُ الحَديثِ وأداءُ الأمانةِ وبِرُّ الوالِدَينِ وصِلةُ الأرحامِ والوَفاءُ بالعُهودِ والأمرُ بالمَعروفِ والنَّهيُ عن المُنكَرِ والجِهادُ للكُفَّارِ والمُنافِقينَ والإحسانُ للجارِ واليَتيمِ والمِسكينِ وابنِ السَّبيلِ والمَملوكِ مِن الآدَميِّينَ والبَهائِمِ والدُّعاءُ والذِّكرُ والقِراءةُ ، وأمثالُ ذلك مِن العِبادةِ ،وكذلك حُبُّ اللهِ ورَسولِه، وخَشيةُ اللهِ، والإنابةُ إليه، وإخلاصُ الدِّينِ له، والصَّبرُ لحُكمِه، والشُّكرُ لنِعَمِه، والرِّضا بقَضائِه، والتَّوَكُّلُ عليه، والرَّجاءُ لرَحمَتِه، والخَوفُ مِن عَذابِه، وأمثالُ ذلك، هي مِن العِبادةِ للهِ“806.

وهذا كانَ جَوابَه قَدَّسَ اللهُ رُوحَه ضِمنَ جَوابٍ طَويلٍ ضَمَّنَه في كِتابِه (العُبوديَّةِ) لمَن سألَه عَن قَوْلِه عزَّ وَجلَّ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: 21].

فكانَ السُّؤالُ:

”مَا الْعِبَادَةُ؟ وَمَا فُروعُها؟ وَهل مَجْمُوعُ الدِّينِ دَاخلٌ فِيهَا أم لَا؟ وَمَا حَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ؟ وَهل هِيَ أَعلَى المَقاماتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أم فَوْقَهَا شَيْءٌ مِن المَقاماتِ؟ ولْيَبسُطْ لَنا القَوْلَ فِي ذَلِك ”807.

وهذا التَّعريفُ يَصلُحُ أن يَكونَ تَعريفًا جامِعًا مانِعًا وعلى جادَّةِ أهلِ العِلمِ .

ويَدخُلُ في التَّعريفِ المَشهورِ "العِبادةُ هي: ما أُمِرَ به شَرعًا مِن غَيرِ اطِّرادٍ عُرفيٍّ ولا اقتِضاءٍ عَقليٍّ"

فهو يُعَبَّرُ عنه اختِصارًا، لأنَّ ما أُمِرَ به شَرعًا هي الواجِباتُ والمُستَحَبَّاتُ التي أمَرَ اللهُ بها،كالصَّلاةِ والصِّيامِ والدُّعاءِ والذَّبحِ، ومِن غَيرِ اطِّرادٍ عُرفيٍّ ولا اقتِضاءٍ عَقليٍّ، يُقصَدُ به أنَّ العِبادةَ تَوقيفيَّةٌ لا تُعرَفُ إلَّا مِن قِبَلِ الشَّرعِ.

وشَيخُ الإسلامِ ومَن جاءَ بَعدَه مِن الأئِمَّةِ ومِنهم أئِمَّةُ الدَّعوةِ في هذا العَصرِ عِندَما أقَرُّوا تَعريفَه للعِبادةِ بأنَّها ” اسمٌ جامِعٌ لكُلِّ ما يُحِبُّه اللهُ ويَرضاه، مِن الأقوالِ والأعمالِ الباطِنةِ والظَّاهِرةِ”

أرادوا هذا، فهذا ضابِطٌ جامِعٌ مانِعٌ لكُلِّ صُوَرِ العِبادةِ التي افتَرَضَها اللهُ على العِبادِ، والتي صَرْفُها لغَيرِه شِركٌ أكبَرُ ، وتَحتَه تَندَرِجُ كُلُّ عِبادةٍ.

لذلك قالَ الشَّيخُ السَّعديُّ في (القَولِ السَّديدِ) ”فكُلُّ اعتِقادٍ أو قَولٍ أو عَمَلٍ، ثَبَتَ أنَّه مَأمورٌ به مِن الشَّارِعِ فصَرفُه للهِ وَحدَه تَوحيدٌ وإيمانٌ وإخلاصٌ، وصَرفُه لغَيرِه شِركٌ وكُفرٌ.

فعَلَيك بهذا الضَّابِطِ للشِّركِ الأكبَرِ الذي لا يَشِذُّ عنه شَيءٌ“808 .

وفي (المُسَوَّدةِ) يُؤَكِّدُ شَيخُ الإسلامِ هذا المَعنى حَيثُ قالَ ”كُلُّ ما كانَ طاعةً للهِ ومَأمورًا به فهو عِبادةٌ عِندَ أصحابِنا والمالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ.

وعِندَ الحَنَفيَّةِ العِبادةُ ما كانَ مِن شَرطِها النِّيَّةُ.“809

وهذا التَّعريفُ الذي اختَرْناه هو الذي يَتَناسَبُ مع سَماحةِ الإسلامِ ويُسرِ الشَّريعةِ فاللهُ أمَرَنا بالعِبادةِ التي هي مَقصِدُ بِعثةِ الرُّسُلِ وأساسُ دَعوتِهم ومُنتَهى أعمالِهم وغايةُ جِهادِهم ومِن أجلِها أُنزِلَت الكُتُبُ ونُسِخَت الشَّرائِعُ السَّابِقةُ وبَقِيَت شَريعةُ خاتَمِ الرُّسُلِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ .

قالَ تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]. فلا يَصِحُّ أن تَكونَ مَعرِفةُ هذا الأمرِ العَظيمِ غامِضةً على الخَلقِ، ولا يَعرِفُ ضابِطَها وحُدودَها إلَّا خاصَّةُ الخاصَّةِ، فقد رأَينا في هذا العَصرِ المُؤَلَّفاتِ تَتَكاثَرُ في هذا البابِ بَحثًا عن تَعريفٍ ورُبَّما ضابِطٍ للعِبادةِ، كُنهِها أو مَفهومِها أو حَقيقَتِها، وحينَ تَقرَأُ في شَيءٍ مِنها تُصابُ بالصُّداعِ ولا يُمكِنُك فَهمُ كُلِّ ما يُصاغُ، حتَّى إنَّ طَلَبةَ العِلمِ المُتَمَكِّنينَ رُبَّما يَعجِزونَ عن فَهمِ ذلك، فما بالُك بالعَوامِّ الذين أمَرَهم اللهُ بعِبادَتِه وحَذَّرَهم مِن الشِّركِ، فلا يُعقَلُ أن يَأمُرَهم بشَيءٍ ويَنهاهم عن شَيءٍ لا يَعرِفونَ حُدودَه، أو لا يَعرِفُ ذلك إلَّا خَواصُّهم مِن المُتَمَكِّنينَ في العِلمِ .

فالعِبادةُ هي "كُلُّ ما أمَرَ اللهُ به ورَسولُه سَواءٌ كانَ أمرَ إيجابٍ أو استِحبابٍ ”

والتَّعريفُ الذي قَرَّرَه شَيخُ الإسلامِ والأئِمَّةُ مِن بَعدِه مُستَنبَطٌ مِن التَّعريفِ بالمِثالِ، الذي هو مِن الخاصَّةِ، لصُعوبةِ التَّعريفِ بالحَدِّ المُطابِقِ، وسيَأتي بَيانُ المَقصودِ فكُنْ على ذِكرٍ مِن ذلك لأنَّنا بُلِينا في هذا الزَّمانِ بمَن يَتَحَدَّى أهلَ العِلمِ أن يَأتوا بتَعريفٍ أو ضابِطٍ للعِبادةِ، وسيَأتي الرَّدُّ على هذه الطَّائِفةِ، وهم مَن نَنعَتُهم بأصحابِ الهَيئةِ الجَديدةِ للعِبادةِ.

وقالَ بَعضُهم العِبادةُ هي "كَمالُ الحُبِّ مع كَمالِ الذُّلِّ والخُضوعِ".

ومِن ذلك قَولُ ابنِ القَيِّمِ في نونيَّتِه :

وعِبادةُ الرَّحمنِ غايةُ حُبِّه ... مع ذُلِّ عابِدِه هما قُطبانِ.
وعليهما فَلَكُ العِبادةِ دائِرٌ ... ما دارَ حتَّى قامَت القُطبانِ.
ومَدارُه بالأمرِ أمرِ رَسولِه ... لا بالهَوى والنَّفسِ والشَّيطانِ.810

والمَقصودُ بالعِبادةِ في الشَّرعِ ، أي تَوحيدُ اللهِ بالعِبادةِ وهي غايةُ الخُضوعِ والتَّذَلُّلِ المُقتَرِنِ بالمَحَبَّةِ والتَّعظيمِ ..

قالَ ابنُ القَيِّمِ في (المَدارِجِ): ”وبَنى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) على أربَعِ قَواعِدَ، التَّحَقُّقُ بما يُحِبُّه اللهُ ورَسولُه ويَرضاه مِن قَولِ اللِّسانِ والقَلبِ، وعَمَلِ القَلبِ والجَوارِحِ. فالعُبوديَّةُ اسمٌ جامِعٌ لهذه المَراتِبِ الأربَعِ، فأصحابُ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) حَقًّا هم أصحابُها، فقَولُ القَلبِ: هو اعتِقادُ ما أخبَرَ اللهُ به عن نَفسِه، وعن أسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه ومَلائِكَتِه ولِقائِه على لِسانِ رُسُلِه.

وقَولُ اللِّسانِ: الإخبارُ عنه بذلك، والدَّعوةُ إليه والذَّبُّ عنه وتَبيينُ بُطلانِ البِدَعِ المُخالِفةِ له، والقِيامُ بذِكرِه، وتَبليغِ أوامِرِه.

وعَمَلُ القَلبِ: كالمَحَبَّةِ له، والتَّوَكُّلِ عليه، والإنابةِ إليه، والخَوفِ مِنه، والرَّجاءِ له، وإخلاصِ الدِّينِ له، والصَّبرِ على أوامِرِه، وعن نَواهيه، وعلى أقدارِه، وغَيرِ ذلك مِن أعمالِ القُلوبِ.

وأعمالُ الجَوارِحِ: كالصَّلاةِ والجِهادِ، ومُساعَدةِ العاجِزِ والإحسانِ إلى الخَلقِ، ونَحوِ ذلك“811

ومِمَّن عَرَّفَ العِبادةَ بنَحوِ ما ذُكِرَ آنِفًا ابنُ حِبَّانَ في صَحيحِه قالَ ”وعِبادةُ اللهِ جَلَّ وعَلا ، إقرارٌ باللِّسانِ وتَصديقٌ بالقَلبِ وعَمَلٌ بالأركانِ“812.

يَقولُ شَيخُ الإسلامِ: ”أصلُ المَحَبَّةِ المَحمودةِ التي أمَرَ اللهُ بها، وخَلَقَ خَلقَه لأجلِها، هي ما في عِبادَتِه وَحدَه لا شَريكَ له؛ إذ العِبادةُ مُتَضَمِّنةٌ لغايةِ الحُبِّ بغايةِ الذُّلِّ“813 .

وبَعضُهم فَهِمَ مِن كَلامِ ابنِ القَيِّمِ السَّابِقِ أنَّ الاعتِقادَ شَرطٌ في العِبادةِ فقالَ:

814.

إنَّ أساسَ العِبادةِ ورَأسَها الاعتِقادُ.

ويَبدو لي أنَّ أوَّلَ مَن رَبَطَ العِبادةَ وما يُضادُّها مِن الكُفرِ أو الشِّركِ بالاعتِقادِ في هذا العَصرِ هو الصَّنعانيُّ قالَ في (تَطهيرِ الاعتِقادِ):

إنَّ أساسَ العِبادةِ ورَأسَها الاعتِقادُ؛ ولَفظُه: «هذا جهلٌ بمعنى العبادة، فإنَّها ليست منحصرةً في ما ذكرتَ، بل رأسها وأساسها الاعتقاد، وقد حصل في قلوبهم ذلك، بل يسمُّونه معتقداً، ويصنعون له ما سمعتَه مِمَّا تفرَّع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم والاستغاثة بهم والاستعانة والحلف والنذر، وغير ذلك.»815.

وقالَ في وَصفِ المُشرِكينَ الأوَّلينَ، ” إنَّ عِبادَتَهم هي اعتِقادُهم فيهم أنَّهم يَضُرُّونَ ويَنفَعونَ”.816

قُلتُ : لا شَكَّ أنَّ هذا القَولَ باطِلٌ، وهذه المَسألةُ هي التي خالَفَ فيها الصَّنعانيُّ الإمامَ مُحَمَّدَ بنَ عبدِ الوَهَّابِ، ومِمَّن تَصَدَّى للرَّدِّ على الصَّنعانيِّ فيها، الشَّوكانيُّ في (الدُّرِّ النَّضيدِ)، وصِدِّيق حَسَن خان في (الدِّينِ الخالِصِ) ورَدَّ على أصلِ المَسألةِ سُلَيمانُ بنُ سَحمانَ في تَبرِئةِ الشَّيخَينِ كما سيَأتي في مَوضِعٍ آخَرَ.

قالَ محمَّدُ بنُ إبراهيمَ آلُ الشَّيخِ: (العِبادةُ: مُشْتَقَّةٌ مِنَ التعَبُّدِ، وهو التذَلُّلُ والخُضوعُ. يُقالُ: طريقٌ مُعَبَّدٌ، أي: مُذَلَّلٌ قد وَطِئَتْه الأقدامُ، وسُمِّيَت وظائِفُ الشَّرعِ على المكَلَّفينَ عِباداتٍ؛ لأنَّهم يَفعَلونَها خاضِعينَ ذليلينَ.

وفي الشَّرعِ لها تعاريفُ عندَ العُلَماءِ؛ أحَدُها: ما عَرَّفَها به شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ بقَولِه: العِبادةُ: اسمٌ جامِعٌ لكُلِّ ما يُحِبُّه اللهُ ويَرْضاه مِنَ الأقوالِ والأعمالِ؛ الظَّاهِرةِ والباطِنةِ.

ومِنها ما عَرَّفه الفُقَهاءُ بقَولِهم: العِبادةُ: ما أُمِرَ به شَرعًا من غيرِ اطِّرادٍ عُرْفيٍّ، ولا اقتِضاءٍ عَقليٍّ) 817.

وقالَ ابنُ بازٍ: (الواجِبُ على جميعِ أهلِ الأرضِ مِنَ المكَلَّفينَ أن يَعبُدوا اللهَ وَحْدَه، وأن يَقولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأن يَشهَدوا أنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ، وأنْ يَخُصُّوا اللهَ بدُعائِهم وخَوْفِهم، ورَجائِهم واستِغاثتِهم، وصَوْمِهم وصَلاتِهم، وسائِرِ عباداتِهم، وهكذا طوافُهم بالكَعبةِ؛ يطَوفونَ بالكَعبةِ تقَرُّبًا إلى اللهِ وعِبادةً له وَحْدَه سُبحانَه وتعالى، وأن يَحذَروا دعوةَ غَيرِ اللهِ بأصحابِ القُبورِ أو بالأصنامِ أو الأنبياءِ أو غيرِ ذلك، فالعِبادةُ حَقُّ اللهِ وَحْدَه، لا يجوزُ لأحَدٍ أن يَصرِفَها لغَيرِه سُبحانَه وتعالى، والعِبادةُ: اسمٌ جامِعٌ لكُلِّ ما يحِبُّه اللهُ ويَرضاه مِنَ الأقوالِ والأعمالِ؛ الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، الصَّلاةُ عِبادةٌ، والصَّومُ عِبادةٌ، والصَّدَقةُ عِبادةٌ، والحَجُّ عِبادةٌ، وخَوفُ اللهِ عِبادةٌ، ورَجاؤُه عِبادةٌ، والنَّذْرُ عِبادةٌ، والذَّبحُ عِبادةٌ) 818.

وقالَ ابنُ بازٍ أيضًا: (فَسَّر العُلَماءُ -رَحِمَهم اللهُ- العِبادةَ بمعانٍ مُتقارِبةٍ، مِن أجمَعِها ما ذكَرَه شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَه اللهُ؛ إذ يقولُ: العِبادةُ: اسمٌ جامِعٌ لكُلِّ ما يُحِبُّه اللهُ ويَرْضاه مِنَ الأقوالِ والأعمالِ؛ الظَّاهِرةِ والباطِنةِ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ العِبادةَ تَقتَضي: الانقيادَ التَّامَّ لله تعالى؛ أمرًا ونَهيًا واعتِقادًا وقَولًا وعَمَلًا، وأن تكونَ حياةُ المرءِ قائِمةً على شَريعةِ اللهِ، يُحِلُّ ما أحَلَّ اللهُ، ويُحَرِّمُ ما حَرَّمَ اللهُ، ويَخضَعُ في سُلوكِه وأعمالِه وتصَرُّفاتِه كُلِّها لشَرعِ اللهِ، متجَرِّدًا من حُظوظِ نَفْسِه ونوازِعِ هَواه؛ لِيَستويَ في هذا الفَردُ والجماعةُ، والرَّجُلُ والمرأةُ، فلا يكونُ عابِدًا لله مَن خَضَع لرَبِّه في بَعضِ جوانِبِ حَياتِه، وخَضَع للمَخلوقينَ في جوانِبَ أُخرى، وهذا المعنى يؤكِّدُه قَولُ اللهِ تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: 65] ، وقَولُه سُبحانَه وتعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50] ) 819.