تمهيدٌ
قالَ اللهُ تعالى: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: 65] .
اشتمَلَت هذه الآيةُ الكريمةُ على أقسامِ التَّوحيدِ الثَّلاثةِ:
توحيدُ الرُّبُوبيَّةِ في قَولِه: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا.
وتوحيدُ الأُلُوهيَّةِ في قَولِه: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ.
وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ في قَولِه: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا.
وقد تنوَّعت عباراتُ أهلِ العِلمِ في التَّعبيرِ عن أقسامِ التَّوحيدِ، مع اتِّفاقِها في المضمونِ، وسَبَبُ ذلك أنَّ تقسيمَ التَّوحيدِ مأخوذٌ من استِقراءِ النُّصوصِ، ولم يُنصَّ عليه صراحةً مِن قِبَل الشَّارعِ.
فمِنَ العُلَماءِ مَن قَسَّم التَّوحيدَ إلى الأقسامِ التَّاليةِ:
1- توحيدُ الرُّبوبيَّةِ.
2- توحيدُ الأُلُوهيَّةِ.
3- توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ 321.
وزادَ بَعضُهم قِسمًا رابِعًا سَمَّاه: توحيدَ الاتِّباعِ أو المُتابعةِ، أو توحيدَ الطَّريقِ 322 .
قُلتُ:: وهذا مِنَ الأخطاءِ التي وَقَعَ فيها الوَصابيُّ صاحِبُ كِتابِ (القَولِ المُفيدِ) والذي يُسَمّيه أتباعُه ظُلماً وعُدواناً (التَّوحيدَ الصَّغيرَ) وقد تَمَّ نَقدُه في رِسالةٍ قَدَّمَ لها شَيخُنا الوادِعيُّ رَحِمَه اللهُ و بَيَّنَ في مُقَدِّمَتِها أنَّ هذه الرِّسالةَ رَدٌّ على بَعضِ "العَصريِّينَ". والصَّحيحُ أنَّ تَوحيدَ المُتابَعةِ مِن أنواعِ التَّوحيدِ لتَعَلُّقِه بالنَّبيِّ ﷺ ولَيسَ مِن أقسامِ التَّوحيدِ . فقد ذَكَرَ ابنُ أبي العِزِّ في شَرحِه للطَّحاويّةِ أنَّ التَّوحيدَ نَوعانِ تَوحيدُ المُرسِلِ : وهو تَوحيدُ العِبادةِ، وتَوحيدُ المُرسَلِ : وهو تَوحيدُ المُتابَعةِ. وإن كانَ بَعضُ أهلِ العِلمِ يَذكُرُ الأنواعَ، ويَقصِدُ بها الأقسامَ لكنَّنا هنا نُفَرِّقُ بَينَهما كما سيَأتي . فالتَّوحيدُ نَوعانِ : الأوَّلُ : تَوحيدُ المُرسِلِ وهو تَوحيدُ العِبادةِ ويَدُلُّ عليه الشَّطرُ الأوَّلُ مِنَ الشَّهادَتَينِ وهو قَولُ: ”لا إلهَ إلّا اللهُ“ . وقد سُمّيَ تَوحيدَ العِبادةِ باعتِبارِ إضافَتِه إلى الخَلقِ أمّا باعتِبارِ إضافَتِه إلى اللهِ فيُسَمّى تَوحيدَ الأُلوهيّةِ أو الإلهيّةِ . وهو مُتَضَمِّنٌ لتَوحيدِ الرُّبوبيّةِ والأسماءِ والصِّفاتِ كما سيَأتي. والنَّوعُ الثّاني : تَوحيدُ المُرسَلِ وهو تَوحيدُ المُتابَعةِ ، ويَدُلُّ عليه الشَّطرُ الثّاني مِنَ الشَّهادَتَينِ وهو قَولُ ”مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ“ .
والمُرادُ بهذا النَّوعِ إفرادُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالمتابَعةِ، وهذا القِسمُ يتعلَّقُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو مُندَرِجٌ في توحيدِ الأُلُوهيَّةِ؛ لأنَّ العِبادةَ لا تُقبَلُ شَرعًا إلَّا بشَرطَينِ:
1- الإخلاصُ للهِ.
2- المتابعةُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم 323.
كما قالَ اللهُ تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110] ، وعَن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عَنها أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالَ: من أحدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليس منه، فهو رَدٌّ
324 ، وفي روايةٍ لمُسلِمٍ: مَن عَمِلَ عَمَلًا ليس عليه أمرُنا، فهو رَدٌّ
325.
وتَجِدُ في كَلامِ العُلَماءِ المُتَقَدِّمينَ كَثيرًا ما يَذكُرونَ قِسمَي التَّوحيدِ :
1- توحيدُ الأُلُوهيَّةِ.
2- توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ.
وهذا هو الأغلَبُ في كلامِ أهلِ العِلمِ المتقدِّمينَ؛ لأنَّهم يجمَعونَ بين توحيدِ الرُّبوبيَّةِ وتوحيدِ الأسماءِ والصِّفاتِ؛ لأنَّهما يُشَكِّلانِ بمجموعِهما شيئًا واحدًا، وهو جانِبُ العِلمِ باللهِ ومَعرفتِه عزَّ وجلَّ، وتوحيدُ الأُلوهيَّةِ يشكِّلُ جانِبَ العَمَلِ لله.
ثمَّ تنوَّعت تَسمياتُهم لهذينِ القِسمَين؛ فمِنهم من يقولُ هُما:
1- التَّوحيدُ العِلميُّ الخَبَريُّ.
وهو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ، وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ، وسُمِّي بالعِلْميِّ؛ لأنَّه يعتني بجانِبِ العِلمِ بالله، وسُمِّي بالخَبَريِّ؛ لأنَّه يتوقَّفُ على الخبَرِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
2- التَّوحيدُ الإراديُّ الطَّلَبيُّ.
وهو توحيدُ الأُلوهيَّةِ، وسمِّيَ بالإراديِّ؛ لأنَّ العَبدَ له في العباداتِ إرادةٌ؛ فهو إمَّا أن يقومَ بتِلك العبادةِ أو لا، وسمِّيَ بالطَّلَبي؛ لأنَّ العَبدَ يَطلُبُ بتِلك العباداتِ وَجْهَ اللهِ ورِضوانَه 326.
ومِنَ العُلَماءِ من يقولُ هُما:
1- توحيدُ المَعرِفةِ والإثباتِ.
وهو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ، وسمِّي بتوحيدِ المَعرِفة؛ لأنَّ مَعرِفةَ اللهِ عزَّ وجلَّ إنَّما تكونُ بمَعرِفة أسمائِه، وصفاتِه، وأفعالِه، وسمِّيَ بتوحيدِ الإثباتِ؛ لإثباتِه ما أثبَتَه اللهُ لنفسِه من الأسماءِ والصِّفاتِ والأفعالِ.
2- توحيدُ الطَّلَبِ والقَصدِ.
وهو توحيدُ الأُلوهيَّةِ، وسمِّيَ بتوحيدِ الطَّلَبِ والقَصدِ؛ لأنَّ العَبدَ يتوجَّهُ بقَلْبِه ولِسانِه وجوارِحِه بالعبادةِ للهِ وَحْدَه، ويَقصِدُ بذلك وَجْهَه، وابتِغاءَ مَرْضاتِه 327.
ويُمكِنُ جَمعُ ما سَبَقَ في عِبارةٍ واحِدةٍ فيُقالُ "تَوحيدٌ في العِلمِ والاعتِقادِ ، وتَوحيدٌ في الإرادةِ والقَصدِ، فالأوَّلُ هو التَّوحيدُ العِلميُّ الخَبَريُّ والثّاني هو التَّوحيدُ الإراديُّ الطَّلَبيُّ .
ومِنَ العُلَماءِ من يقولُ هُما:
1- التَّوحيدُ القَوليُّ ويَعُمُّ قَولَ القَلبِ واللِّسانِ
وهو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ، وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ، وسمِّيَ بالقَوليِّ؛ لأنَّه في مقابِلِ توحيدِ الأُلوهيَّةِ الذي يشكِّلُ الجانبَ العَمَليَّ من التَّوحيدِ.
2- التَّوحيدُ العَمَليُّ، ويَعُمُّ عَمَلَ القَلبِ والجَوارِحِ.
وهو توحيدُ الأُلُوهيَّةِ، وسمِّيَ بالعَمَليِّ؛ لأنَّه يشمَلُ كُلًّا من عَمَلِ القَلبِ، .. وعَمَلِ الجوارحِ؛ التي تُشكِّل بمجموعِها جانبَ العَمَلِ من التَّوحيدِ 328.
ويُستَأنَسُ في هذا التَّقسيمِ بتَعريفِ السَّلَفِ للإيمانِ بأنَّه "قَولٌ وعَمَلٌ" وقد مَضى تَفصيلُ ذلك في مَقالٍ سابِقٍ.
ومِنَ المُعاصِرينَ مَن يَقولُ هُما:
1- توحيدُ السِّيادةِ.
وهو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ، وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ، وسمِّي بذلك؛ لأنَّ تفرُّدَ اللهِ بأفعالِه وأسمائِه وصفاتِه يُوجِبُ له السِّيادةَ المطلَقةَ، والتصَرُّفَ التَّامَّ في هذا الكونِ، فمِن واجِبِ الموحِّدِ أن يُفرِدَ اللهَ بذلك.
2- توحيدُ العِبادةِ.
وهو توحيدُ الأُلوهيَّةِ المتعَلِّقُ بجانبِ عِبادةِ اللهِ تعالى 329.
والمُختارُ تَقسيمُ التَّوحيدِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، وهي:
1- توحيدُ الرُّبوبيَّةِ.
2- توحيدُ الأُلوهيَّةِ.
3- توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ.
وهذا التَّقسيمُ الثُّلاثيُّ وارِدٌ في مؤلَّفاتِ أهلِ العِلمِ مُنذُ بدايةِ التَّصنيفِ والتَّدوينِ لمَسائِلِ العَقيدةِ.
قالَ ابنُ بَطَّةَ: (أصلُ الإيمانِ باللهِ، الذي يجِبُ على الخَلْقِ اعتقادُه في إثباتِ الإيمانِ به؛ ثلاثةُ أشياءَ:
أحَدُها: أن يعتقِدَ العَبدُ ربانيَّتَه؛ ليكونَ بذلك مُبايِنًا لمذاهِبِ أهلِ التَّعطيلِ الذين لا يُثبِتونَ صانِعًا 330.
والثَّاني: أن يعتَقِدَ وحدانيَّتَه؛ ليَكونَ مبايِنًا بذلك مذاهِبَ أهلِ الشِّركِ الذين أقرُّوا بالصَّانِعِ وأشرَكوا مَعَه في العبادةِ غَيرَه 331.
والثَّالِثُ: أن يَعتَقِدَه موصوفًا بالصِّفاتِ التي لا يجوزُ إلَّا أن يكونَ موصوًفا بها من العِلمِ والقُدرةِ والحِكمةِ وسائِرِ ما وَصَف به نَفْسَه في كتابِه؛ إذ قد عَلِمْنا أنَّ كثيرًا ممَّن يُقِرُّ به ويوحِّدُه بالقَولِ المطلَقِ قد يُلحِدُ في صِفاتِه 332 333.
وقالَ الجُرجانيُّ: (التَّوحيدُ ثلاثةُ أشياءَ: مَعرِفةُ الله تعالى بالرُّبوبيَّةِ، والإقرارُ بالوحدانيَّةِ، ونفيُ الأندادِ عنه جملةً) 334.
وقالَ الشِّنقيطيُّ: (دلَّ استقراءُ القُرآنِ العَظيمِ على أنَّ توحيدَ اللهِ يَنقَسِمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
الأوَّلُ: توحيدُه في ربوبيَّته... الثَّاني: توحيدُه جلَّ وعَلا في عبوديَّتِه... النَّوعُ الثَّالِثُ: توحيدُه جلَّ وعَلا في أسمائِه وصِفاتِهـ) 335.
وقالَ ابنُ بازٍ: (هذا التَّقسيمُ مأخوذٌ مِن الاستقراءِ والتأمُّلِ؛ لأنَّ العُلَماءَ لَمَّا استَقرَؤوا ما جاءَت به النُّصوصُ من كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ظَهَر لهم هذا، وزادَ بعضُهم نوعًا رابعًا هو توحيدُ المتابعةِ، وهذا كُلُّه بالاستقراءِ.
فلا شكَّ أنَّ من تدبَّر القرآنَ الكريمَ وَجَد فيه آياتٍ تأمرُ بإخلاصِ العِبادةِ للهِ وَحْدَه، وهذا هو توحيدُ الأُلوهيَّةِ.
ووجَدَ آياتٍ تدُلُّ على أنَّ اللهَ هو الخلَّاقُ، وأنَّه الرزَّاقُ، وأنَّه مُدَبِّرُ الأمورِ، وهذا هو توحيدُ الرُّبوبيَّة ِالذي أقرَّ به المُشرِكونَ ولم يُدخِلْهم في الإسلامِ.
كما يجِدُ آياتٍ أخرى تدُلُّ على أنَّ له الأسماءَ الحُسنى والصِّفاتِ العُلا، وأنَّه لا شَبيهَ له، ولا كُفُؤَ له، وهذا هو توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ الذي أنكَرَه المبتَدِعةُ مِنَ الجَهميَّةِ والمُعتَزِلةِ والمشبِّهةِ، ومَن سلَكَ سَبيلَهم.
ويجِدُ آياتٍ تدُلُّ على وُجوبِ اتِّباعِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ورَفْضِ ما خالَفَ شَرْعَه، وهذا هو توحيدُ المتابَعةِ، فهذا التَّقسيمُ قد عُلِمَ بالاستقراءِ، وتتبُّعِ الآياتِ، ودراسةِ السُّنةِ، ومن ذلك:
قَولُ اللهِ سُبحانَه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5]
وقَولُه عزَّ وجلَّ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21] .
وقَولُه جَلَّ وتعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: 163] .
وقَولُه سُبحانَه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 56-58].
وقَولُه سُبحانَه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: 54] .
وقالَ سُبحانَه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11] .
وقالَ عزَّ وجلَّ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 1-4] .
وقالَ جَلَّ شأنُه: قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: 31] .
وقالَ سُبحانَه: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النور: 54] ، والآياتُ الدالَّة على ما ذُكِرَ مِنَ التَّقسيمِ كَثيرةٌ.
ومن الأحاديثِ: قَولُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حديثِ مُعاذٍ رَضِي اللهُ عنه المتَّفَقِ على صِحَّتِه: حقُّ اللهِ على العِبادِ أن يَعبُدوه، ولا يُشرِكوا به شيئًا
336.
وقَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَن ماتَ وهو يَدعو من دونِ اللهِ ندًّا، دَخَلَ النَّارَ
337.
وقولُه لجِبريلَ عليه السَّلامُ لَمَّا سألَه عن الإسلامِ، قالَ: أن تعبُدَ اللهَ ولا تُشرِكَ به شَيئًا، وتقيمَ الصَّلاةَ المكتوبةَ، وتؤدِّيَ الزَّكاةَ المفروضةَ ...
الحَديثَ 338.
وقَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن أطاعَني فقد أطاعَ اللهَ، ومَن عَصاني فقد عَصى اللهَ
339.
وقَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: كلُّ أُمَّتي يَدخُلونَ الجنَّةَ إلَّا من أبى
قيلَ: يا رَسولَ اللهِ ومَن يَأبى؟! قالَ: من أطاعني دَخَل الجنَّةَ، ومن عَصاني فقد أبى
340 ، والأحاديثُ في هذا البابِ كَثيرةٌ) 341.
وقالَ بَكرٌ أبو زَيدٍ: (هذا التَّقسيمُ الاستِقرائيُّ لدى متقدِّمي عُلَماءِ السَّلَفِ أشارَ إليه ابنُ مَنْدَهْ، وابنُ جَريرٍ الطَّبَريُّ وغَيرُهما، وقرَّره شَيخا الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ وابنُ القَيِّمِ، وقرَّره الزَّبيديُّ في (تاجِ العَروسِ)، وشَيخُنا الشنقيطيُّ في (أضواءِ البَيانِ) في آخرينَ، رحم اللهُ الجميعَ، وهو استقراءٌ تامٌّ لنُصوصِ الشَّرعِ، وهو مطَّرِدٌ لدى أهلِ كُلِّ فَنٍّ، كما في استقراءِ النُّحاةِ كَلامَ العَرَبِ إلى: اسمٍ وفِعلٍ وحَرفٍ، والعَرَبُ لم تَفُهْ بهذا، ولم يَعتِبْ على النُّحاةِ في ذلك عاتبٌ) 342.
قُلتُ:: قَولُ الشَّيخِ "كما في استقراءِ النُّحاةِ كَلامَ العَرَبِ .. " المَقصودُ التَّشبيهُ مِن جِهةِ الاستِقراءِ، وإلّا فإنَّ تَقسيمَ التَّوحيدِ شَرعيٌّ ولَيسَ اصطِلاحيًّا صِرفًا كما في النَّحوِ، ولذلك قالَ "وهو استقراءٌ تامٌّ لنُصوصِ الشَّرعِ" وهذه لَفتةٌ قَلَّما تَجِدُ مَن يُنَبِّهُ عليها.
والعَلاقةُ بين هذه الأقسامِ الثَّلاثةِ للتَّوحيدِ عَلاقةُ تلازُمٍ وتَضَمُّنٍ وشُمولٍ، فهي تُكوِّنُ بمَجموعِها .. التَّوحيدِ الواجِبِ، ولا يَكمُلُ التَّوحيدُ إلَّا باجتِماعِ أقسامِه الثَّلاثةِ، ولا يمكِنُ الاستغناءُ ببَعْضِها عن بعضٍ، فالخَلَلُ والانحرافُ في أيِّ نوعٍ منها هو خللٌ في التَّوحيدِ كُلِّه.
فتوحيدُ الرُّبوبيَّةِ مُستَلزِمٌ لتَوحيدِ الأُلوهيَّةِ.
وتوحيدُ الأُلوهيَّةِ متضَمِّنٌ لتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ.
وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ شامِلٌ للنَّوعَينِ معًا.
فمَن أقرَّ بتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ، وعَلِمَ أنَّ الله سُبحانَه هو الرَّبُّ وَحْدَه لا شَريكَ له في رُبوبيَّتِه، لَزِمَه من ذلك الإقرارُ بوجوبِ إفرادِ اللهِ بالعبادةِ وَحْدَه؛ لأنَّه لا يستحِقُّ العبادةَ إلَّا من كان ربًّا خالقًا مالِكًا مُدَبِّرًا، فما دامَ أنَّ ذلك كُلَّه لله وَحْدَه وَجَب أن يكونَ هو المعبودَ وَحْدَه.
ويَكثُرُ في القُرآنِ الكريمِ سَوقُ آياتِ الرُّبوبيَّةِ مَقرونةً بآياتِ الدَّعوةِ إلى توحيدِ الأُلوهيَّةِ، كقَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 21] .
فالرُّبوبيّةُ تَستَلزِمُ الأُلوهيّةَ، و الأُلوهيّةُ تَتَضَمَّنُ الرُّبوبيّةَ، فكُن على عِلمٍ مِن هذا، فإنَّك تَحتاجُه في مَواطِنَ عَديدةٍ . و الأصلُ في هذه الأقسامِ الثَّلاثةِ هو تَوحيدُ الرُّبوبيّةِ، لقَولِه تعالى وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف: 87] وما في مَعناها مِنَ الآياتِ ، فأنكَرَ اللهُ عَلَيهم شِركَهم وهم يُؤمِنونَ بالرُّبوبيّةِ ، ومِمّا يوضِّحُ ذلك أنَّ التَّوَكُّلَ مِن نَتائِجِه، والتَّوَكُّلُ عِبادةٌ وهو مِن أعلى مَقاماتِ الدّينِ، وقد يَصدُرُ مِنَ الكافِرِ وذلك لأنَّ تَعَلُّقَه بالرُّبوبيّةِ أقوى مِن تَعَلُّقِه بالأُلوهيّةِ، وهو عِندَ المُؤمِنِ يَكونُ في الرَّخاءِ والشِّدّةِ، وأمّا عِندَ الكافِرِ فلا يَكونُ إلّا في الشِّدّةِ، لأنَّ المُؤمِنَ مُحَقِّقٌ للأقسامِ الأُخرى، وهذه مِنَ المَسائِلِ الدَّقيقةِ التي نَبَّهَ عليها الإمامُ المُجَدِّدُ رَحِمَه اللهُ .
وأمَّا توحيدُ الأُلوهيَّةِ فهو متضَمِّنٌ لتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ؛ لأنَّ مَن عَبَد اللهَ ولم يُشرِكْ به شَيئًا، يَستَلزِمُ إيمانُه بأنَّ اللهَ هو ربُّه ومالِكُه الذي لا ربَّ غَيرُه.
وأمَّا توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ فهو شامِلٌ للنَّوعَينِ معًا؛ لأنَّه يقومُ على إفرادِ اللهِ تعالى بكلِّ ما له من الأسماءِ الحُسنى، والصِّفاتِ العُلا التي لا تنبغي إلَّا له سُبحانَه وتعالى، والتي من جُملتِها: الرَّبُّ - الخالِقُ - الرَّازِقُ - المَلِكُ، وهذا هو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ، ومن جملتِها: اللهُ - الغفورُ - الرَّحيمُ - التَّوَّابُ، وهذا هو توحيدُ الأُلوهيَّةِ 343.
تَنبيهٌ:
في هذا العَصرِ وَجَدنا مَن يُفَسِّرُ الإلهَ بالحاكِمِ، فيَقولونَ لا إلهَ إلّا اللهُ أي لا حاكِمَ إلّا اللهُ، حتّى صَرَّحَ بَعضُهم بقَولِه: إنَّ أكبَرَ شِركٍ في هذا العَصرِ هو الحُكمُ بغَيرِ ما أنزَلَ اللهُ ويُسَمّونَه شِركَ القُصورِ قالُوا و دَعْكَ مِن شِركِ القُبورِ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ ما بَعَثَه اللهُ إلّا ليَدعوَ النّاسَ إلى إفرادِ اللهِ بالطّاعةِ والمُتابَعةِ في الحُكمِ وتَجَرَّأَ بَعضُهم فجَعَلَ الحاكِميّةَ قِسماً رابِعاً مِن أقسامِ التَّوحيدِ ومُقَدَّمُهم وإمامُهم في هذا مَلأَ كُتُبَه بهذه العَقيدةِ والتي لَيسَ له سَلَفٌ فيها إلّا الخَوارِجُ الذينَ قالُوا ” لا حُكمَ إلّا للهِ ” فقالَ لهم عَليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه ” كَلِمةُ حَقٍّ أُريدَ بها باطِلٌ ” . ونَحنُ لا نُهَوّن مِن هذا المُنكَرِ العَظيمِ لكن نَقولُ كما قالَ عَليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه ” كَلِمةُ حَقٍّ أُريدَ بها باطِلٌ ” . فلَو أنَّهم فَسَّروا الحاكِميّةَ كما جاءَت في كِتابِ اللهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف: 40] لَما زَلَّت أقدامٌ بَعدَ ثُبوتِها ، لأنَّ الأمرَ سيَرجِعُ حينَئذٍ إلى العِبادةِ بمَفهومِها الشّامِلِ وهذا هو تَوحيدُ الأُلوهيّةِ، فلا حاجةَ إذًا لِهذا القِسمِ الرّابِعِ حينَئذٍ، ونَحنُ نَعذِرُ بَعضَ مَن نَطَقَ بهذا ومَقصِدُه المُبالَغةُ في التَّحذيرِ مِن (مُنكَرِ العَصرِ) إلّا أن يُريدَ أن يَتَوَصَّلَ به إلى الغُلُوِّ في التَّكفيرِ والذي بُلينا به في هذا العَصرِ .
وقد بَيَّنتُ تَعَلُّقَ مَسألةِ الحُكمِ بأقسامِ التَّوحيدِ في مَقالِ ( تحكيم القوانين - مسألة العصر ) فراجِعْه فإنَّه مُهِمٌّ .