وَهَذَا فِي الْأَصْلِ مَبْحَثٌ طَوِيلٌ وَقَدْ اخْتَصَرْتُهُ هُنَا

بَعْضُهُمْ قَعَّدَ قَاعِدَةً فَقَالَ: "مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ أَسْمَاءَ الله وَصِفَاتِهِ لَا تُثْبَتُ مِنْ كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ، وَإِنَّمَا تُثْبَتُ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ".

وَهِيَ قَاعِدَةٌ بَاطِلَةٌ لَمْ يَقُلْ بِهَا إِلَّا الْأَشَاعِرَةُ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ، فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ اسْتَنْبَطَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَصْدَرُهُ مَا تَتَابَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَصْرِ، وَالْأَمْثِلَةُ فِي هَذَا الْبَابِ بَابِ الْقَوَاعِدِ الْبَاطِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعَصْرِ كَثِيرَةٌ، مِنْ ذَلِكَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي عَدَدٍ سَابِقٍ مِنْ الْمُخْتَصَرِ فِي بَابِ الْإِنْكَارِ الْعَلَنِيِّ وَجَعَلُوا ذَلِكَ مَذْهَبًا لِلسَّلَفِ وَبَدَّعُوا الْمُخَالِفَ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ مَا قَرَّرُوهُ فِي كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ السَّلَفِ التي يُقصدُ بِها تَقريرُ الإعتِقاد، رَغْمَ إِيرَادِهِمْ لِمَسَائِلَ دُونَ ذَلِكَ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَلْ قَوْلُهُمْ هَذَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُرْجِئَةِ وَبَعْضِ الْجَبْرِيَّةِ.

وَكَثِيرٌ مِنْ الَّذِينَ أَلَّفُوا فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِن أَهْلِ الْعَصْرِ، يُقَرِّرُونَ تَقْرِيرَاتٍ مُخَالِفَةً لِمَا جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُ السَّلَفِ، لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى كُتُبِ السَّلَفِ الْمُسْنَدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ، وَلَا أَسْتَغْرِبُ هَذَا فَقَدْ تَتَابَعَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنْ يُوصُوا طُلَّابَهُمْ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ إِلَى الْمَصَادِرِ الْأَصْلِيَّةِ الْمُسْنَدَةِ وَالِاكْتِفَاءِ بِمَا أَلَّفَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي بَابِ الْعَقَائِدِ وَالْأَحْكَامِ خَوْفًا مِمَّا وَقَعَتْ فِيهِ الْحَدَّادِيَّةُ، فَهَذِهِ آفَةٌ مِنْ آفَاتِ الْعَصْرِ حَيْثُ يُعَالِجُ الْخَطَأ بِخَطَأٍ مِثْلِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَوْقِفُهُمْ مِنْ التَّمَذْهُبِ وَحَثِّ طُلَّابِهِمْ عَلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ إِلَى الْأَدِلَّةِ إِلَّا مِنْ خِلَالِ مَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَقَدْ نَاقَشْنَا ذَلِكَ فِي عَدَدٍ سَابِقٍ مِنَ (الْمُخْتَصَرِ).

أَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ فَتَجِدُ مَنْ يُثْبِتُ لِلَّهِ أَسْمَاءً لَا يُثْبِتُهَا الْآخَرُونَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ اعْتِمَادُ بَابِ الِاشْتِقَاقِ فِي أَسْمَاءِ الله عِنْدَ قَوْمٍ وَ رَدِّهِ عِنْدَ آخَرِينَ.

حَتَّى تَجَرَّأَ مَنْ وَصَفَ هَذَا الِاخْتِلَافَ فِي إِحْصَاءِ أَسْمَاءِ الله بِأَنَّهُ "قِمَّةٌ فِي التَّنَاقُضِ وَغَايَةٌ فِي الْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ الله الْحُسْنَى".

وَالْعَجِيبُ أَنَّ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ لَمْ يَذْكُرْ مِنَ الْأَسْبَابِ الِاشْتِقَاقَ! وَلِذَلِكَ تَكَلَّفَ فِي الرَّدِّ فَلَمْ يَكُنْ رَدُّهُ مُقْنِعًا.

وَالْحَقُّ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ ظَاهر كَلامِهم المَنْع مِنْ الِاشْتِقَاقِ، وَالِاكْتِفَاءِ بِمَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ صَرَاحَةً، لَكِنَّهُمْ عِنْدَ التَّطْبِيقِ يَخْتَلِفُونَ رَغْمَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْقَيْدِ السَّابِقِ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ عِنْدَمَا تَقَيَّدَ بِذَلك، لَمْ يَتَجَاوَزْ عَدّهُ الثَّمَانِينَ اسْمًا، وَغَيْرهُ أَوْصَلَهَا إِلَى التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ اسْمًا الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ وَزَادَ، رَغْمَ اتِّحَادِهِمْ فِي الْقَاعِدَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ حَزْمٍ يَرَى أَنَّ أَسْمَاءَ الله أَعْلَامٌ لَا وَصْفَ لَهَا بِمَعْنَى أَنَّهَا جَامِدَةٌ، وَبَعْضُهُمْ عَدَّ مَا جَاءَ عَنْ السَّلَفِ - مِمَّا يَعُدُّهُ الْمُخَالِفُ اشْتِقَاقًا - مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ، لَكِنَّ هَذَا الإطلَاق يَصِحُّ فِي بَابِ الصِّفَاتِ، وَلَيْسَ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ فِي بَعْضِهَا لَكِنْ لَيْسَ هَذَا الْبَعْضُ مَحَلَّ خِلَافٍ.

فَالْمَجْمُوعُ الَّذِي جَمَعَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الله وَذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ (السُّنَّةِ) حَوَى كَثِيرًا مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ، وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي زَيْدٍ وَأَقَرَّهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَمَجْمُوعُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ وَجَاءَ عَنْهُ مَرْفُوعًا، وَمَجْمُوعُ الْخَطَّابِيِّ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ (شَأْنُ الدُّعَاءِ)، وَمَجْمُوعُ ابْنِ مَنْدَهْ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ (التَّوْحِيدِ)، وَمَجْمُوعُ قِوَامِ السُّنَّةِ إِسْمَاعِيلَ الْأَصْبَهَانِيِّ فِي كِتَابِهِ (الْحُجَّةُ فِي بَيَانِ الْمَحَجَّةِ)، وَمَجْمُوعُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيِّ فِي كِتَابِهِ (الْأَمَدُ الْأَقْصَى)، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذِكْرِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ اسْمًا وَجَاءَ فِيهِ سَرْدٌ لَهَا وَقَدْ صَحَّحَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ الزِّيَادَةَ الْمُدْرَجَةَ فِي (نَقْضِهِ) وَبَوَّبَ عَلَيْهَا "بَابُ الْإِيمَانِ بِأَسْمَاءِ الله تَعَالَى وَأَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ" وَقَالَ "فَهَذِهِ كُلُّهَا، أَسْمَاءُ الله، لَمْ تَزَلْ لَهُ كَمَا لَمْ يَزَلْ، بِأَيِّهَا دَعَوْتَ فَإِنَّمَا تَدْعُو اللَّهَ نَفْسَهُ"، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ مُدْرَجَةٌ فَهِيَ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الرُّوَاةِ مِنْ التَّابِعِينَ - وَهُوَ الْمَقْصُودُ - فَقَدْ حَوَتْ بَعْضَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ، وَصَنِيعُ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ الْإِعْرَاضَ عَنْهَا لِأَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ وَهَذَا الْقَوْلُ يُقْبَلُ مِمَّنْ لَا يَرَى الِاشْتِقَاقَ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِهِ فَلَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ يَكْفِي أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ أَحَدِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ.

كُلُّ مَا سَبَقَ يَشْهَدُ أَنَّ الِاشْتِقَاقَ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ عِنْدَ السَّلَفِ وَأَكْثَرُهُمْ أَوْرَدَهَا بِصِيغَةِ الدُّعَاءِ، وَهَذَا إِقْرَارٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف: 180]، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ.

وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُ مِنْ الِاشْتِقَاقِ لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ!، لَكِنَّ مَذْهَبَ الْمُعْتَزِلَةِ التَّوَسُّعُ فِي هَذَا الْبَابِ وَاعْتِمَادُ الْعَقْلِ دُونَ النَّصِّ وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِمَّنْ قَالَ بِالِاشْتِقَاقِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.

يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي (بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ) فَصْلُ "فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي قَوَاعِدِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى" "السَّابِعُ: أَنَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ تَوْقِيفِيٌّ، وَمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْإِخْبَارِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَوْقِيفِيًّا، كَالْقَدِيمِ وَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ وَالْقَائِمِ بِنَفْسِهِ، فَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي مَسْأَلَةِ أَسْمَائِهِ هَلْ هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ مِنْهَا بَعْضُ مَا لَمْ يَرِدْ بِهِ السَّمْعُ!".

لَكِنَّ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الِاشْتِقَاقِ يَقُولُونَ كَلَامُ ابْنِ الْقَيِّمِ فِي "مَا لَمْ يَرِدْ بِهِ السَّمْعُ" وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَهُوَ مَا عَنَاهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي (الْجَوَابِ الصَّحِيحِ) حَيْثُ قَالَ: "وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي أَسْمَاءِ الله تَعَالَى عَلَى طَرِيقَتَيْنِ:

فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: إِنَّ أَسْمَاءَهُ سَمْعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَلَا يُسَمَّى إِلَّا بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ؛ فَإِنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوْقيفِ وَالِاتِّبَاعِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا صَحَّ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ وَكَانَ مَعْنَاهُ ثَابِتًا لَهُ لَمْ يَحْرُمْ تَسْمِيَتُهُ بِهِ؛ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا ذَلِكَ، فَيَكُونُ عَفْوًا.

وَالصَّوَابُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ: أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يُدْعَى بِالْأَسْمَاءِ أَوْ يُخْبَرَ بِهَا عَنْهُ.

فَإِذَا دُعِيَ لَمْ يُدْع إِلَّا بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف: 180]. وَأَمَّا الْإِخْبَارُ عَنْهُ فَهُوَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ".

قُلْتُ: وَمَنْ مَنَعَ مِنْ الِاشْتِقَاقِ وَشَدَّدَ فِي هَذَا الْبَابِ عُمْدَتُهُ مِثْلُ هَذِهِ النُّصُوصِ لَكِنَّهُ فَهِمَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا، فَشَيْخُ الْإِسْلَامِ وَابْنُ الْقَيِّمِ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ مَعْرِفَةً لِكَلَامِ السَّلَفِ وَمُصَنَّفَاتِهِمْ وَقَدْ عَلِمَا أَنَّ الِاشْتِقَاقَ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ عِنْدَهُمْ كَمَا فِي الشَّوَاهِدِ الْمَذْكُورَةِ سَابِقًا، لَكِنَّهُمْ قَصَدُوا الْمَنْعَ مِنْ الْمُبَالَغَةِ وَالتَّوَسُّعِ وَعَدَمَ الِاشْتِقَاقِ بِدُونِ الضَّابِطِ وَالْقَيْدِ الَّذِي قَرَّرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي (المَدَارج) "وَقَدْ أَخْطَأَ أَقْبَحَ خَطَإٍ مَنِ اشْتَقَّ لَهُ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ اسْمًا، وَبَلَغَ بِأَسْمَائِهِ زِيَادَةً عَلَى الْأَلْفِ؛ فَسَمَّاهُ الْمَاكِرُ، وَالْمُخَادِعُ، وَالْفَاتِنُ، وَالْكَائِدُ وَنَحْوَ ذَلِكَ".

ثُمَّ قَالَ: "وَكَذَلِكَ بَابُ الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِالِاسْمِ أَوْسَعُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِهِ، فَإِنَّهُ يُخْبَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ شَيْءٌ وَمَوْجُودٌ وَمَذْكُورٌ وَمَعْلُومٌ وَمُرَادٌ وَلَا يُسَمَّى بِذَلِكَ.

فَأَمَّا الْوَاجِدُ فَلَمْ تَجِئْ تَسْمِيَتُهُ بِهِ إِلَّا فِي حَدِيثِ تَعْدَادِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ، فَإِنَّهُ ذُو الْوَجْدِ وَالْغِنَى، فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يُسَمَّى بِهِ مِنَ الْمَوْجُودِ وَمِنَ الْمُوجِدِ".

وَقَبْلَ هَذَا قَالَ: "وَأَمَّا الْوَاجِدُ فِي أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ فَهُوَ بِمَعْنَى ذُو الْوَجْدِ وَالْغِنَى، وَهُوَ ضِدُّ الْفَاقِدِ، وَهُوَ كَالْمُوسِعِ ذِي السَّعَةِ، قَالَ تَعَالَى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات: 47]، أَيْ ذُو سَعَةٍ وَقُدْرَةٍ وَمُلْكٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236]. وَدَخَلَ فِي أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ الْوَاجِدُ دُونَ الْمُوجِدِ".

فكَما تَرَى أثْبت اسْمين بالاشْتِقاق وَرَغْمَ أَنَّهُ نَفَى هُنَا أَنْ يَكُونَ الْمَوْجُودُ مِنْ أَسْمَاءِ الله إِلَّا أَنَّ شَيْخ الْإِسْلَامِ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَوْجُودَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ فَفِي (مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى) قَالَ "وَيُفَرَّقُ بَيْنَ دُعَائِهِ وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ، فَلَا يُدْعَى إلَّا بِالْأسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَأمَّا الْإِخبَارُ عَنْهُ: فَلَا يَكُونُ بِاسْمٍ سَيِّئٍ، لَكِنْ قَد يَكُونُ بِاسْم حَسَنٍ، أَو بِاسْم لَيْسَ بِسَيِّئٍ وَإِن لَمْ يُحْكَمْ بِحُسْنِهِ؛ مِثْل اسْمِ: شَيءٍ، وَذَاتٍ، وَمَوْجُودٍ، إذَا أرِيدَ بِهِ الثَّابِتُ، وَأمَّا إذَا أُرِيدَ بهِ ‌الْمَوْجُودُ ‌عِنْدَ ‌الشَّدَائِدِ فَهُوَ مِن الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَكَذَلِكَ الْمُرِيدُ، وَالْمُتَكَلِّمُ؛ فَإِنَّ الْإرَادَةَ وَالْكَلَامَ تَنْقَسِمُ إلَى مَحْمُودٍ وَمَذْمُومٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن الْأسْمَاءِ الْحُسْنَى، بِخِلَافِ الْحَكِيمِ وَالرَّحِيمِ وَالصَّادِقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مَحْمُودًا".

فَهَذَا وَغَيْرُهُ إِثْبَاتٌ مِنْهُما لِلْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ تَنْقَسِمُ إِلَى مَحْمُودٍ وَمَذْمُومٍ فَهَذَا مِنْ جِهَةِ الْمُتَعَلَّقِ، وَأَمَّا كَصِفَةٍ فَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ حَتَّى فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ.

وَأَمَّا كَلَامُ شَيْخ الْإِسْلَامِ السَّابِقُ فَقَدْ كَانَ فِي مَعْرِضِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ سَمَّى اللَّهَ بِالْجَوْهَرِ، وَبَيَّنَ قَصْدَهُ بِالْإِخْبَارِ فَقَالَ "وَأَمَّا الْإِخْبَارُ عَنْهُ فَهُوَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ؛ فَإِذَا احْتِيجَ فِي تَفْهِيمِ الْغَيْرِ الْمُرَادَ إِلَى أَنْ يُتَرْجَمَ أَسْمَاؤُهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمٍ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُحَرَّمًا".

فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الِاشْتِقَاقَ عِنْدَهُ طَرِيقٌ مَسْلُوكَةٌ، وَلَا دَخْلَ لَهَا فِي الْإِخْبَارِ الَّذِي قَصَدَهُ مَنْ مَنَعَ مِنَ الْإِشْتِقَاقِ.

فَمَنْ يَقُولُ بِالِاشْتِقَاقِ يَرَى أَنَّ شَرْطَ التَّوْقِيفِ فِي أَسْمَاءِ الله مَعْنَاهُ ثُبُوتُ السَّمْعِ بِأَصْلِ الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ وَلَيْسَ بِصِيغَةِ الِاسْمِ صَرَاحَةً، وَهَذَا مَحَلُّ اجْتِهَادٍ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ.

وَلِذَلِكَ تَرَى بَعْضَ الْمَانِعِينَ يَرُدُّونَ دَلَالَةَ بَعْضِ النُّصُوصِ عَلَى الِاشْتِقَاقِ بِرُدُودٍ ضَعِيفَةٍ كَقَوْلِهِمْ "السِّيَاقُ لَا يَشْهَدُ" أَوْ قَوْلِهِمْ "لَمْ يُذْكَرِ الِاسْمُ بِصِيغَةِ التَّعْرِيفِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ" وَغَيْرِ ذَلِكَ.

لَكِنَّ الَّذِي أُرِيدُ لَفْتَ الِانْتِبَاهِ لَهُ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ عَدَمُ التَّوَسُّعِ فِي هَذَا الْبَابِ فَيَعْتَمِدُونَ أَحْيَانًا الِاشْتِقَاقَ فِي أَسْمَاءِ الله مِنْ النُّصُوصِ الثَّابِتَةِ كَفِعْلٍ أَوْ صِفَةٍ لَكِنْ بِشَرْطٍ سَنَذْكُرُهُ لَاحِقًا.

وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى جَوَازَ الِاشْتِقَاقِ أَنَّ أَسْمَاءَ الله فِي الْأَصْلِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الصِّفَاتِ وَلَيْسَتْ جَامِدَةً، بِمَعْنَى أَنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى الذَّاتِ وَالصِّفَةِ وَلَيْسَ عَلَى الذَّاتِ فَقَطْ.

بَيْنَمَا الْحَالُ فِي أَسْمَاءِ الْمَخْلُوقِينَ، أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ فَقَطْ، فَقَدْ يُسَمَّى الرَّجُلُ مُحَمَّدًا وَهُوَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ ذَمّاً، وَقَدْ يُسَمَّى عَبْدَ الله وَهُوَ بَعِيدٌ عَنِ الْعِبَادَةِ، أَمَّا أَسْمَاءُ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَسْمَاءُ الْقُرْآنِ، وَأَسْمَاءُ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا أَسْمَاءٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِأَوْصَافٍ.

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: "مَنَعَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الِاشْتِقَاقِ فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى، وَأَجَازَتْهُ طَائِفَةٌ.

وَمُسْتَنَدُ الْأُولَى: أَنَّ الْمُشْتَقَّ يَتَقَدَّمُهُ أَصْلُهُ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ. قَالُوا: وَأَسْمَاءُ الله تَعَالَى قَدِيمَةٌ وَالْقَدِيمُ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

وَمُسْتَنَدُ الثَّانِيَةِ: أَنَّ الِاشْتِقَاقَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْعِبَارَاتِ وَاللُّغَاتِ، وَهِيَ حَادِثَةٌ، وَالْمَعَانِي الَّتِي هِيَ مَفْهُومَةٌ مِنَ الْمُسَمَّيَاتِ هِيَ أَسْمَاؤُهُ دُونَ الْعِبَارَاتِ".

وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْقَيِّمِ عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةِ وَفِي رَدِّهِ بَيَانٌ لِمَذْهَبِهِ فِي الِاشْتِقَاقِ وَهُوَ مَا يُفَسِّرُ كَلَامَهُ السَّابِقَ قَالَ فِي (بدَائع الفَوَائد) قَال "إِنَّنا لَا نَعْنِي بِالِاشْتِقَاقِ إِلَّا أَنَّهَا مُلَاقِيَةٌ لِمَصَادِرِهَا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، لَا أَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهَا تَوَلُّدَ الْفَرْعِ مِنْ أَصْلِهِ. وَتَسْمِيَةُ النُّحَاةِ لِلْمَصْدَرِ وَالْمُشْتَقِّ مِنْهُ أَصْلًا وَفَرْعًا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا تَوَلَّدَ مِنَ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَتَضَمَّنُ الْآخَرَ وَزِيَادَةً". ثُمَّ قَالَ: "فَالِاشْتِقَاقُ هُنَا لَيْسَ هُوَ اشْتِقَاقٌ مَادِّيٌّ وَإِنَّمَا هُوَ اشْتِقَاقُ تَلَازُمٍ، سُمِّيَ الْمُتَضَمِّنُ بِالْكَسْرِ مُشْتَقّاً، وَالْمُتَضَمَّنُ بِالْفَتْحِ مُشْتَقّاً مِنْهُ، وَلَا مَحْذُورَ فِي اشْتِقَاقِ أَسْمَاءِ الله تَعَالَى بِهَذَا الْمَعْنَى".

وَمِمَّنْ ذَهَبَ - مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ - إِلَى اعْتِمَادِ الِاشْتِقَاقِ جَرْيًا عَلَى عَادَةِ السَّلَفِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ (الْأَمَدُ الْأَقْصَى) فَقَالَ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ وَإِطْلَاقِ أَسْمَاءٍ لِلَّهِ لَمْ تَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ صَرَاحَةً عَنْ طَرِيقِ الِاشْتِقَاقِ وَعَدَّ هَذَا، الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ.

وَيَقُومُ مَذْهَبُهُ هَذَا عَلَى عَدَمِ الِالْتِزَامِ بِـ (النَّصِّ الْحَرْفِيِّ) فِي كُلِّ اسْمٍ، بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ وَالِاشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ، مَعَ الِالْتِزَامِ بِأَنْ يَدُلَّ الِاسْمُ عَلَى مَعْنَى الْجَلَالِ وَالْكَمَالِ، وَهَذَا شَرْطٌ لَا بُدَّ مِنْهُ عِنْدَ كُلِّ مَنْ يَرَى الِاشْتِقَاقَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَلِمَنْ تَوَسَّعَ دُونَ مُرَاعَاةِ هَذَا الشَّرْطِ.

كَمَا أَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ أَوِ الصِّفَةَ الَّتِي يُشْتَقُّ مِنْهَا الِاسْمُ يَجِبُ أَلَّا تَنْقَسِمَ إِلَى كَمَالٍ وَنَقْصٍ أَوْ مَدْحٍ وَذَمٍّ أَوْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، فَلَا بُدَّ فِي حَالِ إِطْلَاقِهَا أَنْ تَكُونَ مَدْحًا مُطْلَقًا.

فَالْكَلَامُ وَالْإِرَادَةُ وَالِاسْتِوَاءُ وَالنُّزُولُ صِفَاتٌ لَكِنْ لَا يُشْتَقُّ مِنْهَا أَسْمَاءٌ لِعَدَمِ اقْتِضَائِهَا الْمَدْحَ وَالثَّنَاءَ فِي حَالِ الْإِطْلَاقِ، كَمَا أَنَّ الْمَكْرَ وَالْكَيْدَ وَالْخِدَاعَ لَيْسَتْ كَمَالًا وَلَا مَدْحًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلِذَلِكَ جَاءَتْ مُقَيَّدَةً.

وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ هُنَا تَقْلِيدَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي مَذْهَبِهِ هَذَا بَلْ لِبَيَانِ أَنَّ هُنَالِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ فَهِمَ تَوَسُّعَ السَّلَفِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى نَحْوٍ لَا يُقِرُّ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ حَتَّى قَالَ: "إِنَّ أَلْسِنَةَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ كَانَتْ مُطْلَقَةً فِي الِابْتِهَالِ إِلَى الله بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّعَالِيَ وَالتَّقْدِيسَ، حَتَّى فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ".

وَيَرَى أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ، وَأَنَّ مَنْعَ إِطْلَاقِ الْأَسْمَاءِ عَلَى الله فِيمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ جَلِيٌّ أَوْ تَوْقِيفٌ غَيْرُ وَارِدٍ، إِذَا كَانَ الِاسْمُ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَكَانَ مُشْتَقًّا مِنْ أَصْلٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ.

وَفِي هَذَا إِبْطَالٌ لِمَنْ تَوَسَّعَ فِي هَذَا الْبَابِ وَانْتَقَدَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَعَلَى مِثْلِ هَذَا الصِّنْفِ يُنزّلُ أَكْثَرُ كَلَامِ الْمَانِعِينَ، فَالْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ وَلَهَا ضَوَابِطُهَا وَشُرُوطُهَا وَالْأَفْضَلُ الِاكْتِفَاءُ بِاجْتِهَادِ السَّابِقِينَ وَمَا عَدُّوهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ فَهُمْ أَعْلَمُ بِاللُّغَةِ وَمَا يَجُوزُ فِي حَقِّ الله وَمَا لَا يَجُوزُ.

الْأَدِلَّةُ الَّتِي اُعْتُمِدَ عَلَيْهَا فِي جَوَازِ الِاشْتِقَاقِ:

مِنْ أَقوَى الأدِلَة كَما قَدّمنَا (لِسَانُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ)، لِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "إِنَّ أَلْسِنَةَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ كَانَتْ مُطْلَقَةً فِي الِابْتِهَالِ إِلَى الله بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّعَالِيَ وَالتَّقْدِيسَ، حَتَّى فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ". وَيَرَى أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ، وَأَنَّ مَنْعَ إِطْلَاقِ الْأَسْمَاءِ عَلَى الله فِيمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ جَلِيٌّ أَوْ تَوْقِيفٌ غَيْرُ وَارِدٍ، إِذَا كَانَ الِاسْمُ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَكَانَ مُشْتَقًّا مِنْ أَصْلٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ.

وَمِنَ النُّصُوصِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الِاشْتِقَاقِ بِضَوَابِطِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: «أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنْ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ».

قُلْتُ: وَلِذَلِكَ قَالَ -فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ- لِلْجَنَّةِ: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» وَإِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِاسْمِ الصِّفَةِ عَنِ الْمَفْعُولِ بِهَا كَمَا قَرَّرْنَا سَابِقًا.

وَمِنْ حُجَجِ الْقَائِلِينَ بِالِاشْتِقَاقِ أَنَّ أَسْمَاءَ الله الثَّابِتَةَ فِي الْأَصْلِ مُشْتَقَّةٌ كَمَا فِي اسْمِ الله خِلَافًا لِابْنِ حَزْمٍ.

قال شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى) "كُلُّ اسْمٍ مِن أَسْمَائِهِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ الْمُسَمَّاةِ وَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَضَمُّنَهَا الِاسْمُ؛ كَالْعَلِيمِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالْعِلْمِ، وَالْقَدِيرِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالْقُدْرَةِ، وَالرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالرَّحْمَةِ، وَمَن أَنْكَرَ دَلَالَةَ أَسْمَائِهِ عَلَى صِفَاتِهِ مِمَن يَدَّعِي الظَّاهِرَ فَقَوْلُهُ مِن جِنْسِ قَوْلِ غُلَاةِ الْبَاطِنِيَّةِ الْقَرَامِطَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا يُقَالُ هُوَ حَيٌّ وَلَا لَيْسَ بِحَيّ"

وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.