مِثَالُ ذَلِكَ مَا سَبَقَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم: 42]، هَلْ مَعْنَاهَا سَاقُ الله عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ أَنَّ الْمَقْصُودَ شِدَّةٌ وَعَذَابٌ؟ فَالْمَسْأَلَةُ يُحْتَجُّ فِيهَا بِآثَارٍ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ صِفَةُ الْمَعِيَّةِ، بَعْضُ طُلَّابِ الْعِلْمِ وَلَيْسَ الْمَشَايِخُ الْكِبَارُ يَقْرَأُ كَلَامَ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِهَا بِالْعِلْمِ فَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ مِنْ بَابِ الْمُطَابَقَةِ، وَقَدْ رَدَدْتُ عَلَى بَعْضِهِمْ قَدِيمًا، وَقَوْلُهُمْ هَذَا يَحْتَجُّ بِهِ الْأَشَاعِرَةُ فِي نِسْبَةِ التَّأْوِيلِ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلِي بَحْثٌ طَوِيلٌ فِي رَدِّ هَذِهِ الشُّبْهَةِ.
وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُ لَمْ يُؤْثَرُ عَنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ أَوَّلُوا شَيْئًا مِنْ الصِّفَاتِ فَجَعَلُوهَا مَجَازًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ.
لَكِنَّ بَعْضَ الْآثَارِ الَّتِي جَاءَتْ عَن السَّلَفِ مِثْلَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي مَعْنَاهَا: "هُوَ عَلَى الْعَرْشِ، وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ".
لَكِنَّ أَكْثَرَ كَلَامِهِمْ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: 4]، وَمَا فِي مَعْنَاهَا، فَفَسَّرُوهَا بِالْعِلْمِ بِسَبَبِ السِّيَاقِ وَالسَّبَاقِ رَدًّا عَلَى الْحُلُولِيَّةِ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا أَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا "لَيْسَ مَعَنَا حَقِيقَةً" مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضَي لِذَلِكَ.
فَكَانُوا يَجْزِمُونَ أَنَّهَا فِي الْعِلْمِ وَتَفْسِيرُهُمْ هَذَا مِنْ بَابِ التَّضَمُّنِ وَاللُّزُومِ أَوْ (الِالْتِزَامِ) وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُطَابَقَةِ، وَالْقَاعِدَةُ الْبَقَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ فِي تَفْسِيرِ الصِّفَاتِ، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْعَصْرِ إِلَى الْقَوْلِ بـ(أنَّ لله تعالى مَعِيَّةً حقيقيَّةً ذاتيَّةً تليق به .. وأردتُ بقولي: ذاتيَّة، توكيدَ حقيقةِ مَعِيَّتِه تَباركَ وتعالى) حَتَّى يَقْطَعَ الشَّكَّ فِي التَّأْوِيلِ، فَلَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَمَلُوا كَلَامَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَرَادَ وَأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَتِهِ الْحُلُولُ، تَرَاجَعَ وَاسْتَبْدَلَ عِبَارَتَهُ بِقَوْلِهِ "مَعَنَا هُوَ نَفْسُهُ".
وَلِذَلِكَ تَجِدُ كِبَارَ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُعَاصِرِينَ يُؤَكِّدُونَ الصِّفَةَ بِقَوْلِهِمْ "هُوَ مَعَنَا حَقِيقَةً"، وَمِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَنُصُّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي (مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى) قَالَ: "لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَهُوَ مَعَكُمْ) أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالْخَلْقِ، فَإِنَّ هَذَا لَا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ، وَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، وَخِلَافُ مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْخَلْقَ؛ بَلْ الْقَمَرُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ الله مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِهِ هُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ؛ وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ وَغَيْرِ الْمُسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، رَقِيبٌ عَلَى خَلْقِهِ، مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ، مُطَّلِعٌ إِلَيْهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي رُبُوبِيَّتِهِ.
وَكُلُّ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ -مِنْ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ مَعَنَا- حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْرِيفٍ، وَلَكِنْ يُصَانُ عَنْ الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ".
فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ "حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْرِيفٍ وَلَكِنْ يُصَانُ عَنْ الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ".
وَالْإِشْكَالُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُخَالِفِينَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْمَعِيَّةَ تَقْتَضِي الِاخْتِلَاطَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ "خَلَطْتُ اللَّبَنَ مَعَ الْمَاءِ"، وَهَذَا لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ بَلْ أَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ "خَلَطْتُ اللَّبَنَ بِالْمَاءِ"، وَفِي الْمَعِيَّةِ يَقُولُونَ "سِرْتُ مَعَ الْقَمَرِ"، وَهَذَا مَبْحَثٌ لُغَوِيٌّ وَأَكْثَرُ الْمُخَالِفِينَ فِي بَابِ الْعَقَائِدِ إِنَّمَا أَتَوْا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ "مِنْ الْعُجْمَةِ أُتُوْا"، وَمَنْ أَرَادَ التَّفْصِيلَ فَلْيُرَاجِعْ رِسَالَةَ الرَّدِّ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْمَأْرَبِيِّ الْمِصْرِيِّ فِي تَأْوِيلِ الْمَعِيَّةِ وَسَتَكُونُ فِي قِسْمِ الرُّدُودِ مِنْ الْمَوْقِعِ.