صُورَةُ الْخِلَافِ:
تمهيد:
الْخِلَافُ لَيْسَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأَسَاسِيَّةِ، بَلْ فِي تَطْبِيقِهَا، مِثْلَ الِاخْتِلَافِ فِي إِثْبَاتِ أَسْمَاءٍ وَصِفَاتٍ وَرَدَتْ فِي نُصُوصٍ مُحْتَمَلَةٍ، كَـ الْجَنْبِ، الرُّوحِ، الظِّلِّ، الْهَرْوَلَةِ، الْجُلُوسِ، وَبَعْضِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ (مِثْلَ الْفَاتِنِ، الصَّادِقِ، الْمَنَّانِ).
- الْقَاعِدَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا:
إِمْرَارُ الصِّفَاتِ كَمَا جَاءَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا، بِلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَعْطِيلٍ.
- أَسْبَابُ اخْتِلَافِ الْمُعَاصِرِينَ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ:
هَلِ النَّصُّ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ؟
بَعْضُهُمْ لَا يَعُدُّ بَعْضَ الْآيَاتِ (مِثْلَ آيَةِ الْجَنْبِ أَوْ أَحَادِيثِ الْهَرْوَلَةِ) مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ لِعَدَمِ دَلَالَةِ ظَاهِرِهَا.
- الْخِلَافُ فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ أَوِ الْأَثَرِ الْوَارِدِ فِي الصِّفَةِ:
- طَرِيقَةُ قَبُولِ السَّلَفِ لِلْأَخْبَارِ فِي الْعَقِيدَةِ:
مثال ذلك، قَبُولُهُمْ لِأَثَرِ مُجَاهِدٍ (الْإِقْعَادِ) عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ضَعْفِهِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، لِأَنَّ الْقَوْلَ بِهِ لَيْسَ مُمْتَنِعًا.
- التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ وَالْمُتَوَاطِئِ وَالْمُشَكّكِ:
الْمُشْتَرَكُ اللَّفْظِيُّ: لَفْظٌ وَاحِدٌ بِمَعَانٍ مُتَبَايِنَةٍ (كَالْمُشْتَرِي).
الْمُتَوَاطِئُ / الْمُشَكّكُ: لَفْظٌ وَاحِدٌ بِمَعَانٍ مُتَقَارِبَةٍ بَيْنَهَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فِي الذِّهْنِ.
- مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ:
التَّوَافُقُ فِي أَلْفَاظِ الصِّفَاتِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ مِنْ بَابِ الْمُشَكّكِ (الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فِي الذِّهْنِ فَقَطْ، وَالْحَقِيقَةُ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْخَارِجِ)، خِلَافًا لِلْأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ جَعَلُوهُ مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ لِلْفِرَارِ مِنْ شُبْهَةِ التَّشْبِيهِ.
- الْإِضَافَاتُ إِلَى اللَّهِ وَعَلَاقَتُهَا بِالصِّفَاتِ:
أَنْوَاعُ الْإِضَافَاتِ: إِضَافَاتُ أَعْيَانٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهَا (مِثْلَ بَيْتِ اللَّهِ) وَإِضَافَاتُ صِفَاتٍ لَا تَقُومُ بِذَاتِهَا (مِثْلَ قُدْرَةِ اللَّهِ).
الْجَنْبُ وَالرُّوحُ: بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَا يَعْتَبِرُونَهَا صِفَاتٍ. فَـ "جَنْبُ اللَّهِ" فَسَّرُوهَا بِـ "حَقِّ اللَّهِ" لِأَنَّ تَفْرِيطَ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ فِي صِفَةِ اللَّهِ. وَ "رُوحُ اللَّهِ" (فِي عِيسَى) هِيَ عَيْنٌ مَخْلُوقَةٌ، وَالْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وَالْمُلْكِ.
السَّاقُ: خِلَافٌ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ. أَكْثَرُ السَّلَفِ فَسَّرَهَا بِالشِّدَّةِ، لِعَدَمِ اطِّلَاعِ بَعْضِهِمْ عَلَى الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا إِضَافَةٌ. لَكِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ أَوْضَحَ أَنَّهَا سَاقُ اللَّهِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْرَاجَحُ.
الْقُرْبُ وَالْمَعِيَّةُ: آيَاتُ الْقُرْبِ (مِثْلُ قُرْبِ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ) لَيْسَتْ كُلُّهَا مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ. لَكِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ قُرْبًا حَقِيقِيًّا يَلِيقُ بِاللهِ، وَالْمَعِيَّةُ حَقِيقَةٌ عَلَى حَقِيقَتِهَا كما قال شيخ الإسلام، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ عِلْمٍ، مَعَ صَوْنِهَا عَنِ الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ (كَالْحُلُولِ وَالِاخْتِلَاطِ).
الظِّلُّ: خِلَافٌ بَيْنَ الْمُعَاصِرِينَ فِي إِثْبَاتِ الظِّلِّ لِلَّهِ (كَصِفَةٍ) أَوْ لِلْعَرْشِ أَوْ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَالْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ.
- الِاخْتِلَافُ فِي الِاشْتِقَاقِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ:
الْقَاعِدَةُ الْخَاطِئَةُ: زَعْمُ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِنُصُوصٍ صَرِيحَةٍ، هَذِهِ قَاعِدَةٌ بَاطِلَةٌ، خِلَافًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُ السَّلَفِ.
- مَذْهَبُ السَّلَفِ فِي الِاشْتِقَاقِ:
الِاشْتِقَاقُ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ عِنْدَ السَّلَفِ.
- قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَابْنِ الْقَيِّمِ (الْقَوْلُ الثَّالِثُ):
الْمَشْهُورُ عَنْهُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الدُّعَاءِ (الَّذِي لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى التَّوْقِيفِيَّةِ) وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ (أَوْسَعُ) وَمَعَ ذَلِكَ أَقَرُّوا الِاشْتِقَاقَ فِي بَعْضِ الْأَسْمَاءِ.
- شُرُوطُ الِاشْتِقَاقِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ:
يَجِبُ أَنْ يَدُلَّ الِاسْمُ عَلَى كَمَالٍ مُطْلَقٍ. وَأَلَّا يَنْقَسِمَ الْفِعْلُ أَوِ الصِّفَةُ الْمُشْتَقُّ مِنْهَا إِلَى مَدْحٍ وَذَمٍّ، وَأَنْ يَكُونَ الِاشْتِقَاقُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ صِفَةٍ ثَابِتَةٍ.
- أَسْمَاءِ اللَّهِ تَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالصِّفَةِ مَعًا، وَلَيْسَتْ جَامِدَةً.
- الْخُلَاصَةُ في الِاشْتِقَاقِ:
الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ وَلَهَا ضَوَابِطُ وَشُرُوطٌ، وَالْأَفْضَلُ الِاكْتِفَاءُ بِمَا عَدَّهُ السَّابِقُونَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ.
تفصيل صُورَةُ الْخِلَافِ:
زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَأَنَّ هَذَا الْبَابَ مِنْ الْأَبْوَابِ الْقَلِيلَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الِاتِّفَاقُ، حَتَّى أَصْبَحَ بَعْضُ طُلَّابِ الْعِلْمِ إِذَا سَمِعَ عَالِمًا لَا يُثْبِتُ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَهُ أَنَّهُ مِنْ الصِّفَاتِ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ وَأَسَاءَ الظَّنَّ بِذَلِكَ الْعَالِمِ!!.
وَحَتَّى أَصْبَحَ الْخِلَافُ فِي إِثْبَاتِ أَسْمَاءِ الله وَصِفَاتِهِ -مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ صَرَاحَةً- عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ يُعَدُّ تَأْوِيلًا أَوْ تَجَهُّمًا أَوْ إِنْكَارًا لِمَعْلُومٍ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، كَمَا يَرُوقُ لِبَعْضِهِمْ وَصْفُ الْمُخَالِفِ بِذَلِكَ.
فَلَمَّا قَالَ بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ عَنْ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ الله أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي إِثْبَاتِهِ، قَامَتْ الدُّنْيَا عَلَيْهِ وَمَا قَعَدَتْ حَتَّى اتَّهَمَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ أَنْكَرَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.
صُوَرُ اخْتِلَافِ الْمُعَاصِرِينَ:
وَمِنْ صُوَرِ اخْتِلَافِ الْمُعَاصِرِينَ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا ظَاهِرُ النُّصُوصِ وَيَعُدُّهَا بَعْضُهُمْ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ: الِاخْتِلَافُ فِي الْجَنْبِ وَالرُّوحِ وَالظِّلِّ وَالْهَرْوَلَةِ وَالْبَدَاءَةِ وَالْمَلَلِ وَالتَّرَدُّدِ وَالنِّسْيَانِ وَالشَّخْصِ وَالْجُلُوسِ وَالْقُعُودِ وَالذِّرَاعِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقِ وَالرّجْلِ وَالْقَدَمِ وَالْحَقْوِ وَالْحُجْزَةِ وَالْأَنَامِلِ وَالْقُرْبِ وَالْمَعِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هَذَا فِي بَابِ الصِّفَاتِ.
وَفِي بَابِ الْأَسْمَاءِ، إِثْبَاتُ أَوْ رَدُّ بَعْضِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ، وَالَّتِي لَمْ يَرِدْ التَّسَمِّي بِهَا بِنَصٍّ صَرِيحٍ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاخْتَلَفَ فِيهَا الْمُعَاصِرُونَ. مِثْلَ: الْفَاتِنِ وَالْمُحْيِي وَالْمُمِيتِ وَالصَّادِقِ وَالْمُنْعِمِ وَالْمُتَفَضِّلِ وَالْمَنَّانِ وَالْبَاقِي وَالْمُعِينِ وَالْقَابِضِ وَالْبَاسِطِ وَالْهَادِي وَالرَّاحِمِ وَالْمُغِيثِ وَالْمُدَبِّرِ وَالْبَاعِثِ وَالْفَاصِلِ وَالذَّارِئِ وَالرَّفِيعِ وَالْمُبْدِئِ وَالْمُعِيدِ وَالْمُحْسِنِ وَالصَّبُورِ وَالْمَقْصُودِ وَالدَّهْرِ وَالْقَدِيمِ وَغَيْرِهَا.
الْقَاعِدَةُ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ:
الْقَاعِدَةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الصِّفَاتِ هِيَ إِمْرَارُهَا كَمَا جَاءَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَأَنَّهَا حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهَا كَمَا يَلِيقُ بِالله.
وَالْعَمَلُ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الصِّفَاتِ لَيْسَ فِيهَا مَجَازٌ، إِذْ الصِّفَاتُ لَا تَخْضَعُ لِأَحْكَامِ الْعَقْلِ لِخَفَاءِ الْكَيْفِيَّةِ، وَالْمَجَازُ عَقْلِيٌّ وَإِنْ كَانَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَسِّمُونَهُ إِلَى عَقْلِيٍّ وَلُغَوِيٍّ إِلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ اللُّغَوِيَّ لَيْسَ عَقْلِيًّا، بَلْ الْفَرْقُ أَنَّ اللُّغَوِيَّ يَكُونُ التَّجَوُّزُ فِي اللَّفْظِ بَيْنَمَا الْعَقْلِيَّ يَكُونُ فِي الْإِسْنَادِ، وَكِلَاهُمَا التَّجَوُّزُ فِيهِ يَكُونُ اعْتِمَادًا عَلَى الْعَقْلِ، لِأَنَّ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ يَكُونُ بِسَبَبِ تَصَوُّرِ كَيْفِيَّةٍ غَيْرِ الَّتِي نُخَاطَبُ بِهَا، وَاللَّهُ عَز وجَل لَا نَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ صِفَاتِهِ.
فَعِنْدَمَا تَقُولُ "رَأَيْتُ أَسَدًا يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ" لَا يَطْرَأُ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ أَنَّكَ رَأَيْتَ الْأَسَدَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْغَابَةِ، فَالْمُثْبِتُ لِلْمَجَازِ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ مَجَازًا بِسَبَبِ مَا وَقَرَ فِي ذِهْنِهِ مِنْ الصُّورَةِ الْمَعْهُودَةِ لِلْأَسَدِ، فَكَانَ الَّذِي أَلْجَأَهُ إِلَى الْمَجَازِ هُوَ الْعَقْلُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَنَّ أَكْثَرَ الْخِلَافِ فِي الْمَجَازِ خِلَافٌ لَفْظِيٌّ فِي عَدَدٍ قَادِمٍ مِنْ (الْمُخْتَصَرِ).
وَلَوْ لَمْ يُقِر الْمُخَالِفُ بِهَذَا التَّصَوُّرِ الْعَقْلِيِّ لِلْمَجَازِ، فَحِينَئِذٍ يُقَالُ لَهُ: "اتَّفَقَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ اللَّفْظَ لَا يُصْرَفُ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَّا بِقَرِينَةٍ"، وَلَا قَرِينَةَ عِنْدَ الْمُؤَوِّلِينَ لِنُصُوصِ الصِّفَاتِ إِلَّا مَا افْتَرَضُوهُ مِنْ التَّشْبِيهِ، وَهَذَا قُصُورٌ فِي فَهْمِ اللُّغَةِ وَدَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَنْ الْمُتَوَاطِئِ وَالْمُشَكّكِ فِي اللُّغَةِ، فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْنَا.
ذَمُّ الْكَلَامِ وَالتَّوَسُّعِ فِي الصِّفَاتِ:
وَمِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا كَذَلِكَ عَدَمُ الْغُلُوِّ وَالتَّوَسُّعِ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَقَدْ رَوَى أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْهَرَوِيُّ فِي (ذَمِّ الْكَلَامِ) عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْبِدَعَ". قِيلَ: "يَا أَبَا عَبْدِ الله وَمَا الْبِدَعُ؟". قَالَ: "أَهْلُ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي أَسْمَاءِ الله وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَا يَسْكُتُونَ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ".
وَقَالَ الزَّجَّاجِيُّ فِي كِتَابِهِ (اشْتِقَاقُ أَسْمَاءِ الله): "لَيْسَ لَنَا أَنْ نُطْلِقَ عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الصِّفَاتِ إِلَّا مَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَجَاءَ فِي الْكِتَابِ، وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ مُحْتَمَلًا".
وَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُعَاصِرِينَ، فَمَا الَّذِي يَجْعَلُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي إِثْبَاتِ بَعْضِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ؟
أَسْبَابُ اخْتِلَافِ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُعَاصِرِينَ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ:
الِاخْتِلَافُ يَعُودُ إِلَى سَبَبَيْنِ:
- هَلْ الْآيَةُ أَوِ الْحَدِيثُ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَلْزَمُ مِنْهَا إِثْبَاتُ الصِّفَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَلَوْ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ التَّشْبِيهَ؟.
إِذَا كَانَتْ الْآيَةُ أَوِ الْحَدِيثُ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ بِلَا خِلَافٍ يَقُولُونَ: "التَّوَافُقُ فِي اللَّفْظِ بَيْنَ مَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْخَالِقِ وَمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّوَاطُؤِ أَوْ الْمُشَكّكِ الَّذِي فِيهِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فِي الذِّهْنِ وَلَكِنَّ الْحَقِيقَةَ فِي الْخَارِجِ تَخْتَلِفُ"، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ.
فَأَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ الْمُعَاصِرِينَ لَا يُثْبِتُ لِلَّهِ صِفَةَ الْجَنْبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنْبِ الله وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر: 56]، لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّأْوِيلِ أَوْ التَّحْرِيفِ بَلْ يَقُولُونَ: "إِنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ مِنْ آيَات الصِّفَاتِ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ لَا يَكُونُ فِي الْجَنْبِ"، وَلِذَلِكَ يُفَسِّرُونَ فِي جَنْبِ الله أَيْ "فِي حَقِّ الله"، وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ تَفْصِيلٍ لِهَذَا.
وَبَعْضُهُمْ لَا يُثْبِتُ لِلَّهِ صِفَةَ الْهَرْوَلَةِ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّأْوِيلِ أَوْ التَّحْرِيفِ بَلْ يَقُولُونَ: "إِنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»، قَالُوا: فَنَحْنُ لَمْ نَرَ الْإِنْسَانَ يَمْشِي إِلَى الله حَتَّى يَأْتِيَهُ اللَّهُ هَرْوَلَةً"، هَكَذَا يَقُولُونَ وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُمْ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، الْمُهِمُّ أَنْ نَعْرِفَ سَبَبَ الْخِلَافِ الَّذِي جَعَلَهُمْ لَا يُثْبِتُونَ بَعْضَ مَا يَرَاهُ غَيْرُهُمْ أَنَّهُ مِنْ الصِّفَاتِ.
وَفِي الْمُقَابِلِ مَا كَانَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَجَاءَ فِي السُّنَّةِ مَا يُؤَكِّدُ أَنَّهُ مِنْ الصِّفَاتِ، وَبِسَبَبِ ذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا كَمَا سَيَأْتِي.
- اخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الصِّفَةِ، فَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ فَلَا يُثْبِتُ الصِّفَةَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، فَحِينَئِذٍ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ ضَوَابِطِ قَبُولِ الْحَدِيثِ وَالتَّصْحِيحِ وَالتَّضْعِيفِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَاحَظَ هُنَا أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ تَضْعِيفُ الْحَدِيثِ أَوْ الْأَثَرِ خَاصَّةً إِذَا كَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِشْنَاعَهُ أَوْ لِرِيبَةٍ.
وَالثَّانِي: هَلْ طَرِيقَةُ قَبُولِ السَّلَفِ لِلْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ تَخْتَلِفُ عَمَّا عَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ؟ لِأَنَّنَا وَجَدْنَا أَثَرَ مُجَاهِدٍ فِي إِقْعَادِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْعَرْشِ قَدْ تَلَقَّاهُ السَّلَفُ بِالْقَبُولِ وَنَعَتُوا الرَّافِضَ لَهُ بِالتَّجَهُّمِ بَيْنَمَا الْمُتَأَخِّرُونَ كَالذَّهَبِيِّ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ ضَعَّفُوهُ وَكُلَّ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ وَلَمْ يُثْبِتُوا الْإِقْعَادَ! وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي عَدَدٍ سَابِقٍ مِنْ (الْمُخْتَصَرِ).
فَنَقُولُ: "الْأَصْلُ أَنَّ الْعَقَائِدَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ ثابتٍ صَحِيحٍ، لَكِنَّ إِثْبَاتَهُمْ لِبَعْضِ مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ مِنْ الْآثَارِ كَأَثَرِ مُجَاهِدٍ هُنَا -حَتَّى لَوْ قُدِّرَ ضَعْفُهُ- إِنَّمَا يَعْنُونَ أَنَّ الْقَوْلَ بِهَا لَيْسَ مُمْتَنِعًا دَحْضًا لِبِدْعَةِ التَّجَهُّمِ وَالتَّعْطِيلِ، كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ، فَالْأَوْلَى الْأَخْذُ بِكَلَامِهِمْ وَاعْتِبَارُ ذَلِكَ تَصْحِيحًا لَهُ، وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ قَلَّ أَنْ تَجِدَ أَحَدًا يُنَبِّهُ عَلَيْهَا".