• الْمُشْتَرَكُ اللَّفْظِيُّ:

لَفْظٌ لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ مُتَبَايِنَةٍ كَـ"الْمُشْتَرِي" يُطْلَقُ عَلَى مُشْتَرِي السِّلْعَةِ وَيُطْلَقُ عَلَى كَوْكَبِ الْمُشْتَرِي، فَبَيْنَهُمَا مِنْ التَّبَايُنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.

  • أَمَّا الْمُتَوَاطِئُ:

فَهُوَ لَفْظٌ لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ مُتَقَارِبَةٍ بِهَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وَقَدْ يُسَمَّى مُشَكّكًا إِذَا تَفَاوَتَتْ الْقُوَّةُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي.

فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَرَوْنَ أَنَّ التَّوَافُقَ فِي أَلْفَاظِ الصِّفَاتِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُشَكّكِ أَوِ الْمُتَوَاطِئِ، بِمَعْنَى وُجُودِ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ فِي الذِّهْنِ لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ تَخْتَلِفُ فِي حَقِّ الله عَنْهَا فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ.

فَمُجَرَّدُ التَّوَافُقِ فِي اللَّفْظِ لَا يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ فِي حَقِيقَةِ الصِّفَةِ لِأَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ التَّوَاطُؤِ أَوِ الْمُشَكّكِ وَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ الَّذِي يَتَّحِدُ فِي اللَّفْظِ وَيَخْتَلِفُ فِي الْمَعْنَى، لَكِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَوَاطِئِ فِي الْمَعْنَى أَوْ بِعِبَارَةٍ أَدَقَّ الْمُشَكّكِ وَيَعْنِي أَنَّ هُنَالِكَ قَدْرًا مُشْتَرَكًا فِي الْمَعْنَى لَكِنَّهُ لَا يَسْتَوِي فِي جَمِيعِ أَفْرَادِهِ، وَهَذَا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الذِّهْنِ، وَأَمَّا فِي الْخَارِجِ فَحَقِيقَةُ الصِّفَةِ فِي حَقِّ الله تَخْتَلِفُ عَنْ حَقِيقَتِهَا فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ.

وَلَا بَأْسَ مِنْ الْإِطَالَةِ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ فَهْمَهَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ عَلَى ظَاهِرَةِ تَأْوِيلِ الصِّفَاتِ الَّتِي سَرَتْ حَتَّى فِي أَهْلِ السُّنَّةِ كَتَأْوِيلِ بَعْضِهِمْ لِلْمَعِيَّةِ وَالسَّاقِ وَالْهَرْوَلَةِ وَالْحَقْوِ وَالْحُجْزَةِ وَغَيْرِهَا.

وَالْعَجِيبُ أَنَّ الْمُعَطِّلَةَ مِنْ الْأَشَاعِرَةِ وَغَيْرِهِمْ عَظَّمُوا الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بِزَعْمِ التَّنْزِيهِ وَالْفِرَارِ مِنْ التَّشْبِيهِ فَأَثْبَتُوهُ خَارِجَ الذِّهْنِ وَعَبَّرُوا عَنْهُ بِالْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ، وَلِذَلِكَ جَعَلُوا دَلَالَةَ أَلْفَاظِ الصِّفَاتِ مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُتَوَاطِئِ أَوِ الْمُشَكّكِ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ السُّنَّةِ، فَالْأَشَاعِرَةُ عِنْدَهُمْ الْيَدُ لَهَا عِدَّةُ مَعَانٍ فَفِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ قَالُوا تَعْنِي (الْجَارِحَةَ) وَهُوَ تَعْبِيرٌ مُخْتَرَعٌ، وَفِي حَقِّ الله تَعْنِي (الْقُدْرَةَ أَوِ النِّعْمَةَ) لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ كَمَا قُلْنَا مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ وَالَّذِي أَلْجَأَهُمْ إِلَى ذَلِكَ شُبْهَةُ التَّشْبِيهِ.

وَالْمُشْتَرَكُ اللَّفْظِيُّ يُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ مُتَبَايِنَةٍ فَالْيَدُ مَثَلًا تُطْلَقُ عَلَى يَدِ الْإِنْسَانِ وَتُطْلَقُ عَلَى يَدِ الْبَابِ، بَيْنَمَا الْمُتَوَاطِئُ يُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ مُتَقَارِبَةٍ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، فَإِذَا تَفَاوَتَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي فِي الْقُوَّةِ سُمِّيَ بِالْمُشَكّكِ كَالتَّفَاوُتِ بَيْنَ نُورِ الشَّمْسِ وَنُورِ الشَّمْعَةِ.

وَلِذَلِكَ الْمُتَوَاطِئُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ لِأَنَّهُ مَعْنًى كُلِّيٌّ وَمَصَادِيقُهُ تَكُونُ فِي الْخَارِجِ، كَالْإِنْسَانِ يَصْدُقُ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو، لَكِنَّ حَقِيقَةَ زَيْدٍ غَيْرُ حَقِيقَةِ عَمْرٍو لَكِنْ بَيْنَهُمْ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ وَهُوَ وَصْفُ الْإِنْسَانِ الَّذِي لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ.

وَلِذَلِكَ أَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ إِنَّ التَّوَافُقَ فِي أَلْفَاظِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُشَكّكِ، وَهُوَ الْمُتَوَاطِئُ الَّذِي لَا تَسْتَوِي أَفْرَادُهُ، كَمَا فِي التَّفَاوُتِ بَيْنَ وَاجِبِ الْوُجُودِ وَهُوَ اللَّهُ، وَمُمْكِنِ الْوُجُودِ وَهُوَ الْمَخْلُوقُ، فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فِي مَعْنَى (الْوُجُودِ الْمُجَرَّدِ) الَّذِي يَكُونُ فِي الذِّهْنِ وَاحِدٌ، لَكِنَّ التَّفَاوُتَ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَوْ قُلْنَا إِنَّهُ مِنْ بَابِ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، كَمَا تَقُولُ الْأَشَاعِرَةُ لَوَجَبَ تَفْسِيرُ وُجُودِ الله بِمَعْنًى غَيْرِ الْوُجُودِ الَّذِي نَعْرِفُهُ، وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ حَتَّى الْمُعَطِّلَةُ مِنْ الْأَشَاعِرَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلِذَلِكَ يُمْكِنُ تَعْمِيمُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ عَلَى كُلِّ الصِّفَاتِ فَالْقَوْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي بَعْضِها الْآخَرِ.

فَالْيَدُ مَثَلًا لَا يَجُوزُ أَنْ نُؤَوِّلَهَا بِالْقُدْرَةِ أَوِ النِّعْمَةِ بَلْ نَقُولُ هِيَ يَدٌ حَقِيقِيَّةٌ لِوُجُودِ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ فِي مَعْنَى اللَّفْظِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ، وَأَمَّا خَارِجَ الذِّهْنِ فَحَقِيقَتُهَا فِي حَقِّ الله غَيْرُ حَقِيقَتِهَا فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّ التَّوَافُقَ مِنْ بَابِ الْمُشَكّكِ لِوُجُودِ التَّفَاوُتِ فِي حَقِيقَةِ الصِّفَةِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ.

وَبِهَذَا يَزُولُ الْإِشْكَالُ وَنَرُدُّ شُبْهَةَ التَّشْبِيهِ وَنَقْضِي عَلَى التَّعْطِيلِ.

فَكُلُّ نَصٍّ مِنْ آيَاتٍ أَوْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ يَجِبُ إِثْبَاتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ (تَأْوِيلٍ) وَلَا تَعْطِيلٍ كَصِفَةِ الِاسْتِوَاءِ وَالْيَدِ وَالْوَجْهِ وَغَيْرِهَا مِنْ الصِّفَاتِ وَالَّتِي يُثْبِتُهَا حَتَّى الْأَشَاعِرَةُ الْأَوَّلُونَ.