فِي الْمُقَابِلِ كَمَا أَشَرْنَا سَابِقًا، يَكُونُ ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَجَاءَ فِي السُّنَّةِ مَا يُؤَكِّدُ أَنَّهَا مِنْ الصِّفَاتِ، وَبِسَبَبِ ذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا.

فَبَعْضُ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَقَعَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ اخْتِلَافٌ فِي ثُبُوتِ صِفَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى بِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم: 42]. فَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ شِدَّةٍ وَهَوْلٍ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ عَدَدٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ السَّاقَ فِي الْآيَةِ لَمْ تُضَفْ إِلَى الله.

وَفِي الْمُقَابِلِ، ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي مَالَ إِلَيْهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَتِلْمِيذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْمُعَاصِرِينَ.

وَسَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّ الْآيَةَ مُحْتَمَلَةٌ، فَقَدْ يُرَادُ بِـ (السَّاقِ) سَاقُ الله سُبْحَانَهُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الشِّدَّةُ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ السَّلَفِ الْقَوْلَانِ مَعًا.

لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّ الْمُرَادَ سَاقُ الله لِوُرُودِ اللَّفْظِ كَصِفَةٍ لِلَّهِ فِي الْحَدِيثِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا».

وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنْدَهْ فِي (الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم: 42]، قَالَ: يَكْشِفُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ سَاقِهِ».

وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ مَنْدَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم: 42] قَالَ: "عَنْ سَاقَيْهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى"، قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: "هَكَذَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (يَكْشِفُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ".

لَكِنَّ عُذْرَ مَنْ خَالَفَ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي تَفْسِيرِ السَّاقِ، كَمَا أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ تَفْسِيرُهُ لِلْآيَةِ مَبْنِيًّا عَلَى قِرَاءَةِ يَوْمَ تَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ فَفِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ: "وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿يَوْمَ تَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ﴾ بِتَاءِ مُسَمَّى الْفَاعِلِ، أَيْ تَكْشِفُ الشِّدَّةُ أَوِ الْقِيَامَةُ عَنْ سَاقِهَا كَقَوْلِهِمْ: شَمَّرَتْ الْحَرْبُ عَنْ سَاقِهَا... وَقُرِئَ يَوْمَ تُكْشِفُ بِالتَّاءِ الْمَضْمُومَةِ وَكَسْرِ الشِّينِ مِنْ أَكْشَفَ إِذَا دَخَلَ فِي الْكَشْفِ".

وَقَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ "بِتَاءِ مُسَمَّى الْفَاعِلِ" أَيْ أَنَّهَا بِمَعْنَى "كَشَفَتْ".

ثُمَّ يَأْتِي بَعْضُ الْجُهَّالِ فَيَقُولُ "ابْنُ عَبَّاسٍ أَوَّلَ صِفَةً لِلَّهِ" وَهَذَا عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.

وسيأتي الكلام عن صفة القرب والمعية.