تسلسل الحوادث وإِمْكَانُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا:
كثر النِّقَاشُ حَوْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ، وكثير من طلبة العلم يظن أن المسألة من فضول العلم، ببينما تظهر أَهَمِّيَّتُهَا فِي الرَّدِّ عَلَى الْأَشَاعِرَةِ، وحل إشكالات تتعلق بالصفات والكون والخلق.
- سُوءُ فَهْمِ كَلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ:
ادِّعَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ الْمُعَاصِرِينَ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَةَ لَمْ يَقُلْ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ فِي الْأَزَلِ حقيقة، وَأَنَّ كَلَامَهُ مَحْصُورٌ فِي الْإِمْكَانِ لَا الْوُقُوعِ.
- رَأْيُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ:
قِدَمُ النَّوْعِ: اللَّهُ لَمْ يَزَلْ "فَعَّالًا" وَ "خَالِقًا" أَزَلًا؛ فَصِفَةُ الْفِعْلِ قَدِيمَةٌ بِقِدَمِ ذَاتِهِ.
- حُدُوثُ الْأَفْرَادِ:
كُلُّ مَخْلُوقٍ بِعَيْنِهِ هُوَ حَادِثٌ وَمَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ أَيْ عَدَمِ نَفْسِهِ، وَلَا يُوجَدُ مَخْلُوقٌ مُعَيَّنٌ أَزَلِيٌّ مَعَ اللَّهِ.
- تَوْضِيحُ الْإِمْكَانِ وَالْوُقُوعِ:
كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَنِ الْوُقُوعِ الْأَزَلِيِّ لِلْفِعْلِ وَأَثَرِهِ وَهُوَ "نَوْعُ الْخَلْقِ". فَالْإِمْكَانُ هُنَا يُقَابِلُ الِامْتِنَاعَ، أَوْ إِمْكَانَ نَوْعٍ مِنَ الْخَلْقِ (كَعَالَمِنَا) وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهِ عَدَمَ الْوُقُوعِ أَوْ حَصْرَهُ فِي الْمَشِيئَةِ، وهو ما يعبر عنه الأشاعرة، أن الله خالق بالقوة.
- نَقْدُ الْفَهْمِ الْخَاطِئِ:
إِنْكَارُ هَذَا الْوُقُوعِ يُعَطِّلُ اللَّهَ عَنِ الْخَلْقِ دَهْرًا لَا حَدَّ لَهُ. وَتَفْسِيرُ الْإِمْكَانِ بِـ "إِذَا شَاءَ خَلَقَ وَإِذَا شَاءَ لَمْ يَخْلُقْ" يُوحِي بِسُوءِ فَهْمِ الْمَسْأَلَةِ الْأَصْلِيَّةِ.
كنا نجد في مواقع التواصل عرضاً للمسألة ومحاولة إفهامها للقراء وبيان أهمية ذلك في الرد على الأشاعرة .
أما الآن بعد ما فهم القوم المسألة أو ادّعوا فهمها، نجد من يحاول توجيه كلام شيخ الإسلام في هذه المسألة التي حارت فيها العقول .
قال بعضهم ..
رفع سوء الفهم:
من نسب لابن تيمية القول بوجود خلق أزلي، لم يفهم مراده الدقيق وتفريقَه بين الإمكان والوقوع.
هكذا ظن بعض المشايخ المعاصرين، أنه بهذا القول قد رد تهمة القول بقدم العالم عن شيخ الإسلام.
ثم يقول "كلام ابن تيمية في الإمكان لا في الوقوع، ومن زعم غير ذلك فقد أساء الفهم".
وبعضهم ممن يعظّم شيخ الإسلام عد قول “مامن مخلوق إلا وقبله مخلوق” من أقوال الكفر، وجزم بأن شيخ الإسلام لم يقصد هذا، ولم يتفهّم محاولات شيخ الإسلام الكثيرة لإفهام القارئ الفرق بين العين والنوع.
رأي شيخ الإسلام :
قِدَم النوع:
الله لم يزل "فعّالاً" و "خالقاً" أزلاً.
فصفة الفعل (الخلق) قديمة بقدم ذاته، ولم يكن معطلاً عنها ثم صار فاعلاً.
القدم النوعي للخلق:
هذا لا يكون إلا في الذهن، و في الواقع لا يوجد مخلوق إلا وقبله مخلوق إلى مالانهاية، وكل مخلوق مسبوق بعدم نفسه، والله هو الخالق وكل ماعداه مخلوق حادث.
حدوث الأفراد:
كل مخلوق بعينه (أي الفرد) هو حادث ومسبوق بالعدم.
ولا يوجد أي مخلوق (معين) أزلي مع الله، فكل مخلوق من السلسلة الممتدة في الماضي حادث، يتقدمه محدثه، لامتناع تقدم المفعول على فعله.
إمكان أم وقوع:
كلام شيخ الإسلام عن "الوقوع" الأزلي للفعل وأثره وهو “نوع الخلق”، لا عن "الإمكان" بمعنى عدم الوقوع أو الجواز كما يعبر بعضهم .
والذي أوقع بعض المشايخ في الخطأ عند توجيه كلام شيخ الإسلام، ما تتابع عليه كثير من أهل العلم من ذكر أن التسلسل ثلاثة أقسام :
ممتنع وواجب وممكن.
فظنوا أن الإمكان هنا المقصود به عدم الوقوع، وهذا خطأ في الفهم لأن الإمكان هنا المقصود به، ما يقابل الممتنع، وحيث أن المسألة في الأصل فلسفية وأكثر مصطلحاتها فلسفية، فقد اعتاد أهل العلم على استخدام لفظ الإمكان في حق المخلوق، والواجب في حق الله، كما نقول واجب الوجود في حق الله، وممكن الوجود في حق المخلوق.
فهل يقول قائل إن وجود المخلوق لم يقع!.
والأمر الأخر الذي دعاهم لهذا التفسير لكلام شيخ الإسلام محاولة رد تهمة قدم العالم عنه.
ومن الشبه التي اضطرتهم إلى ذلك ما جاء في ذكر أول مخلوق.
ومادروا أنهم بقولهم هذا قد أبطلوا المسألة من أساسها، وعطلوا الله عن الخلق دهرا لا حد له.
ومن العجيب تفسير بعضهم الإمكان بأن المقصود به “إذا شاء خلق وإذا شاء لم يخلق!”
وهذا يوحي بأن صاحب هذا القول لم يفهم المسألة، فكون الله إذا شاء خلق وإذا شاء لم يخلق هذا أمر متفق عليه عند أهل السنّة، حتى من يقول بالوقوع أو الوجوب، ولا قائل إنه يخلق بلا توقف ويتكلم بلا توقف، لكن الخلاف هل هذا الخلق المقيد بالمشيئة وقع في الأزل أم أنه بعد ثبوت صفة الخلق في الأزل عندهم، فإن الله إذا شاء خلق وإذا شاء لم يخلق لاحقاً.
إن قصدوا الأول فهذا قول شيخ الإسلام وإن قصدوا الثاني فهم يتكلمون عن مسألة أخرى غير مسألة حوادث لا أول لها وقد وافقوا الأشاعرة في التعطيل.