الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ.
- مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ:
أَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى ضَرُورَةِ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ (خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ).
الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ ثَابِتٌ حَتَّى فِي الْمَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ (مِثْلُ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ) قَبْلَ قِيَامِ الْحُجَّةِ،
وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُخَالِفُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ لَكِنْ عِنْدَ التَّحْقِيقِ أكثر الْخِلَاف صُورِيٌّ.
- الْجَهْلُ الْمَانِعُ مِنَ التَّكْفِيرِ:
- قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ:
الْجَهْلُ مَانِعٌ مِنْ تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ بُلُوغِ الْحُجَّةِ.
وَالنُّصُوصُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
- مُصْطَلَحُ "الْعُذْرِ":
ابْنُ تَيْمِيَةَ يَنْدُرُ اسْتِخْدَامُهُ للعُذْرِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ فِي الشِّرْكِ مَذْمُومٌ وَمَمْقُوتٌ، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الْتِمَاسَ الْعُذْرِ لُغَةً، بَلْ مَنْعُ تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ.
- قِيَامُ الْحُجَّةِ:
الْحُجَّةُ قَدْ تَقُومُ عَلَى الْمُكَلَّفِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَفْهَمْ أَوْ لَمْ يَقْتَنِعْ أَوْ أَعْرَضَ عَنْ سَمَاعِهَا. وَشَرْطُ الرِّسَالَةِ هُوَ التَّمَكُّنُ وَلَيْسَ الْبُلُوغَ.
الجهل جهلان: جَهْلٌ يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَجَهْلٌ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ: وَبِهَذَا يُخْتَصَرُ الْخِلَافُ.
- الْخِلَافُ فِي التَّسْمِيَةِ:
هَلِ الْجَاهِلُ الْوَاقِعُ فِي الشِّرْكِ يُسَمَّى مُشْرِكًا (فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا) وَيَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الْإِسْلَامِ؟
الْعُلَمَاءُ أَرَادُوا بِذَلِكَ أَهْلَ الْفَتْرَةِ وَمَنْ مَاتَ عَلَى جَهْلِهِ وَأَهْلَ الدَّارِ وَمَنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا إِسْلَامُهُ.
- أَقْسَامُ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْجَهْلُ:
أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ (ظَاهِرَةٌ وَدَلِيلُهَا ظَاهِرٌ، ظَاهِرَةٌ وَدَلِيلُهَا خَفِيٌّ، خَفِيَّةٌ وَدَلِيلُهَا خَفِيٌّ، الْمَعْلُومُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ).
أكثر الخلاف بين المحققين من أهل السنة: في قيام الحجّة، وبما تقوم الحجّة، وليس في انتفاء شرط إقامة الحجّة.
تأصيل مسألة العذر بالجهل
هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي وَقَعَ النَّاسُ فِيهَا بَيْنَ إِفْرَاطٍ وَتَفْرِيطٍ؛ إِفْرَاطِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ لَا يَعْذرُونَ بالْجَهْلِ، وَتَفْرِيطِ الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَعْذرُونَ بالْجَهْلِ مُطْلَقًا، بَلْ بَلَغَ الْأَمْرُ ببَعْضِ الْمُتَأَثِّرِينَ بلَوْثَةِ الْإِرْجَاءِ أَنْ جَعَلَ الْجَهْلَ مَانِعًا حَتَّى مِنَ التَّكْفِيرِ الْمُطْلَقِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُتَّفقَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا الْمُعْتَزِلَةُ، وَقَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبهِمْ فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبيحِ.
فالْعُذْرُ بالْجَهْلِ مُتَّفقٌ عَلَيْهِ حَتَّى فِي الْمَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ عِنْدَ السَّلَفِ، كَمَسْأَلَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ.
ففِي (السُّنَّةِ) لِابْنِ أَبي عَاصِمٍ: "وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، تَكَلَّمَ اللَّهُ بهِ لَيْسَ بمَخْلُوقٍ، وَمَنْ قَالَ مَخْلُوقٌ مِمَّنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فكَافِرٌ باللَّهِ الْعَظِيمِ، وَمَنْ قَالَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فلَا شَيْءَ عَلَيْهِ".
لِذَلِكَ، مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْخِلَافِ فِي مَسَائِلِ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ، أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ هُنَالِكَ مَنْ يُقَرِّرُ هَذِهِ الْأَحْكَامَ فِي الْعُمُومِ دُونَ تَقْيِيدٍ، وَبَعْضُهُمْ يُقَرِّرُهَا فِي حَالَةِ الْمُعَيَّنِ، فلَا كُفْرَ عِنْدَهُ إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الْحُجَّةِ لِذَلِكَ الْمُعَيَّنِ، وَلَا يُكَفّرُ أَوْ يُبَدّعُ إِلَّا بَعْدَ جُحُودِهَا.
وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ إِذَا عَلِمْنَا أَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ تَقُومُ وَلَوْ لَمْ يَجْحَدْهَا الْمُكَلَّفُ، كَأَنْ يَقُولَ: مَا فهِمْتُ، أَوْ مَا اقْتَنَعْتُ، أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي، أَوْ يُعْرِضُ عَنْ سَمَاعِهَا، أَوْ يَتَأَوَّلُ تَأَوُّلًا غَيْر سَائِغٍ.
كَمَا أَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ تَقُومُ وَلَوْ لَمْ تَبْلُغِ الْمُكَلَّف، لِأَنَّ شَرْطَ الرِّسَالَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا هُوَ التَّمَكُّنُ وَلَيْسَ الْبُلُوغَ.
لِذَلِكَ الْجَهْلُ جَهْلَانِ: جَهْلٌ يُمْكِنُ دَفْعُهُ فلَا يُعْذَرُ بهِ.
وَجَهْلٌ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ فيُعْذَرُ بهِ.
وَبهَذَا يُمْكِنُ اخْتِصَارُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
لِذلك، عَدَمُ بُلُوغِ الْحُجَّةِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْجَهْلُ، لَا الْعَكْسُ، بسَبَب إِعْرَاضٍ أَوْ تَفْرِيطٍ.
وَهَذِهِ مِنْ دَقَائِقِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَاب الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا الْأَئِمَّةُ، وَبسَبَب خَفائِهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمَشَايِخِ وَطُلَّاب الْعِلْمِ، اسْتَفْحَلَ الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْعُذْرِ بالْجَهْلِ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فإِنَّ مَسْأَلَةَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَالْعُذْرِ بالْجَهْلِ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي كَثُرَ فِيهَا الْخِلَافُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ، حَتَّى إِنَّ مِنَ الْبَاحِثِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَنْ حَمَّلَ كَلَامَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَكَلَامَ إمَام الدَعْوة مَا لَا يَحْتَمِلُ.
فتَجِدُ بَعْضَهُمْ يَقُولُ إِنَّهُمَا يَعْذرَانِ بالْجَهْلِ، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ إِنَّهُمَا لَا يَعْذرَانِ بالْجَهْلِ.
أَمَّا بالنِّسْبَةِ لِإِمَامِ الدَّعْوَةِ، فلِفَهْمِ كَلَامِهِ، لَا بُدَّ أَنْ نَفْهَمَهُ فِي ضَوْءِ الْمَرْحَلَةِ الَّتِي قِيلَ فِيهَا، ففرْقٌ بَيْنَ مَرْحَلَةِ ضَعْفِ الدَّعْوَةِ وَخَفاءِ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَظُهُورِ الشِّرْكِ، وَبَيْنَ مَرْحَلَةِ ظُهُورِ التَّوْحِيدِ وَخَفاءِ الشِّرْكِ وَضَعْفِ أَهْلِهِ، الذي يَعتبره أئمَة الدَعوة كافياً فِي إقَامَة الحُجّة .
وَأَمَّا شَيْخُ الْإِسْلَامِ، فلَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَةِ كَلَامِهِ فِي التَّعْبيرِ عَنْ مَسْأَلَةِ (الْعُذْرِ بالْجَهْلِ)؛ فهُوَ نَادِرًا مَا يَسْتَعْمِلُ هَذَا اللَّفْظَ، لِأَنَّ الْعُذْرَ عِنْدَهُ، أَنْ يُعْذَرَ الْمَعْذُورُ فلَا يُذَمُّ وَلَا يُلَامُ عَلَى مَا فعَلَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الشِّرْكِ، مَذْمُومٌ وَمَمْقُوتٌ سَوَاءٌ قَبْلَ الرِّسَالَةِ أَوْ بَعْدَهَا، فظَنَّ مَنْ تَتَبَّعَ كَلَامَهُ أَنَّهُ لَا يَعْذُرُ بالْجَهْلِ. فلَيْسَ الْمُرَادُ بالْعُذْرِ بالْجَهْلِ فِي الشِّرْكِ عِنْدَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، الْتِمَاسَ الْعُذْرِ لِمَنْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ، أَوِ الْمَنْعَ مِنْ ذَمِّهِ لِجَهْلِهِ، وَلَا الْمَنْعَ مِنَ التَّكْفِيرِ الْمُطْلَقِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْجَهْلَ مَانِعٌ مِنْ تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ بُلُوغِ الْحُجَّةِ، وَكَلَامُهُ فِي هَذَا الْبَاب أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى.
كَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُلَاحَظَ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ أَئِمَّةُ الدَّعْوَةِ، يُفرِّقُونَ بَيْنَ الْجَهْلِ وَعَدَمِ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ جَاهِلٍ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وهذا لَه أثرً في مَسألةِ التَسْميَة كَمَا سَيَأتي.
كَمَا أَنَّهُمْ يُفرِّقُونَ بَيْنَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ وَأُصُولِ الدِّينِ وَالْمَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ بالضَّرُورَةِ، وَبَيْنَ الْمَسَائِلِ الْخَفِيَّةِ.
فقَوْلُ بَعْضِهِمْ "لَا عُذْرَ بالْجَهْلِ فِي الشِّرْكِ" لَا يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يَشْتَرِطُونَ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ، بَلْ يَقْصِدُونَ أَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ قَامَتْ، وَلِذَلِكَ تَجِدُهُمْ دَائِمًا يَسْتَثْنُونَ مَنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بكُفْرٍ أَوْ نَشَأَ فِي بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، وَهَذَا يُؤَكِّدُ أَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ، ويَعذُرون بالجَهْل فِي الشِرك الأكبر.
لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحُكْمَ بالظُّهُورِ يَبْقَى مَسْأَلَةً اجْتِهَادِيَّةً يَسُوغُ فِيهَا الْخِلَافُ، وَهَذَا هُوَ مَقْصُودُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ، لَا كَمَا زَعَمَ بَعْضُ مَنْ بهِ لَوْثَةٌ مِنَ الْإِرْجَاءِ فأطلق وقَال “العذْر بالجَهلِ مَسْألة خِلافيّة”.
قَالَ الْإِمَامُ فِي رَدٍّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ يُدْعَى ابْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ:
"وَأَمَّا عِبَارَةُ الشَّيْخِ الَّتِي لَبَّسُوا بهَا عَلَيْكَ فهِيَ أَغْلَظُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَلَوْ نَقُولُ بهَا لَكَفَّرْنَا كَثِيرًا مِنَ الْمَشَاهِيرِ بأَعْيَانِهِمْ، فإِنَّهُ صَرَّحَ فِيهَا بأَنَّ الْمُعَيَّنَ لَا يُكَفَّرُ إِلَّا إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ.
فإِنْ كَانَ الْمُعَيَّنُ لَا يُكَفَّرُ إِلَّا إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، فمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ قِيَامَهَا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَفْهَمَ كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِثْلَ فهْمِ أَبي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَلْ إِذَا بَلَغَهُ كَلَامُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَلَا مِنْ شَيْءٍ يُعْذَرُ بهِ فهُوَ كَافِرٌ، كَمَا كَانَ الْكُفَّارُ كُلُّهُمْ تَقُومُ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ بالْقُرْآنِ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ".
وَوُجُودُ الْمُعَارِضِ، أَوْ كَمَا قَالَ إِمَامُ الدَّعْوَةِ فِي كَلَامِهِ السَّابقِ "وَخَلَا مِنْ شَيْءٍ يُعْذَرُ بهِ"، قَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعَصْرِ يُنْكِرُ عَلَى مَنِ اعْتَبَرَهُ فِي الْمَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ، حَتَّى أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ فقَالَ: "الْجَهْلُ لَيْسَ عُذْرًا فِي مَسَائِلِ الشِّرْكِ"، وَرَمَى الْمُخَالِف بالْإِرْجَاءِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: "فإِنَّا بَعْدَ مَعْرِفةِ مَا جَاءَ بهِ الرَّسُولُ نَعْلَمُ بالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ لِأُمَّتِهِ أَنْ يَدْعُوَ أَحَدًا مِنَ الْأَمْوَاتِ، لَا الْأَنْبيَاءَ وَلَا الصَّالِحِينَ وَلَا غَيْرَهُمْ، لَا بلَفْظِ الِاسْتِغَاثَةِ وَلَا بغَيْرِهَا، وَلَا بلَفْظِ الِاسْتِعَاذَةِ وَلَا بغَيْرِهَا، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ لِأُمَّتِهِ السُّجُودَ لِمَيِّتٍ وَلَا إِلَى مَيِّتٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، بَلْ نَعْلَمُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ كُلِّ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
لَكِنْ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ وَقِلَّةِ الْعِلْمِ بآثَارِ الرِّسَالَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لَمْ يُمْكِنْ تَكْفِيرُهُمْ بذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ مَا جَاءَ بهِ الرَّسُولُ مِمَّا يُخَالِفُهُ، وَلِهَذَا مَا بُيِّنَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَطُّ لِمَنْ يَعْرِفُ أَصْلَ الْإِسْلَامِ، إِلَّا تَفطَّنَ وَقَالَ:
هَذَا أَصْلُ دِينِ الْإِسْلَامِ.
وَكَانَ بَعْضُ الْأَكَابرِ مِنَ الشُّيُوخِ الْعَارِفِينَ مِنْ أَصْحَابنَا يَقُولُ: هَذَا أَعْظَمُ مَا بَيَّنْتَهُ لَنَا ؛ لِعِلْمِهِ بأَنَّ هَذَا أَصْلُ الدِّينِ".
وَقَالَ أَيْضًا: "وَقَدْ يَكُونُ الْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ ظَاهِرًا لِقَوْمٍ دُونَ آخَرِينَ، وَفِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ دُونَ بَعْضٍ بحَسَب ظُهُورِ دِينِ الْمُرْسَلِينَ".
وَالْمُتَأَمِّلُ فِي حَالِ أَهْلِ الْعَصْرِ يَجِدُ أَنَّ الْأَمْرَ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَجْهَلَ النَّاسُ بَعْضَ الْمَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ، بَلْ إِنَّ هُنَالِكَ مَنْ يُزَيِّنُ الشِّرْكَ لِلنَّاسِ، مِثْلَ كَثِيرٍ مِنْ مَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ وَالْأَشَاعِرَةِ وَجَهَلَةِ الْمُقَلِّدَةِ لَهُمْ، وأهل الأهواء ممِن ينتسب إلى أهْل السنّة، وَيُلَبِّسُونَ عَلَى أَتْبَاعِهِمْ بأَدِلَّةٍ مِنَ الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ.
فالظَّاهِرُ أَنَّ تَكْفِيرَ أَعْيَانِ هَؤُلَاءِ الْأَتْبَاعِ دُونَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَبُلُوغِهَا مِنَ الْغُلُوِّ فِي التَّكْفِيرِ.
لَكِنَّ إِطْلَاقَ الْكُفْرِ فِي الْعُمُومِ دُونَ الْأَعْيَانِ، - كَمَا نَجِدُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ - ، لَهُ وَجْهٌ فِي مِثلِ مَاسَبَق، إِذَا فُرِّقَ بَيْنَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَأَحْكَامِ الْآخِرَةِ، كَمَنْ وَصَف أَهْلَ بَلَدٍ مَا، أَنَّهُمْ كُفَّارٌ أَوْ مُشْرِكُونَ لِتَجَنُّب الصَّلَاةِ خَلْفهُمْ أَوْ أَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ لِظُهُورِ الشِّرْكِ فِيهِمْ، لَكِنَّهُ عِنْدَ تَعْيِينِ أَحَدٍ مِنْهُمْ باسمه، يَتَوَقَّفُ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بالْكُفْرِ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ إِسْلَامُهُ بيَقِينٍ وَإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَزُولُ إِلَّا بيَقِينٍ، وَأَمَّا الْمُخَالِفُ فيَحْتَجُّ بالنُّصُوصِ الَّتِي جَاءَتْ فِي أَهْلِ الْفتْرَةِ أَوْ بَعْضِ كَلَامٍ لِأَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ يَفْهَمْهُ عَلَى وَجْهِهِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي طَالَ فِيهَا الْخِلَافُ، وَهِيَ مَا يُشَارُ لَهَا بمَسْأَلَةِ "التَّسْمِيَةِ".
أَيْ، هَلِ الْجَهْلُ مَانِعٌ مِنَ الْحُكْمِ بالشِّرْكِ وَغَيْرُ مَانِعٍ مِنَ الِاسْمِ؟.
فقد ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْجَاهِلَ الْوَاقِعَ فِي الشِّرْكِ يُسَمَّى مُشْرِكًا، وَيَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الْإِسْلَامِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، هَكَذَا بِإِطْلَاقٍ.
وَلَمْ يَأْتُوا بِدَلِيلٍ، وَفَهِمُوا كَلَامَ الْعُلَمَاءِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ.
فَالْعُلَمَاءُ أَرَادُوا : أَهْلَ الْفَتْرَةِ، وَأَهْلَ الدَّارِ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ!.
وَمَنْ صَرَّحَ بِخِلَافِ ذَلِكَ مِنْ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ أُنْكَرَ عَلَيْهِ كَمَا فَعَلَ الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، وَقَالَ: «كَلَامُهُ خَطَأٌ وَالْحَقُّ أَحَبُّ إِلَيْنَا».
وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ آخَرِينَ مِنْهُمْ، فَالْمَقْصُودُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ وَلَوْ اُدُّعِيَ الْجَهْلُ فِي حَقِّهِ، فَقَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ لِظُهُورِ الْمَسْأَلَةِ فَيُسَمَّى مُشْرِكًا، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى هَذَا الْمَبْحَثِ فِيمَا سَبَقَ.
وَسَيَأْتِي بَحْثُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مقال قَادِمٍ.
مَا سَبق مُقَدِّمَةٌ لِتَصَوُّرِ الْخِلَافِ الْحَاصِلِ فِي مَسْأَلَةِ الْعُذْرِ بالْجَهْلِ، أَوْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُخَالِفِ، أَوْ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ، سَمِّهَا مَا شِئْتَ.
وَالتَّفْصِيلُ تَجِدُهُ فِي سِلْسِلَةِ "مَا لَا يَسَعُ الشَّيْخَ جَهْلُهُ".
وَخِتَامًا وَيُمْكِنُ تَقْسِيمُ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْجَهْلُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
- الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَسَائِلُ ظَاهِرَةٌ وَدَلِيلُهَا ظَاهِرٌ.
- الْقِسْمُ الثَّانِي: مَسَائِلُ ظَاهِرَةٌ وَدَلِيلُهَا خَفِيٌّ.
- الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَسَائِلُ خَفِيَّةٌ وَدَلِيلُهَا خَفِيٌّ.
- الْقِسْمُ الرَّابعُ: الْمَعْلُومُ مِنَ الدِّينِ بالضَّرُورَةِ، وَهُوَ مَا يَعْرِفُهُ الْعُلَمَاءُ وَالْعَامَّةُ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إِلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ.
وَعَلَى ضَوْءِ هَذَا التَّقْسِيمِ، يُمْكِنُ تَنْزِيلُ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِي ظَاهِرُهُ التَّعَارُضُ وَالِاخْتِلَافُ.
وَالْخُلَاصَةُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا دِقَّةٌ نَبَّهَ عَلَيْهَا كِبَارُ الْعُلَمَاءِ، ففرَّقُوا بَيْنَ قِيَامِ الْحُجَّةِ وَبُلُوغِهَا، وَبَيْنَ بُلُوغِ الْحُجَّةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ بَيْنَ قِيَامِ الْحُجَّةِ وَفهْمِهَا الَّذِي تَقُومُ بهِ الْحُجَّةُ، وَفرَّقُوا بَيْنَ الْجَهْلِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَفرَّقُوا بَيْنَ الْمَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ وَالْخَفِيَّةِ، وَفرَّقُوا بَيْنَ الْمُكْرَهِ وَغَيْرِهِ، كَالْهَازِلِ وَمَنِ اسْتَحَبَّ الدُّنْيَا، وَأُمُورٍ أُخْرَى تَجِدُهَا مَبْثُوثَةً فِي كَلَامِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ.