الْإِضَافَاتُ تَنْقَسِمُ إِلَى:
- إِضَافَةِ أَعْيَانٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهَا (مَخْلُوقَاتٍ) مِثْل: "بَيْتِ الله"، و"نَاقَةِ الله"، وَهَذِهِ لَيْسَتْ صِفَاتٍ لِلَّهِ.
- وَإِضَافَةِ صِفَاتٍ لَا تَقُومُ بِذَاتِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَإِنَّمَا تَقُومُ بِغَيْرِهَا، فَإِذَا أُضِيفَتْ لِلَّهِ فَهِيَ صِفَاتٌ لَهُ مِثْلَ: "قُدْرَةِ الله" و"رَحْمَةِ الله".
وَقَدْ يُعَبَّرُ بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ عَنْ الْمَفْعُولِ بِهِ، فَتَكُونُ الْإِضَافَةُ تَعْبِيرًا إِشَارِيًّا وَلَيْسَ صِفَةً كَمَا سَيَأْتِي.
مَسْأَلَةُ الْجَنْبِ وَالرُّوحِ وَبَعْضُ الصِّفَاتِ الْأُخْرَى:
هُنَالِكَ بَعْضُ النُّصُوصِ لَا يَعُدُّهَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا فَرَّطتُ فِي جَنْبِ الله [الزمر: 56]، وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَنْ ذَلِكَ.
فَمَنْ عَدَّ الْآيَةَ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ، أَثْبَتَ صِفَةَ الْجَنْبِ لِلَّهِ كَمَا فَعَلَ أَبُو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ مِنْ الْقُدَامَى، وَصِدِّيقُ حَسَنَ خَانٍ مِنْ الْمُعَاصِرِينَ.
وَمَنْ عَدَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ لَمْ يُثْبِتْ صِفَةَ الْجَنْبِ لِلَّهِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ الله [يوسف: 87]، وَقَوْلُهُ فِي حَقِّ عِيسَى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171].
لِأَنَّ عُمْدَةَ مَنْ قَالَ هَذَا لَيْسَ هُرُوبًا مِنْ التَّشْبِيهِ بَلْ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِصِفَةٍ، وَهَذَا بَابٌ يَحْتَاجُ طَالِبُ الْعِلْمِ أَنْ يَفْقَهَهُ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَسْأَلَةِ الْإِضَافَاتِ إِلَى الله.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: "فَإِضَافَةُ الرُّوحِ إِلَى الله إِضَافَةُ مِلْكٍ لَا إِضَافَةُ وَصْفٍ، إِذْ كُلُّ مَا يُضَافُ إِلَى الله إِنْ كَانَ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، فَهُوَ مِلْكٌ لَهُ وَإِنْ كَانَ صِفَةً قَائِمَةً بِغَيْرِهَا لَيْسَ لَهَا مَحَلٌّ تَقُومُ بِهِ، فَهُوَ صِفَةٌ لِلَّهِ".
وَأَمَّا إِضَافَةُ الصِّفَاتِ فَالصِّفَةُ لَا تَقُومُ بِذَاتِهَا وَإِنَّمَا تَقُومُ بِغَيْرِهَا، فَإِذَا أُضِيفَتْ لِلَّهِ عُلِمَ أَنَّهَا صِفَةٌ لَهُ.
لَكِنَّ الْإِشْكَالَ أَنَّهُ أَحْيَانًا لَا يُمْكِنُ أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ وَالَّذِي تَكُونُ إِضَافَتُهُ إِلَى الله إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ وَمِلْكٍ، وَبَيْنَ الَّذِي لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيَكُونُ صِفَةً، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى التَّفْرِيقِ وَمِنْهَا الْإِضَافَةُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ.
وَكَذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تُشْكِلُ إِضَافَةً إِلَى مَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ بِاسْمِ الصِّفَةِ عَنْ الْمَفْعُولِ بِهَا فَيُقَالُ عَنْ نُزُولِ الْمَطَرِ الَّذِي هُوَ مَفْعُولٌ "نَزَلَتْ رَحْمَةُ الله" فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ الرَّحْمَةَ مَخْلُوقَةٌ.
كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ».
فَتَرَى بَعْضَهُمْ يَقُولُ: "الرَّحْمَةُ رَحْمَتَانِ رَحْمَةٌ مَخْلُوقَةٌ وَرَحْمَةٌ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَهِيَ صِفَةٌ لِلَّهِ!".
فَهُنَا عُبِّرَ عَنْ الْمَرْحُومِ بِهِ بِالرَّحْمَةِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِ الله فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ لِلْجَنَّةِ: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ».
فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَا كَانَ صِفَةً وَمَا كَانَ مَخْلُوقًا فَعُبَّرَ بِاسْمِ الصِّفَةِ عَنْهُ.
وَبِهَذَا يَزُولُ الْإِشْكَالُ عَنْ بَعْضِ الْإِضَافَاتِ كَـجَنْبِ الله ورَوحِ الله ورُوحٌ مِنْهُ.
فَجَنْبُ الله لَيْسَتْ صِفَةً وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ "فِي حَقِّ الله" وَهَذَا لَيْسَ تَأْوِيلًا لِأَنَّ تَفْرِيطَ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ فِي صِفَةٍ لِلَّهِ، فَإِذَا كَانَ -مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ- تَفْرِيطُ الْعَبْدِ فِي حَقِّ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِجَنْبِهِ الْمُتَّصِلِ بِأَضْلَاعِهِ وَأَنَّ التَّفْرِيطَ لَمْ يُلَاصِقْهُ، فَكَيْفَ يُظَنُّ ذَلِكَ فِي ذَاتِ الله إِلَّا الْمُفَوِّضَةُ قَدْ يَزْعُمُونَ هَذَا، وَهَذَا إِلْزَامٌ لَهُمْ.
وَمِثْلُهُ رَوحُ الله فَالرُّوحُ عَيْنٌ مَخْلُوقَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهَا فَلَيْسَتْ صِفَةً لِلَّهِ وَلَا بَعْضًا مِنْهُ كَمَا يُظَنُّ فِي قَوْلِهِ وَرُوحٌ مِنْهُ فِي حَقِّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَـ(مِنْ) هُنَا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ وَإِنَّمَا هِيَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فَمِنْهُ كَانَ إِرْسَالُ جِبْرِيلَ إِلَى مَرْيَمَ فَنَفَخَ فِيهَا الرُّوحَ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ فَأَغْنَتْ عَنْ الزَّوْجِ لِوِلَادَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِدُونِ أَبٍ.
فَلَا يُقَالُ لِمَنْ هَذَا عُمْدَتُهُ فِي تَفْسِيرِ مَا عَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الصِّفَاتِ بِحَيْثُ جَعَلَهُ فِي غَيْرِ الصِّفَاتِ أَنَّهُ أَوَّلَ صِفَةً أَوْ تَجَهَّمَ كَمَا يَحْلُو لِلْبَعْضِ وَصْفُهُ بِذَلِكَ حَتَّى يَتَوَصَّلَ إِلَى تَكْفِيرِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
إِضَافَةُ الصِّفَةِ إِلَى الله بِصِيغَةِ الْجَمْعِ:
نَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ بَعْضَ الْآيَاتِ قَدْ أُضِيفَ فِيهَا الْفِعْلُ إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ، بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، مَعَ أَنَّ الْفِعْلَ فِي الْحَقِيقَةِ صَادِرٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ بِأَمْرِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ تِلْكَ الْإِضَافَةَ لَا تُعَدُّ مِنْ صِفَاتِ الله، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: "مَا يُسْنِدُهُ سُبْحَانَهُ إِلَى نَفْسِهِ بِصِيغَةِ ضَمِيرِ الْجَمْعِ قَدْ يُرِيدُ بِهِ مَلَائِكَتَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: 18]، وَقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: 3]، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ، فَتَأَمَّلْهُ". (بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ)
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ [مريم: 79]. مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80].
وَمِنْ الْآيَاتِ الَّتِي اخْتلَفَ فِي تَفْسِيرِهَا الْمُعَاصِرُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ [الواقعة: 85]. وَفِي نَفْسِ الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16].
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مَعْنَى أَقْرَبُ أَنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ يَقْتَرِبُ مِنْ الْمُحْتَضَرِ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ قُرْبُ الْمَلَائِكَةِ وَهَذَا لَيْسَ تَأْوِيلًا أَوْ تَحْرِيفًا لِأَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ.
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ تَتَحَدَّثُ عَنْ لَحْظَةِ الْمَوْتِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالِ تَكُونُ الْمَلَائِكَةُ حَاضِرَةً لِقَبْضِ الرُّوحِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ [الأنعام: 61].
وَأَيْضًا السِّيَاقُ وَالسَّبَاقُ لِنَفْسِ الْآيَةِ فَبَعْدَ أَنْ قَالَ تَعَالَى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16] قَالَ: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 17-19].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ (مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى): "لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الْقُرْبِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ فِيهِ قُرْبَهُ يُرَادُ بِهِ قُرْبُهُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَبْقَى هَذَا مِنَ الْأُمُورِ الْجَائِزَةِ، وَيُنْظَرُ فِي النَّصِّ الْوَارِدِ؛ فَإِنْ دَلَّ عَلَى هَذَا حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى هَذَا حُمِلَ عَلَيْهِ".
وَلِذَلِكَ يُبَادِرُ بَعْضُهُمْ إِلَى اتِّهَامِ مَنْ فَسَّرَ الْقُرْبَ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ بِالتَّأْوِيلِ ظَنّاً مِنْهُ أَنَّ الْقُرْبَ فِي كُلِّ الْمَوَاضِعِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَالْمَسْأَلَةُ وَإِنْ حَدَثَ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ إِلَّا أَنَّهَا تَبْقَى اجْتِهَادِيَّةً مَا دَامَ الْمُخَالِفُ يُثْبِتُ لِلَّهِ صِفَةَ الْقُرْبِ وَالدُّنُوِّ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ (مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى): "أَمَّا دُنُوُّهُ نَفْسُهُ وَتَقَرُّبُهُ مِنْ بَعْضِ عِبَادِهِ، فَهَذَا يُثْبِتُهُ مَنْ يُثْبِتُ قِيَامَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِنَفْسِهِ، وَمَجِيئَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنُزُولَهُ، وَاسْتِوَاءَهُ عَلَى الْعَرْشِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمَشْهُورِينَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالنَّقْلُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرٌ".
لِذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ نَقُولُ إِنَّ الْقُرْبَ أَخَصُّ مِنْ الْمَعِيَّةِ، فَالْمَعِيَّةُ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ بَيْنَمَا الْقُرْبُ خَاصٌّ وَالتَّفْصِيلُ تَجِدُهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
إِضَافَةُ الظِّلِّ إِلَى الله وَاخْتِلَافُ أَهْلِ الْعَصْرِ:
لَا أَزَالُ أَتَعَجَّبُ مِمَّنْ شَنَّعَ عَلَى بَعْضِ أَئِمَّةِ الْعَصْرِ مِمَّنْ أَثْبَتَ الظِّلَّ لِلَّهِ وَوَصَفَ الْقَوْلَ بِصِفَاتٍ لَا تَلِيقُ مُعْتَمِدًا عَلَى فَهْمِهِ وَأَنَّ لَازِمَ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ أَعْلَى مِنْ الله أَوْ خَلْفَ الله وَتَغَافَلَ عَنْ الْقَاعِدَةِ الَّتِي يُقِرُّ بِهَا بَلْ وَيُعَلِّمُهَا طُلَّابَهُ أَنَّ صِفَاتِ الله لَا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، فَذَاكَ الْإِشْكَالُ مِنْهُ قَدْ يُقْبَلُ لَوْ قِيلَ أَنَّ ظِلَّ الله كَظِلِّ بَاقِي الْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، لَكِنَّهَا زَلَّةُ عَالِمٍ.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِعُلَمَاءِ الْعَصْرِ:
- مَنْ يُثْبِتُ الظِّلَّ لِلْعَرْشِ وَلَيْسَ لِلَّهِ وَيَحْتَجُّ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا تَفْسِيرُ الظِّلِّ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ بِـ «ظِلِّ عَرْشِهِ» وَكُلُّهَا تَتَكَلَّمُ عَنْ ظِلٍّ وَاحِدٍ، فَفِيهَا «لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ.
- مَنْ يُثْبِتُ الظِّلَّ لِلَّهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ بِقَوْلِهِ هَذَا يَسِيرُ عَلَى الْجَادَّةِ الَّتِي سَارَ عَلَيْهَا السَّلَفُ حِينَ قَالُوا "أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ" وَيَحْمِلُ الْأَحَادِيثَ الَّتِي جَاءَ فِيهَا أَنَّ الظِّلَّ لِلْعَرْشِ عَلَى أَنَّهُ ظِلٌّ آخَرُ، وَمِنْ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْلِ مَنْ يَتَكَلَّفُ فِي تَضْعِيفِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا «ظِلِّ عَرْشِهِ».
- مَنْ يُعْرِضُ عَنْ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ وَيَقُولُ إِنَّهُ ظِلٌّ يَخْلُقُهُ اللَّهُ وَحُجَّتُهُ أَنَّ الْعَرْشَ أَكْبَرُ مِنْ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ التَّأَمُّلِ فَهَذِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُبَرِّرُ هَذَا الْقَوْلَ بِأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الشَّمْسِ فَلَا ظِلَّ لَهُ.
فَكَمَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ لَا يَعُدُّونَ الْحَدِيثَ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ، فَفَسَّرُوهُ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ وَلَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا الْهُروبَ مِنْ التَّشْبِيهِ فَوَقَعُوا فِي التَّعْطِيلِ كَمَا تَفْعَلُ الْأَشَاعِرَةُ.
فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ مِنْ مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ.